الأحد 6 يونيو 2021 10:22 ص

"الأزمة غير مرتبطة باعتقال شخص أو عدم اعتقاله، إذ لم تبدأ مع تهريب المتهم إلى الأراضي الإسبانية ولن تنتهي برحيله عنها، الأمر يتعلق بثقة واحترام متبادل جرى العبث بهما وتحطيمهما".. هكذا عبرت وزارة الخارجية المغربية عن موقفها إزاء تصاعد التوتر مع إسبانيا على خلفية استضافة الأخيرة زعيم البوليساريو "إبراهيم غالي"، بدعوى تلقيه العلاج من فيروس كورونا.

تصاعدت حدة الأزمة بين البلدين بعد اتهام الجانب الإسباني للمغرب بأنه قام بتخفيف القيود على الحدود مع جيب سبتة الخاضع للإدارة الإسبانية شمال أفريقيا، ما أدى إلى عبور نحو 8000 شخص بشكل غير قانوني إلى السواحل الإسبانية، ما سلط الضوء على الجذور الحقيقية للأزمة ودلالات ما آلت إليه والسيناريوهات المتوقعة لها مستقبلا.

في هذا الإطار، نقلت صحيفة "أوك دياريو" الإسبانية عن مسؤولين شاركوا في جهود ترحيل "غالي" إلى الجزائر، يوم الثلاثاء الماضي، أن هواتف الخارجية الإسبانية لم تتوقف في هذا اليوم على خلفية تصريح زعيم البوليساريو بأنه سيغادر إسبانيا دون المثول أمام القاضي في دعاوى ضده تتهمه بارتكاب مذابح، وهو ما دفع الرباط إلى تحذير إسبانيا من أن ذلك سيزيد الأزمة تعقيدا، لتقرر حكومة "بيدرو سانشيز" أنها ستسمح بمغادرة زعيم البوليساريو لكن بعد مثوله أمام القضاء.

وفي بيان أصدرته الخارجية المغربية عشية مثول "غالي" أمام المحكمة اعتبرت أن القضية تشكّل "اختبارا لمصداقية الشراكة" بين البلدين، وأصرّت على "توضيح صريح" من الجانب الإسباني.

جذور الأزمة

وتعود جذور الأزمة إلى عام 1975، حين بدأ نزاع بين المغرب و"البوليساريو" حول إقليم الصحراء، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده بالمنطقة، ليتحول الخلاف إلى نزاع مسلح استمر حتى 1991 بتوقيع وقف لإطلاق النار.

وتصر الرباط على أحقيتها في إقليم الصحراء، وتقترح حكما ذاتيا موسعا تحت سيادتها، فيما تطالب "البوليساريو" بتنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو طرح تدعمه الجزائر التي تستضيف لاجئين من الإقليم، كما تدعمه إسبانيا.

واليوم، يخضع الجزء الأوسع من الإقليم لسيطرة الرباط، فيما تعتبرها الأمم المتحدة "إقليما غير متمتع بالحكم الذاتي" في ظل غياب تسوية نهائية للنزاع.

وكانت إسبانيا أول دولة رفضت قرار الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" بالاعتراف بـ"سيادة المغرب" على الصحراء، وهو ما "أغاظ الرباط" بحسب تعبير ممثل البوليساريو في إسبانيا "عبدالله عرابي"، وفقا لما نقلته قناة "الحرة" الأمريكية.

أوراق الضغط

وفي رد انتقامي على ما يبدو، سمحت السلطات المغربية لما بين 8 آلاف و10 آلاف شخص بعبور الحدود إلى جيب "سبتة" الخاضع للحكم الإسباني، ولم تكن أحداث 17 و18 مايو/أيار في هذا الجيب هي المرة الأولى التي يستخدم فيها المغرب المهاجرين للضغط على إسبانيا، ففي الأشهر الأخيرة، شهدت جزر الكناري الإسبانية أيضا موجة من المهاجرين من المغرب ودول أفريقية أخرى.

وفيما يبدو، يشجع الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية الرباط على الضغط بقوة أكبر لكي تحذو أوروبا حذو واشنطن، ما يمثل عنصر ضغط كبير على إسبانيا.

وفي هذا الإطار، جاء وصف رئيس الوزراء الإسباني "بيدرو سانشيز" لتخفيف المغرب ضوابطه الحدودية بأنه "عمل من أعمال التحدي" و"إظهار عدم الاحترام" للاتحاد الأوروبي بأكمله.

ومن شأن استمرار أزمة الزيادة المحتملة لأعداد المهاجرين غير النظاميين إلى إسبانيا خلق مشاكل لوجستية وأمنية قد تجبر إسبانيا على نشر أفراد أمن إضافيين في المناطق المعرضة للخطر.

ويجعل القانون الإسباني من الصعب طرد القصر غير المصحوبين بذويهم، ما يعني أن بعض المهاجرين سيبقون في إسبانيا وستصبح مدريد مجبرة على استيعابهم.

وقد تؤدي نزاعات مدريد مع الرباط إلى زيادة الغضب العام ضد إسبانيا في المغرب، ما يعرض الشركات الإسبانية في الدولة الواقعة في شمال أفريقيا لمقاطعات واحتجاجات وأعمال تخريبية محتملة، بحسب مركز "ستراتفور" الأمريكي للدراسات الاستراتيجية والأمنية.

ثمة ورقة ضغط أخرى تستخدمها الدبلوماسية المغربية ضد مدريد أيضا، تتمثل في تسليط ظلال سلبية على صورة القضاء الإسباني ومدى استقلاليته، على خلفية التعاطي مع زعيم البوليساويو دون احتجازه على ذمة القضايا المرفوعة ضده.

محللون مغاربة، بينهم "سمير بنيس"، تواتروا على وصف القضاء الإسباني بـ "غير المستقل"، وعبروا عن استغرابهم لتجاهل الدعاوى التي رفعت ضد غالي "وإتلاف القرائن التي تدينه"، وفقا لما نقلته قناة "الحرة" الأمريكية.

واعتبر "بنيس" أن الدليل على "عدم استقلالية" القضاء الإسباني، هو أن المحكمة العليا الإسبانية "لم تتخذ أي إجراء منذ عام 2012 للبت في الدعوة التي تقدم بها 281 شخصا من "ضحايا إرهاب البوليساريو في السبعينيات من القرن الماضي" حسب تعبيره.

كما انتقد المحلل المغربي عدم اتخاذ القاضي الإسباني أي قرار احتياطي ضد زعيم البوليساريو من قبيل تشديد المراقبة عليه أو احتجاز جواز سفره على الرغم من الظروف غير القانونية التي دخل في إطارها للتراب الإسباني.

وفي السياق، نددت رئيسة مرصد الصحراء للسلم والديمقراطية وحقوق الإنسان "عائشة الدويهي"، بقرار القاضي الإسباني، وعبرت عن "خيبة أملها والضحايا في استقلالية القضاء الإسباني".

تراجع مدريد

بدت أوراق الضغط المغربية في أزمة "غالي" مؤثرة، ما دفع رئيس الوزراء الإسباني "بيدرو سانشيز" للتأكيد على أن العلاقات بين البلدين يجب أن يسودها "الاحترام" و"الثقة"، مؤكدا أن المغرب حليف "استراتيجي" لإسبانيا.

وبينما كانت الخطة الإسبانية لرحيل "غالي" تقضي بأن يغادر على متن طائرة جزائرية دون تسجيل المعلومات الإلكترونية عن الرحلة، أخبر المغاربة الإسبان بأن ذلك مستحيل؛ لأن الطائرة الجزائرية حكومية، وتعمل في الخدمة الطبية للرئاسة الجزائرية، ما يعني أن إعادة "غالي" على متنها يمنحه معاملة رئيس دولة.

وأصرت الرباط على خروج "غالي" كأجنبي قبل وصول الطائرة بقليل، ما أجبر السلطات الإسبانية على إعادة الطائرة الجزائرية بعد اقترابها من المجال الجوي الإسباني.

وبعد دراسة خيارات متنوعة، وقع الاختيار على شركة فرنسية مرموقة ومكلفة، متخصصة في نقل المدنيين الأثرياء من أفريقيا، لنقل "غالي" إلى الجزائر، وعند هذه النقطة عادت الدبلوماسية المغربية لتشترط أن يتم نقل زعيم البوليساريو دون أن يرافقه أي مسؤول إسباني، وهو ما "استسلمت" له إسبانيا، بحسب تعبير تقرير لصحيفة "أوك دياريو" الإسبانية.

وفي نفس يوم إعلانها مغادرة زعيم "البوليساريو" لأراضيها، أعلنت الحكومة الإسبانية، رغبتها في عودة العلاقات مع المغرب إلى طبيعتها. وقالت المتحدثة باسمها "ماريا جيسوس مونتيرو"، في تصريحات صحفية، إن بلادها تأمل في عودة العلاقات مع المغرب إلى طبيعتها في "الساعات المقبلة"، حسبما نقل موقع "إل بايس" الإسباني.

مستقبل التوتر

وإزاء فصول الأزمة وتوابعها، يتوقع أستاذ العلاقات الدولية "العمراني بوخبزة" أن خروج "غالي" من إسبانيا قد يخفف من حدة التوتر الإسباني مع المغرب، لكنه لا ينهيه، لأن جذر الأزمة لا يزال قائما، وهو موقف مدريد من قضية الصحراء، وفقا لما أوردته وكالة "الأناضول".

وأوضح: "في الظاهر تعلن إسبانيا أن ملف الصحراء بيد الأمم المتحدة، لكن في إطار الممارسة، نجد أنها تعادي مصالح المغرب وتساوم مصالح المملكة مع أعدائها".

ويتوقع "ستراتفور" أن يزداد نفوذ المغرب ضد إسبانيا في الأشهر المقبلة، حيث سيشجع دفء الطقس المهاجرين على دخول الأراضي الإسبانية عن طريق البحر والبر.

أما رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات "أحمد الدرداري" فيلفت إلى أن اتفاقيات التعاون الاقتصادي مع إسبانيا قد تخضع إلى مراجعة جذرية في المغرب إذا لم تقدم مدريد تراجعا واضحا عن موقفها من قضية الصحراء، وفقا لما أورده موقع "هسبريس" المغربي.

ويرجح الأكاديمي المغربي أن يتعرض التواجد الاقتصادي الإسباني في المغرب لتهديد حقيقي عبر إيقاف عمل الشركات الإسبانية الموجودة في المغرب؛ على اعتبار أن الأزمة تتعلق بالسيادة وليست خلافا جانبيا.

ويشير "الدرداري" إلى احتمال آخر أكثر تصعيدا، يتمثل في وقف الرباط للتعاون الاستخباراتي مع مدريد، ما قد ينتج مخاطر كثيرة تهدد أمن المتوسط وأوروبا ويفتح باب الخطر من جديد على دول المنطقة المتوسطية؛ ومنها البوابة الإسبانية، خاصة أن المغرب أفشل عمليات ومخططات إرهابية كانت تستهدف إسبانيا ودولا أوروبية، بحسب قوله.

فهل تصل فصول قادمة للأزمة إلى هذا المستوى؟ المسار الذي سيسلكه مستقبل العلاقات الإسبانية المغربية ينطوي على إجابة السؤال.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات