السبت 24 يوليو 2021 10:34 ص

حذر المحلل السياسي الإسرائيلي في صحيفة "هآرتس" العربية " تسفي برئيل" من تأثير الكشف عن فضيحة التجسس باستخدام برنامج "بيجاسوس"، الذي طورته شركة "NSO" الإسرائيلية على سمعة بلاده، متساءلا عما إذا كانت حكومة تل أبيب على علم من عدمه بأنشطة التجسس الضخمة تلك، التي طالت زعماء دول وسياسيين بارزين وناشطين وحقوقيين حول العالم.

وقال "برئيل"، في تحليل نشرته الصحيفة الجمعة: "عند البحث على محرك جوجل، الخميس بمصطلحي (Israel) و(NSO) خرجت 9 ملايين و680 ألف نتيجة، وهذا نتيجة طبيعية لبرنامج التجسس بيجاسوس، الذي أنشأته أمة الشركات الناشئة (إسرائيل)".

وأضاف أن هذا البرنامج يساهم في "وصم إسرائيل بأنها دولة تساعد الديكتاتوريين على اضطهاد نشطاء حقوق الإنسان والصحفيين والدول الصديقة".

ولفت إلى أن التنصت ظاهرة طبيعية بين الدول والشركات التجارية، وأساس نشاط أجهزة الاستخبارات.

كما أن السفارات كانت من قديم الأزل هدفا للتنصت، حتى بين الدول الصديقة.

فيما تحولت مراقبة الأنظمة لحسابات مواقع التواصل الاجتماعي، مثل "فيسبوك" و"تويتر"، إلى ظاهرة "مقبولة" في الغالب، ولم تعد تثير أي اهتمام.

على سبيل المثال، تم نسيان قضية تنصت وكالة الأمن القومي الأمريكية على هواتف المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل"، التي هزت العلاقات بين الدولتين، أو تنصت الأمريكيين على شقة رئيس وزراء إسرائيل الأسبق "إيهود باراك".

واستدرك "برئيل"، قائلا: "لكن يبدو أن العاصفة والخوف هذه المرة ينبعان من الحجم الضخم لقضية التجسس المكتشفة؛ فحوالي 50 ألف رقم هاتف اُختيرت للتنصت، ومنها هواتف لرؤساء دول، وسياسيين كبار، ورجال أعمال، وصحفيين، ونشطاء اجتماعيين".

جريمة قتل "خاشقجي"

ولفت المحلل السياسي الإسرائيلي إلى أن اسم "NSO" تصدر عناوين وسائل الإعلام قبل 3 سنوات عقب جريمة قتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" في قنصلية المملكة بمدينة إسطنبول التركية في أكتوبر/ تشرين الأول 2018.

ففي مارس/آذار 2019، قال مدير شركة "NSO"، "شليف خوليو"، في مقابلة مع برنامج "60 دقيقة" لشبكة "سي بي إس" الأمريكية: "يمكنني التأكيد بوضوح أننا ليس لنا علاقة بهذا القتل الفظيع".

لكن التحقيق الاستقصائي الأخير الذي أجرته صحيفة "الجارديان" البريطانية وعشرات الصحف والمراسلين في العالم، والذي يفحص تورط شركة "NSO" في قضايا التجسس، أظهر أن هاتف زوجة "خاشقجي"، "حنان العتر"، تم اختراقه ببرنامج "بيجاسوس" قبل عدة أشهر على قتل الصحفي السعودي.

كما كشف التحقيق أنه بعد بضعة أيام فقط على جريمة القتل تلك جرت محاولة لاختراق هواتف أصدقاء "خاشقجي" عبر البرنامج ذاته.

فيما تم إدراج رقم هاتف المدعي العام في تركيا ضمن قائمة الهواتف "المهمة جدا" التي تم الكشف عنها كأهداف للاختراق، لكن لم يتضح ما إذا كان مشغلو "بيجاسوس" نجحوا في اختراقه من عدمه.

إن التنصت على هاتف المدعي العام التركي كان حيويا، على ما يبدو، بالنسبة لولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" كي يعرف خبايا التحقيق في جريمة قتل "خاشقجي" والأدلة التي قد تدينه.

الأميرتان "لطيفة" و"هيا"

في العام نفسه (2018)، برز اسم "NSO" في قضايا أخرى مرتبطة بإمارة دبي.

فقد هربت الأميرة "لطيفة"، ابنة حاكم دبي "محمد بن راشد"، من البيت وشقت طريقها على متن يخت من عُمان إلى الهند.

وبعد أن غادر اليخت المياه الإقليمية لعُمان، اعتقدت الأميرة أنها في الطريق إلى نيل حريتها.

لكن خلال فترة قصيرة تم وقف اليخت من قبل جنود كوماندوز تابعين لدبي؛ حيث  اختطفوا الأميرة وأعادوها إلى بيتها.

وهناك، بقيت لفترة طويلة دون أن يسمع أحد عنها أو يشاهدها.

وأظهر التحقيق الاستقصائي حول أنشطة "بيجاسوس" أن الأميرة "لطيفة" ووالدتها الجزائرية "حورية أحمد لمعاش" كانتا هدفا محتملا للمتابعة بواسطة برنامج التجسس الإسرائيلي، وكان التقدير أن هذا البرنامج ساعد رجال الكوماندو على معرفة مكان وجودها الأميرة على اليخت.

بعد مرور عام على ذلك، وتحديدا في العام 2019، اهتزت الإمارات ودول عربية أخرى بنبأ هروب الأميرة "هيا"، زوجة "بن راشد"، والأخت غير الشقيقة لعاهل الأردن الملك "عبدالله الثاني"، إلى بريطانيا.

وتداولت وسائل الإعلام الكثير من التفاصيل عن أسباب هروبها، ومن ضمنها المعاملة المهينة التي كانت تتلقاها في بلاط حاكم دبي.

لكن ما يتبين الآن هو أن هاتفها ربما كان ملاحقا بصورة دائمة بواسطة برنامج "بيجاسوس".

وتساءل "برئيل": "هل كانت NSO تعلم أن البرنامج الذي باعته لدبي مخصص لملاحقة زوجة وابنة بن راشد؟ أو أن المصادقة على البيع كان جزءا من التعاون الاستخباري بين إسرائيل والإمارات حتى قبل التوقيع على اتفاق السلام؟".

استهداف "ماكرون" وملك المغرب

لكن المحلل السياسي الإسرائيلي يرى أنه إذا كان وصف القضايا الثلاث السابقة بانها "إساءة استخدام" لبرنامج "بيجاسوس" من أجل أغراض شخصية، فمن الصعب تصنيف ما كشفه التحقيق الاستقصائي حول استهداف الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" من قبل المغرب بالطريقة ذاتها.

ونفت "NSO" تحديد "ماكرون" كهدف لزبائنها، وقالت الشركة إن ظهور رقم هاتفه ضمن قائمة الهواتف التي كُشفت لا يدل على أن البرنامج مزروع في هاتفه.

وكان ملك المغرب "محمد السادس" نفسه، حسب قائمة الهواتف، هدفا للمتابعة من جانب جهات في الجيش والمخابرات في بلاده.

ومثله أيضا رئيس الحكومة "سعدالدين العثماني".

وإذا كانت هذه الوقائع صحيحة فهي توضح مدى عمق الشكوك والمخاوف بين النخب الحاكمة في المغرب والتهديدات الحقيقية التي تحدق باستقرار الدولة.

تجسس سعودي على مصر

وإضافة إلى ما سبق، أظهر التحقيق الاستقصائي أن قائمة أهداف السعودية على برنامج التجسس "بيجاسوس" شملت وزراء وسياسيين ورجال أعمال بارزين في مصر. ومن بين هؤلاء رئيس الوزراء "مصطفى مدبولي" ووزراء الخارجية والمالية والعدل والتكنولوجيا، فضلا عن زعيم حزب الغد "أيمن نور" وشخصيات أخرى.

وبين أن معظم عمليات التنصت على هواتف الوزراء المصريين حدثت في مارس/آذار 2019، عندما انعقدت القمة العربية، معتبرا أن السبب الرئيسي لاستهداف السعودية للوزراء كان الرغبة في معرفة موقف الحكومة المصرية من القضايا المطروحة، وكيف كانت تخطط لإدارة النقاشات.

وليس من الواضح ما إذا كان البرنامج قد تم تثبيته بالفعل في الهواتف المستهدفة، لكن نية التجسس على الحكومة المصرية توضح أنه حتى بين الحلفاء القدامى، مثل مصر والسعودية، فإن الشكوك وعدم الثقة تظل عاملا دائما.

وفي محاولة لتفسير سبب التجسس السعودي على مصر، يقول معلقون في القاهرة إن الرياض أرادت رسم خريطة للشخصيات المصرية المؤثرة من أجل التأثير على السياسة الداخلية لمصر.

ويرقى هذا التفسير، وفق "برئيل"، إلى مستوى اتهام المملكة بالتدخل في الشؤون الداخلية لمصر، أو على الأقل بقصد القيام بذلك.

وكانت مصر والسعودية والإمارات وجهت اتهامات مماثلة لقطر، واستخدمت ذلك كذريعة رسمية للمقاطعة والحصار الذي فرضوه على قطر، لمدت زادت 3 أعوام ونصف العام.

 ومع ذلك، يستبعد المحلل السياسي الإسرائيلي أن تقوم مصر بهذه الخطوة الدراماتيكية ضد السعودية؛ خاصة أنها تعتمد بشكل كبير على المملكة اقتصاديا ودبلوماسيا.

واختتم "برئيل" تحليله بطرح عدة تساؤولات: "هل كانت حكومة إسرائيل تعرف عن قائمة زبائن NSO؟ وهل صادقت أو كان يمكنها المصادقة على بيع البرنامج لكل زبون من زبائن NSO؟ وهل بادرت عبر الشركة أو بواسطة زبائنها إلى التنصت على هذه الأهداف؟

وأضاف: "هذه بعض الأسئلة فقط التي سيتم التحقيق فيها من قبل جهات أمنية واستخبارية ولجان برلمانية وحكومية في كل الدول التي تم الكشف فيها عن نشاطات البرنامج".

المصدر | هآرتس/تسفي برئيل - ترجمة وتحرير الخليج الجديد