لم يفاجئ فوز الرئيس السوري "بشار الأسد" في انتخابات "عرض الدمى" الشهر الماضي بنسبة 95% من الأصوات أي شخص لديه أي فهم لكيفية عمل النظام السوري. لكنها تخدم غرضا مهما لحكومة "الأسد" في دمشق، فهو لا يريد إثبات أنه يتمتع بشعبية بقدر إثبات أن نظامه خرج منتصرا من الحرب الأهلية السورية وأن حقبة جديدة بعد الصراع قد بدأت للتو.

وقال المحلل المقيم في دمشق "داني مكي"، : "لمهرجان الولاء الموجه للأسد والاحتفالات السياسية من جانب واحد دلالات محلية وإقليمية. أولا، تظهر من لا يزال الرئيس في سوريا. وثانيا ترسل رسالة غير مستترة إلى دول الخليج التي قطعت نصف طريق التقارب البطيء مع دمشق، في إشارة واضحة إلى السعودية والإمارات العربية حول من هو المسؤول".

اقتصاد في حالة من الفوضى والعقوبات الأمريكية

وبالرغم من أن النظام يحتفل بانتصاره على المعارضة السورية، إلا أن مستقبل البلاد خلال ولاية "الأسد" الرابعة، التي تمتد لـ 7 أعوام، يبدو قاتما.

وأوضح الدكتور "جوشوا لانديس"، الزميل غير المقيم في معهد "كوينسي"، أن "الاقتصاد السوري في حالة من الفوضى، والعملة منهارة، والكهرباء محدودة في جميع أنحاء البلاد، ولم يشعر السوريون أبدا باليأس والفقر كما هم الآن".

وأضاف: "قلق الأسد الأكبر هو تنشيط الاقتصاد وإعادة بناء تحالف القوى السياسية الذي أبقى عائلته في السلطة لمدة 50 عاما. وعليه على الأقل إقناع السوريين بالخضوع لحكمه. وسوف يحاول أيضا إعادة بناء قدر ضئيل من الثقة بين النخب التي يعتمد عليها لإعادة بناء البلاد".

وبالرغم من أن هذه الانتخابات قد تساعد وضع نظام دمشق في العالم العربي الأوسع، إلا أنها لن تفعل شيئا لإضفاء الشرعية على "الأسد" أمام الحكومات الغربية. ويبقى تطبيق "قانون قيصر" إحدى إجراءات إدارة "ترامب" التي استمرت إدارة "بايدن" في دعمها .

وبعد دخوله حيز التنفيذ عام 2020، يسمح القانون بفرض عقوبات على أي شركة أو فرد، أمريكي أو أجنبي، يتعامل مع أهم قطاعات الاقتصاد السوري. ويؤثر القانون تأثيرا مخيفا على المستثمرين الأجانب المحتملين أو المؤسسات التجارية الأخرى التي قد تميل إلى المشاركة في إعادة إعمار سوريا.

ومع ذلك، يأمل "الأسد" وحليفه الأجنبي الأقوى، روسيا، في إقناع دول الخليج الثرية بتمويل إعادة إعمار سوريا وتنميتها، وأن الانتخابات التي انتهت للتو، مهما كانت هزلية، ستساعد في هذا الجهد. ومع تجدد العلاقات مع الخصمين السابقين مصر والإمارات، والتواصل المبدئي من جانب السعودية، قد يتم إعادة قبول "سوريا الأسد" في جامعة الدول العربية قريبا.

الافتقار إلى استراتيجية واسعة وواقعية لسوريا

وفي هذه المرحلة، تفتقر إدارة "بايدن" إلى استراتيجية واضحة أو متماسكة للتعامل مع سوريا. وقد يستنتج البيت الأبيض أن نهج "عدم التدخل" نسبيا "يمكن الدفاع عنه من الناحية الاستراتيجية".

وكما قال "ستيفن إيه كوك" في مجلس العلاقات الخارجية مؤخرا، "لا يوجد ما يكفي على المحك من حيث المصالح الأمريكية للولايات المتحدة للقيام بأكثر من مجرد فرض عقوبات وضرب الإرهابيين والاحتجاج على تجاوزات الأسد العديدة ضد إخوانه من البشر، على أمل أن يتغير شيء ما يضع حدا لكابوس سوريا".

وحتى لو كان الأمر مبنيا على التمني، فقد ترى إدارة "بايدن" التطبيق العدواني لقانون قيصر كوسيلة ضغط لإجبار "الأسد" على تقديم تنازلات طال انتظارها للغرب، بما في ذلك شكل من أشكال تقاسم السلطة مع المعارضة وتقليل نفوذ موسكو وطهران.

وفيما يتعلق بإدلب، التي لا تزال تحت سيطرة المعارضين، من المحتمل أن تعمل الإدارة بشكل وثيق مع أنقرة. وأشار "لانديز" في إحدى رسائل البريد الإلكتروني إلى أن "تركيا بدأت في تقديم العديد من الخدمات واستبدال دمشق في إدلب. وبما أن هاتاي أصبحت تابعة لتركيا بعد ضمها في عام 1939، يمكن أن يصبح شمال غرب سوريا أيضا جزءا من تركيا إذا سمح المجتمع الدولي بذلك. وسيقبل العديد من سكان المنطقتين أن يصبحوا أتراكا بدلا من العودة إلى سوريا التي يديرها الأسد".

وفي الوقت نفسه، يريد البيت الأبيض ضمان أن تحافظ القوات العسكرية الأمريكية على وجودها في شمال شرق البلاد الغني نسبيا بالنفط والغاز بالتعاون مع وحدات حماية الشعب التي يهيمن عليها الأكراد، أو وحدات حماية الشعب، حتى لو كانت هذه السياسة ستؤدي إلى تفاقم التوترات المستمرة مع أنقرة.

