الجمعة 18 يونيو 2021 03:14 م

بعد قمة "العلا" التاريخية في السعودية في 5 يناير/كانون الثاني 2021، كانت مصر أول دولة عربية تعيد العلاقات الدبلوماسية مع قطر. وخلال الأسابيع اللاحقة للقمة، اتفق الجانبان على التعاون في مجالات مختلفة مفيدة للطرفين رغم الخلافات المستمرة بينهما. وفي نهاية المطاف، يعد هذا تطورا إيجابيا للمنطقة، ويجب على الإدارة الأمريكية تشجيعه.

وبعد وقت قصير من قمة "العلا"، ذهب وزير المالية القطري إلى مصر لافتتاح فندق "سانت ريجيس" في القاهرة بتكلفة مليار دولار. وفي 20 يناير، تم الإعلان الرسمي عن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

والشهر الماضي، التقى الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" بوزير الخارجية القطري "محمد بن عبد الرحمن آل ثاني" في القاهرة، ودعا أمير قطر "تميم بن حمد آل ثاني" الرئيس المصري لزيارة الدوحة، للمرة الأولى منذ وصول "السيسي" إلى السلطة عبر انقلاب عام 2013.

ولاحقا، التقى وزير الخارجية القطري بنظيره المصري "سامح شكري" لإجراء محادثات حول "المناخ الإيجابي" في العلاقات القطرية المصرية.

وشهدت العلاقات الثنائية تعاونا أكبر في مجالات أخرى غير الاستثمار والدبلوماسية. وفيما يتعلق بالقضايا الإقليمية، هناك تنسيق متزايد بين القاهرة والدوحة، يتضح من التنسيق بين الجانبين للوصول إلى وقف لإطلاق النار الذي أنهى الحرب بين غزة وإسرائيل في مايو/أيار الماضي. وستحاول القاهرة استكشاف طرق أخرى لتعزيز مصالحها من خلال الحوار والتعاون مع القطريين في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط وأفريقيا.

وبالنسبة للكثيرين، كان تحسن العلاقات بين القاهرة والدوحة مفاجأة هذا العام. وقال الأستاذ المساعد في مركز "ابن خلدون" بجامعة قطر "علي باكير": "لم يكن الكثير من المصريين يتوقعون ذلك من حكومتهم.. وحتى اللحظة الأخيرة، كانوا يعارضون أي تطبيع للعلاقات مع قطر. بل إن بعضهم ذهب ليقول إنه حتى لو أعادت دول الحصار الخليجية العلاقات مع الدوحة، فلن تفعل مصر ذلك".

ومع وجود رئيس أمريكي جديد في المكتب البيضاوي، ورحيل "ترامب" الذي وصف "السيسي" بأنه "الديكتاتور المفضل لديه"، اتخذت القيادة المصرية خطوات لتثبت للإدارة الأمريكية الحالية أنها مستعدة للعمل بشكل وثيق مع فريق "بايدن" وإجراء بعض التعديلات على سياستها الخارجية في المنطقة، بما في ذلك تجاوز الخلاف مع قطر وهو الأمر الذي يرحب به "بايدن" ووزير خارجيته "أنتوني بلينكين".

وقال البروفيسور "أندرياس كريج"، المحاضر في كلية الدراسات الأمنية في "كينجز كوليدج" بلندن: "يحاول السيسي أن يصبح أكثر نشاطا كصانع سلام في المنطقة بدلا من كونه مصدر اضطراب".

ويحاول "السيسي" مغازلة واشنطن وإظهار أن مصر لاعب بناء بالرغم من سجل حقوق الإنسان الرهيب والقضايا المحلية الأخرى. وفي الوقت نفسه، فقد أدرك الرئيس المصري عدم جدوى حملة عزل قطر. ومع تضرر الاقتصاد بشدة من أزمة "كوفيد-19"، أدركت مصر حاجتها إلى المزيد من الاستثمارات القطرية التي يمكن أن تأتي مع استعادة العلاقات الرسمية. ومع ضغط القضايا الاقتصادية في مصر، رأى المسؤولون في القاهرة أن تكاليف استمرار موقفها السابق من قطر تفوق أي فوائد.

وأوضح "كريج" أن "مصر تريد جذب استثمارات من قطر. ويسعد قطر الاستثمار حيثما أمكن ذلك. وتريد قطر أن تصبح أكثر دعما لمصر مستقرة. ومن الواضح أن هذا لا علاقة له بالنظام، بل يتعلق الأمر أكثر بالتأكد من أن مصر لن تفشل، ولا أحد لديه مصلحة في ذلك".

تصورات التهديد في مصر

وقد يكون النظام المصري أيضا في وضع أفضل بالنسبة لمعركته المتصورة مع جماعة الإخوان المسلمين؛ ما يجعل سياسات قطر الإقليمية تبدو أقل تهديدا وخطورة من منظور القاهرة. وبالرغم أن قضية الإخوان المسلمين لا تزال تمثل عاملا إشكاليا في العلاقات الثنائية، إلا أن كلا الجانبين قد ينجح في إدارتها.

وقال "كريج": "لا يشعر نظام السيسي أنه مهدد بنفس الطريقة التي كان عليها في 2013 أو 2014. وهو لا يرى أن الإخوان المسلمين يشكلون تهديدا كبيرا للنظام في هذه المرحلة، بالرغم أنه يرى أن الإخوان لا يزالون يمثلون تهديدا أساسيا للأمن والاستقرار الإقليميين. وبالتالي، تم تنحية قضية علاقة قطر بالإسلام السياسي في المنطقة، والتي لا تزال مصر ترى أنها إشكالية بشكل أساسي".

وفي ليبيا، ما يزال من غير الواضح كيف ستتطور الأحداث السياسية من الآن وحتى الانتخابات الوطنية المزمع إجراؤها في ديسمبر/كانون الأول. وتشعر القاهرة بالقلق من جماعات معينة في ليبيا ربما تهدد مصر على طول حدودها الغربية. وتعتقد مصر أن قطر يمكن أن تلعب دورا إيجابيا في الوساطة ينتج عنه تفاهم بين القاهرة ومختلف الفصائل الإسلامية المتواجدة في ليبيا، والتي فشل اللواء "خليفة حفتر" المدعوم من مصر في الإطاحة بها في حملته العسكرية في الفترة 2019-2020.

ويمكن للحوار والتعاون المصري القطري المتنامي أن يساعد القاهرة في التعامل مع الجدل الدائر حول سد النهضة الإثيوبي، وهو أحد أخطر القضايا الإقليمية التي تواجه صناع القرار المصريين في السياسة الخارجية. وعلاوة على استثماراتها في مصر، تعد قطر مستثمرا رئيسيا في إثيوبيا والسودان، ما يمنح الدوحة نفوذا على نزاع سد النهضة إذا ما كانت هناك فرصة لحله سلميا. وإذا تمكن القطريون من استخدام أوراقهم لتقليل الاحتكاك بين الدول المعنية، وبالتالي تقليل مخاطر التصعيد، فسيكون المسؤولون في القاهرة ممتنين للدوحة.

وفي الواقع، كثفت قطر هذا الشهر من جهودها حول نزاع سد النهضة. وفي 13 يونيو/حزيران، ذهب وزير الخارجية المصري إلى الدوحة لمناقشة عدة قضايا، بما في ذلك الخلاف حول سد النهضة. وبعد يومين، عقدت جامعة الدول العربية اجتماعا في قطر لمناقشة هذا الأمر.

وطالب وزراء خارجية الدول العربية مجلس الأمن الدولي بالتدخل في هذا الخلاف الإقليمي، كما أكد وزير الخارجية القطري الشيخ "محمد بن عبد الرحمن آل ثاني" أن "هناك موقف عربي موحد" حيال هذه القضية. وأضاف، دون الخوض في التفاصيل: "تحدثنا عن المفاوضات بشأن السد الإثيوبي من أجل الوصول إلى تسوية عادلة لجميع الأطراف المعنية".

حدود المصالحة

وواقعيا، لن تخلو العلاقة القطرية المصرية من الصعوبات. ولا يزال البلدان ينظران إلى بعض القضايا، وعلى رأسها الإسلام السياسي، بطرق مختلفة للغاية. وبالرغم أن تقارير قناة "الجزيرة" عن مصر في فترة ما بعد العلا كانت أقل انتقادا لحكومة "السيسي"، إلا أن القيادة في القاهرة لا تزال تنظر إلى الشبكة القطرية على أنها إشكالية.

ومن المحتمل ألا يتم حل القضايا الخلافية التي أدت إلى انضمام مصر للحملة ضد الدوحة في منتصف عام 2017. لكن الواضح أن الدولتين عازمتان على إدارة هذه المشاكل بطرق تتيح لمصر وقطر فرصا للتعاون في المجالات التي تتماشى فيها مصالحهما.

وعبر بعض الخبراء مثل "باكير" عن تفاؤلهم بشأن قدرة القاهرة والدوحة على مواصلة تحسين علاقتهما دون السماح للخلافات بتقويض هذه العملية.

وقال: "في بعض الحالات، لا أميل إلى إعطاء ما يسمى بالاختلافات الأيديولوجية وزنا كبيرا في التحليل؛ لأنني لا أراها سوى ذريعة لتدوير وتبرير المواقف والتدابير السياسية، وتأمين الدعم الأجنبي. ويشير استئناف العلاقات بشكل سلس وسريع في الحالة المذكورة إلى صحة هذا الكلام".

وأضاف: "لا يعني هذا أن العلاقات بين قطر ومصر ستكون خالية من التحديات، لكن طالما أن الخلافات يمكن السيطرة عليها ولا تعيق التعاون في المجالات المختلفة، فيمكن احتواء الخلافات أو التغلب عليها، وستكون الأمور جيدة لكليهما على ما أعتقد".

أين الإمارات؟

ومن الناحية الجيوسياسية، فإن أحد أهم الأسئلة التي يجب طرحها هو ماذا يعني تحسن العلاقات القطرية المصرية بالنسبة للإمارات، وتحديدا تحالف "أبوظبي-القاهرة". وبالرغم أن القيادة الإماراتية قد ترى الدفء المتجدد لمصر تجاه قطر مصدر إزعاج، فمن غير المرجح أن تؤدي وجهات النظر المختلفة للقاهرة وأبوظبي بشأن الدوحة إلى أي مشاكل كبيرة بين الإماراتيين والمصريين.

وستتعامل مصر مع القضايا الإقليمية بشروطها ووفق أولوياتها الخاصة، التي قد لا تتماشى دائما مع الإمارات. ويفسر ذلك سبب اتجاه القاهرة إلى تحسين علاقاتها ليس فقط مع قطر ولكن أيضا مع تركيا، مع تحويل سياستها الخارجية في ليبيا نحو نهج أكثر دبلوماسية. ومع ذلك، فإن سعي القاهرة لتحسين العلاقات مع المزيد من القوى الإقليمية لا يعني أن مصر على وشك مغادرة المعسكر الإماراتي.

ونظرا لأن مصر وقطر لا تزالان على صفحات مختلفة أيديولوجيا، فمن الواضح أنه لا تزال هناك علاقة أكبر بين القاهرة وأبوظبي منها بين القاهرة والدوحة. لكن هذه الديناميكيات الأيديولوجية لن تمنع مصر من تبني "نهج أكثر براجماتية"، كما قال "كريج". وكان الوضع في غزة الشهر الماضي مثالا على ذلك؛ حيث تعاون الطرفان للوصول لوقف إطلاق النار وإقناع حماس بقبول ذلك.

ويرى بعض الخبراء أن المخاوف المصرية بشأن تراجع القيمة الاستراتيجية للقاهرة لدى شركائها في الخليج، وتحديدا الإمارات والسعودية، تدفع أيضا مصر لإصلاح العلاقات مع الدوحة.

وفي إشارة إلى اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل باعتبارها سببا لأن ترى أبوظبي أن مصر أقل أهمية من الناحية الجيوسياسية بالنسبة لها، أوضح "باكير" أن "استئناف العلاقات مع الدوحة لن يؤدي فقط إلى تنويع علاقات القاهرة، وزيادة قدرتها على الاستفادة اقتصاديا من جميع المعسكرات، بل سيزيد من قيمتها في أعين معارضي الدوحة".

وفي هذا الصدد، سيكون من العملي بالنسبة لمصر أن تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع أعضاء مجلس التعاون الخليجي الـ6، والاستفادة قدر الإمكان مما يمكن أن يقدمه كل منهم للقاهرة.

أخبار إيجابية لواشنطن

ويجب على فريق "بايدن" أن يرى ذوبان الجليد في العلاقات القطرية المصرية كفرصة لمزيد من التنسيق الدبلوماسي والاقتصادي بين أصدقاء واشنطن في العالم العربي في حقبة ما بعد "ترامب". ونظرا لأن المنطقة تواجه تهديدات كبيرة مثل تغير المناخ، وجائحة "كوفيد-19"، وغيرها من المشاكل العابرة للحدود، فهناك حاجة أكبر للتعاون وتجاهل الخلافات الأيديولوجية.

وأشادت إدارة "بايدن" بنتائج قمة العلا، وأشارت إلى تخفيف هذا الصدع العربي الداخلي باعتباره يبشر بالخير لمصالح الولايات المتحدة.

وبالرغم من أهمية بعض القضايا الخلافية بين مصر وقطر، إلا أنه من المفيد أن يدرك البلدان الحاجة إلى إدارة مصادر الاحتكاك هذه بينما يبحثان في الوقت نفسه عن أرضية مشتركة في مجالات أخرى.

وسيكون من الإيجابي للمنطقة ككل أن تتخذ الإدارة الحالية في واشنطن خطوات لتشجيع المصريين والقطريين على المضي قدما في تحسين علاقتهما.

المصدر | جورجيو كافييرو/إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد