الاثنين 26 أكتوبر 2015 02:10 ص

تنفق المملكة العربية السعودية المال كما لو أنه لا يوجد غد قادم. ويشير تقرير حديث من صندوق النقد الدولي أنه قد لا يكون هناك غد لبيت آل سعود. من دون خفض لمعدلات الإنفاق الضخمة فإن المملكة العربية السعودية سوف تستنفذ احتياطياتها النقدية خلال 5 سنوات وفق معدلات الأسعار الحالية كما يقدر صندوق النقد الدولي. المملكة العربية السعودية هي بلد غني يعج بأناس فقراء، وقد اشترى آل سعود الكثير من شرعيتهم عبر دعم رعاياهم، ومع ذلك فإنهم الآن مضطرين إلى اتخاذ نوع من التدابير التقشفية التي يصر صندوق النقد الدولي على أنها ضرورية للحفاظ على المملكة من نفاد الاحتياطيات بحلول عام 2020. مصر، التي تعتمد الآن على الدعم السعودي، هي أيضا عرضة للخطر.

لعبة توقع سقوط «آل سعود» هي هواية حمقاء استمرت لسنوات. كما كتب «وليام كوانت» في مجلة «فورين أفيرز» منذ 20 عاما: «هناك صناعة تتشكل حول التوقع الوشيك لانهيار بيت آل سعود». استطاع السعوديون المراوغة بسفينتهم والبقاء إلى الآن برغم كل التقلبات. ولكن يبدو أن هذه المرة قد تكون مختلفة. فكل أدوات بقاء النظام الملكي تتطلب قدرا كبيرا من المال كما أن أولياء النقاء الإسلامي في أراضي المعارك حول المملكة يجنون مصداقيتهم مع سقوط المملكة في عمق الأزمات أكثر وأكثر.

المؤسسة الدينية في المملكة العربية السعودية هي واحدة من آليات تحقيق الاستقرار الأكثر أهمية في المملكة. الفكر الوهابي يؤكد على الطاعة المطلقة للحاكم، وهو الملك في حالة المملكة العربية السعودية، ولكن فقط طالما أنه يطبق الإسلام. تحالف البيت الملكي السعودي مع الجيش المصري ضد جماعة الإخوان المسلمين، وهي شكل من الإسلام أكثر جاذبية للشباب السعودي وقد تم استبعادها من السلطة والامتياز بواسطة المملكة، كما تكثف «الدولة الإسلامية» دعايتها بقيادة الإسلام في مواجهة بيت «آل سعود» المتصلب، وهو خطر أشار إليه عدد من المحللين الغربيين. وفي نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014 دعا زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية»، «أبوبكر البغدادي» المسلمين إلى التمرد ضد نظام الحكم في المملكة العربية السعودية كما نظمت «الدولة الإسلامية» عدة تفجيرات انتحارية استهدفت الأقلية الشيعية في البلاد في وقت سابق هذا العام لتأكيد سلطتها ضد المؤسسة الدينية المتحالفة مع الحكومة، إضافة إلى تبني هجوم مدمر ضد مسجد شيعي في الكويت في يونيو/حزيران الماضي.

وقد استجابت المملكة العربية السعودية لهذه التهديدات عبر تقديم نفسها في صورة البطل السني في مواجهة إيران الشيعية. وحذر تحليل نشر في «IHS JANES» من «محاولات الملك سلمان للحفاظ على دعم المؤسسة الدينية من خلال استخدام لغة طائفية مشحونة تستهدف إيران والشيعة بشكل عام ما قد يسفر عن نتائج عكسية خلال 3-5 سنوات وبخاصة إذا رأي السعوديون أن النظام الملكي يفشل في تقليص توسع النفوذ الإيراني».

في خلفية هذه الحرب الطائفية، لا تزال المشاكل الاقتصادية تمثل أعظم تهديد لاستقرار النظام في المملكة العربية السعودية. هناك 2000 أمير سعودي يسيطرون على البلاد ويقومون بشراء ولاء سكان المملكة عبر تقديم الدعم. وبناء عليه فإنهم قد لا يكونون قادرين مستقبلا على شراء السلم الاجتماعي وفقا لصندوق النقد الدولي.

الرسم البياني على اليسار يظهر سعر النفط الذي تتوازن عنده ميزانية المنتجين الرئيسيين في الشرق الأوسط. (الأعمدة الصفراء) في الحالة السعودية تظهر أن سعر التعادل هو 105 دولار أمريكي للبرميل. تمثل النقاط الخضراء عدد الأعوام التي يحتاجها كل بلد من أجل استنفاذ احتياطياته النقدية. إيران الآن على خط التعادل. السعودية والجزائر لديها خمس سنوات، وإيران لديها ثمانية.

يطلب صندوق النقد الدولي من السعوديين خفض الإنفاق بمعا يعادل أكثر من 20% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.

وليس من الواضح ما إذا كانت المملكة العربية السعودية قادرة على خفض إنفاقها بشدة مع المحافظة على اسقرارها السياسي. ليست هناك بيانات رسمية عن الفقر في المملكة العربية السعودية، ولكن تستخدم أحد الصحف السعودية بيانات الخدمات الاجتماعية لتقدير أن هناك 6 ملايين، من بين 20 مليون هم إجمالي سكان المملكة، يعانون من الفقر.

في أعقاب ثورات الربيع العربي في عام 2011، قامت الرياض بزيادة الإنفاق الاجتماعي إلى 37 مليار دولار، بمعدل 6 آلاف دولار لكل شخص فقير في المملكة وذلك من أجل استباق انتشار السخط على أراضيها . المملكة العربية السعودية الآن تنفق 48 مليار دولار على الدفاع، وتخطط لزيادة هذا الإنفاق إلى 63 مليار دولار بحلول عام 2020. النظام الملكي عليه مجاراة الحشد العسكري الإيراني المتوقع بعد الاتفاق النووي مع مجموعة 5+1 من أجل الحفاظ على مصداقيته.

المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى هي أيضا من تبقي مصر واقفة على قدميها. فقد تعهدوا بتقديم مبلغ 12.5 مليار دولار كمساعدات جديدة لمصر في وقت سابق من هذا العام، وتتوقع وسائل الإعلام المصرية أن تصل إجمالي حزمة المساعدات إلى 20 مليار دولار.

تم الانقلاب على الرئيس المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين في يوليو/تموز من عام 2013 تحت دعوى الانهيار الاقتصادي وقد سعى خليفته الجنرال «عبد الفتاح السيسي» إلى تأمين المساعدات فورا من دول الخليج.

الاقتصاد المصري لا يزال يتدهور. اتسع عجز الميزان التجاري بشكل مضطرد منذ الإطاحة بالرئيس «حسني مبارك» في عام 2011، أكبر دولة عربية تستورد نصف احتياجاتها الغذائية، وتعاني عجزا في الميزان التجاري السنوي (الفارق بين الصادرات والواردات) بأكثر من 40 مليار دولار.

إذا اختفى الدعم الخليجي، فسوف يفشل الاقتصاد المصري وتراجعت موازنة عائدات السياحة بشكل حاد، بانخفاض بلع 41% فقط بين عامي 2012-2013 ليصل إلى5.9  مليار دولار سنويا. نصف المصريين يعتمدون على الإعانات الحكومية، التي فاقمت من عجز الموازنة ليصل إلى 12.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

حتى في ظل الظروف الاستراتيجية والاقتصادية السلبية، فإن آل سعود لديهم موارد هائلة. هناك 100 ألف من رجال الحرس الوطني يمثلون الشرطة الداخلية وأغلبهم من أبناء القبائل الموالية للعائلة المالكة, السعوديون ودول الخليج الأخرى أيضا يستأجرون المرتزقة الباكستانيين الذين يبلغ نسبتهم في بعض التقديرات 10% ضمن 500 ألف عنصر في الجيش والشرطة في دول الخليج. في ظل بعض الظروف فإن وجود عدد كبير من الأجانب في القوات المسلحة السعودية قد يصبح خطرا كما لو حدث تمرد من قبل 1.5 مليون عامل باكستاني في المملكة.

والمشكلة هنا هي أن «آل سعود» لديهم القليل من الأصدقاء. تم التخلي عنه السعودية من قبل الولايات المتحدة، حليفها الرئيسي، في صفقة نووية مع إيران. وقد انضمت روسيا إلى جبهة إيران في سوريا بدعم صيني. ولم تكن تركيا أبدا صديقة، وهي مقربة من الإخوان المسلمين، المعارضين الرئيسيين للسعودية، أكثر من قربها من العائلة المالكة.

من أجل إرضاء رجال الدين الوهابيين، فقد سمح النظام الملكي لمواطنيه بتمويل بعض التنظيمات المتشددة. أخبرني أحد المسؤولين الصينيين مؤخرا أن أحد الأشياء التي تخشاها الصين في الشرق الأوسط هي تمويل السعودية للمدارس الدينية الوهابية في شينجيانغ، الولاية الصينية ذات الأغلبية الإسلامية. على السطح، تبدو العلاقات السعودية الصينية ممتازة. كما أن الصين هي أكبر عميل للنفط السعودي، رغم أن الصين قد اشترت المزيد من النفط من روسيا خلال عام 2015. وتأخذ روسيا ثمن النفط بالعملة الصينية بينما يطالب السعوديون بالثمن بالدولار الأمريكي.

الدول مثل روسيا والصين لا ترى في إيران تهديدا. المسلمون في البلدين معظمهم من السنة وليسوا من الشيعة. انتشار الأصولية الإسلامية من المدارس الدينية الممولة سعوديا يخيف الصين التي لا تمتلك دفاعات طبيعية ضد الأيديولوجيات الدينية الأجنبية.

يعلم السعوديون أن المال لا يشتري التفوق الاستراتيجي، خاصة عند النقطة التي يصبح فيها المال شحيحا. جعلت المملكة أولئك الذين تنبئوا بسقوطها يبدون وكأنهم مجموعة من الحمقى لعقود طويلة. ولكن الأمور الآن قد تكون مختلفة.