وفي العام الماضي، قبل تعيينه وزيرا لخارجية "بايدن"، شدد "أنتوني بلينكن" على أن الدور العسكري للولايات المتحدة في الجيب الذي يحكمه الأكراد يمنح واشنطن "نقطة نفوذ" قيّمة في مواجهة التطورات في أماكن أخرى في سوريا.

ومع ذلك، يعتقد "لانديس" أن حكومة "الأسد" ستستعيد في نهاية المطاف شمال شرق سوريا لأن واشنطن "سوف تتعب من جهودها لاستخدام روجافا، الاسم الكردي للمنطقة، كقوة ضاربة ضد الأسد وإيران".

ووفقا لـ "لانديس"، فإن وحدات حماية الشعب "ستتعامل مع الأسد مهما كلفها الأمر"، بالنظر إلى أن المجموعة تفضل العيش في ظل "الأسد" على مواجهة الأتراك بمجرد توقفها عن الاعتماد على واشنطن.

مواجهة روسيا وإيران في سوريا؟

ومع ذلك، ستسعى الإدارة إلى مواجهة النفوذ الروسي والإيراني في سوريا، لا سيما في ضوء مخاوف إسرائيل، التي نفذت العديد من الهجمات على القوات الإيرانية أو المدعومة من إيران بموافقة واشنطن الواضحة في الأعوام القليلة الماضية. وضمن هذا السياق، من المرجح أن تضرب واشنطن الميليشيات المدعومة من إيران، مثل كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء ولواء فاطميون.

وعند تحديد سياسة "بايدن"، سيعتمد الكثير على كيفية ارتباط الإدارة بعملية "أستانا"، إن وجد هذا الارتباط. وتم إطلاق العملية عام 2017 من قبل روسيا وإيران وتركيا بهدف تهدئة الصراع السوري والتوصل في نهاية المطاف إلى تسوية سياسية، لكن الأطراف فشلت في تحقيقها حتى الآن.

ولقد مكنت آستانة موسكو، أقوى داعم لـ "الأسد"، من تعميق انقسامات المعارضة السورية، وساعدتها على جذب تركيا إلى فلكها. وربما الأهم من ذلك، من خلال العمل مع إيران وتركيا، تمكن الروس من الحد من نفوذ واشنطن.

ويثير فشل "آستانة" حتى الآن في حل أكثر المسائل حساسية للحرب الأهلية المستمرة منذ 10 أعوام، مثل مستقبل "الأسد" والدستور الجديد، التساؤل حول ما إذا كان لا يزال لدى واشنطن دور لتلعبه ولأي غرض.

ويقول "لانديس" متشككا: "من المرجح أن تفقد الولايات المتحدة اهتمامها تدريجيا بقلب موازين القوة داخل سوريا، خاصة أنها تكتشف مدى صعوبة وتكلفة تحويل شمال شرق سوريا إلى اقتصاد قابل للحياة، ناهيك عن مدى نكران الجميل الذي وجدته في مهمة الفصل بين العرب والأكراد وكذلك الأتراك والأكراد".

وسوف يسعى فريق "بايدن"، الذي من غير المرجح أن يغير وجهة نظر واشنطن القديمة بأن رئيس الدولة السوري غير شرعي، إلى منع "الأسد" من تأكيد سيطرته على السكان وإعادة بناء الثقة بين النخب السورية التي يحتاجها الرئيس لإعادة بناء البلاد، الذي، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة لعام 2019، سيكلف ما يصل إلى 250 مليار دولار.

ومن الواضح أن هذا المبلغ سيتطلب أيضا مساعدات واستثمارات أجنبية كبيرة تأمل موسكو ودمشق أن يتم توفير الكثير منها من قبل الممالك الغنية بالنفط في الخليج العربي.

وعلى حد تعبير "لانديس"، "كلما أعادت الدول المجاورة علاقاتها مع سوريا بشكل أسرع وبدأت في تقويض العقوبات الغربية، سيبدأ الاقتصاد السوري بشكل أسرع في النمو مرة أخرى، وستتم إعادة الإعمار بشكل أسرع".

ولكن هذا أيضا هو المكان الذي يمكن أن يلعب فيه "قانون قيصر" دورا إذا قررت الإدارة الأمريكية استخدامه بشكل حاسم. وفي حين أنها لم تقاوم بعد الاتجاه المتزايد من قبل الحكومات العربية لإعادة إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع دمشق، وهي خطوة رمزية في الغالب، فمن المتوقع أن تستخدم الإدارة في هذه المرحلة "قانون قيصر" كتهديد لتثبيط أي محاولات رئيسية من قبل دول الخليج لتجديد العلاقات الاقتصادية والاستثمارية القوية في سوريا. وبالفعل، قال وزير الخارجية الإماراتي "الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان"، إلى جانب نظيره الروسي في دبي، في مارس/آذار الماضي، إن العقوبات "تجعل الأمر صعبا" فيما يتعلق بالتعاون الدولي في الملف السوري.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تجادل دول الخليج بأن مشاركتها الاقتصادية مع دمشق التي تعاني من ضائقة مالية، كما هو الحال مع بغداد، ستزيد من نفوذها على "الأسد" على حساب إيران. لكن يبقى أن نرى ما إذا كان لهذا السرد أي وزن في واشنطن.

ومع التركيز بشكل أساسي على أجندتها المحلية وعلى إيران واليمن في الشرق الأوسط، يبدو أن إدارة "بايدن" راضية عن إلقاء سوريا إلى الخلف مع بعض المناورات المحدودة عبر "قانون قيصر".

المصدر | جورجيو كافييرو/ريسبونسيبل ستيت كرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد