الأربعاء 28 يوليو 2021 01:05 م

إلام تؤشر المواقف العربية من استيلاء الرئيس التونسي "قيس سعيد" على كامل السلطات، الأحد الماضي، وتركيزها بيده في إجراءات استثنائية خالفت نص المادة 80 من الدستور، التي تنص على أن يكون البرلمان في حالة انعقاد دائم وقت الاستثناء؟

تصدّر هذا السؤال اهتمامات مراقبي الشأن التونسي خلال الساعات الماضية، خاصة بعدما أبدت دول، معروفة برفضها لأي مشاركة لتيارات الإسلام السياسي في الحكم، مواقف وصفت بـ"البراجماتية"، وعلى رأسها السعودية والإمارات.

فوزارة الخارجية في السعودية أصدرت، مساء أمس الثلاثاء، بيانا تطرقت فيه للأوضاع التي تشهدها تونس بعد القرارات التي أصدرها "سعيد"، وتضمن اعتبار المملكة كل ما يتعلق بالشأن الداخلي التونسي "أمراً سيادياً"، وتأكيد "الثقة في القيادة التونسية" لتجاوز هذه الظروف، وبما يحقق العيش الكريم للشعب التونسي وازدهاره.

ودعت الوزارة المجتمع الدولي إلى الوقوف إلى جانب تونس في هذه الظروف لمواجهة تحدياتها الصحية والاقتصادية، ما قدم انحيازا لدعم إجراءات "سعيد" لكن دون إعلان انحياز مباشر.

ونقلت وكالة الأنباء السعودية أن وزيري الخارجية السعودي "فيصل بن فرحان" والتونسي تحدثا، عبر الهاتف، الثلاثاء، وبحثا الوضع الراهن في تونس، وأكد الوزير السعودي "حرص المملكة على أمن واستقرار وازدهار الجمهورية التونسية الشقيقة ودعم كل ما من شأنه تحقيق ذلك".

وفي السياق ذاته، أعلن المستشار السياسي لرئيس دولة الإمارات "أنور قرقاش" أن موقف بلاده مما يجري في تونس يقوم على "العودة إلى أساسيات العلاقات الثنائية في عالم عربي ومحيط إقليمي شهد تحديات غير مسبوقة خلال العقد الماضي".

وأوضح "قرقاش"، عبر "تويتر"، أن هذه الأساسيات تتمثل في "احترام السيادة وعدم التدخل في الشأن الداخلي، والتركيز على ملفات التنمية والازدهار"، واصفا إياها بأنها "مبادئ رئيسية ليعود التوازن المنشود في العلاقات العربية والإقليمية".

هذا على المستوى الرسمي، أما صحف السعودية والإمارات فاحتفت باستيلاء "قيس سعيد" على كامل السلطات دون سند دستوري، وجاء العنوان الرئيسي لصحيفة عكاظ السعودية: "تونس تتطهر من رجس الإخوان"، فيما عنونت صحيفة "الوطن" السعودية تقريرها لوصف تطورات الأحداث في تونس: "تونس تستيقظ".

كما نشرت صحيفة "الوطن" الإماراتية تقريرا رئيسيا تحت عنوان "التونسيون يحتفلون بنهاية فوضى الإخوان".

أما موقف قطر فجاء بمسحة براجماتية أيضا، لكن دون إبداء انحياز غير مباشر لأي من أطراف النزاع التونسي، لا رسميا ولا إعلاميا، حيث دعت وزارة الخارجية أطراف الأزمة إلى "إعلاء مصلحة الشعب التونسي الشقيق، وتغليب صوت الحكمة، وتجنب التصعيد وتداعياته على مسيرة تونس وتجربتها التي نالت الاحترام في المحيطين الإقليمي والدولي".

وعبرت‏‎ الوزارة، في بيان، عن أمل قطر في أن تنتهج الأطراف التونسية طريق الحوار لتجاوز الأزمة وتثبيت دعائم دولة المؤسسات وتكريس حكم القانون في الجمهورية الشقيقة.

الأردن بدوره سار على المنوال ذاته، وأعلن في تغريدة لوزير خارجيته "أيمن الصفدي"، الإثنين الماضي، أن المملكة تتابع التطورات في تونس.

وأعرب "الصفدي" عن أمله في أن "يتجاوز الأشقاء التونسيون هذه الأوضاع الصعبة، بما يحفظ سلامة تونس وأمنها واستقرارها، ويحقق طموحات شعبها العزيز، ويحمي مصالحه، ومكتسباته ومسيرته ومنجزاته".

وفي البحرين، أكد مجلس الوزراء خلال جلسته الاعتيادية الأسبوعية، الإثنين، أنه تابع باهتمام آخر التطورات بالجمهورية التونسية، واكتفى بالتعبير، في بيان نشرته وكالة الأنباء البحرينية الرسمية، عن "تمنياته لتونس الشقيقة بتحقيق الخير والتقدم ومزيد من الاستقرار والنماء".

فيما دعا الأمين العام لجامعة الدول العربية "أحمد أبوالغيط"، في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية التونسي، الإثنين الماضي، إلى استعادة الهدوء والاستقرار في تونس.

ويرى مراسل "الجارديان" في الشرق الأوسط "مارتن تشولوف" أن السعودية والإمارات تعمدت أن يكون موقفها الرسمي مما يجري في تونس غير واضح، في إطار التطورات الإقليمية بحقبة ما بعد المصالحة الخليجية، وعودة عديد الأطراف في المنطقة إلى لغة الدبلوماسية الأقرب إلى الحياد.

لكن ذلك لا يؤشر إلى أي تغير بالموقف الحقيقي للسعودية والإمارات، بحسب "توشولوف"، الذي أكد، في مقال بـ"الجارديان"، أن "هناك اعتقادا متزايدا في بعض العواصم الأوروبية بأن بعض نظرائهم الإقليميين لم يكونوا غير راضين عن التطورات (في تونس)".

وفي الإطار ذاته، سلط "كلير باركر" الضوء على تطابق الأصوات المؤثرة في مصر والسعودية والإمارات، التي احتفت بالاضطرابات في تونس واعتبرتها ضربة للإسلام السياسي، وفقا لما أوردته صحيفة "واشنطن بوست".

وأوضح أن "السرد البارز من الدول العربية التي ترى في تونس الربيع العربي أكبر تحد لها، وهي السعودية ومصر والإمارات، كان واحدا، وهو أن أحداث تونس تمثل المسمار الأخير في نعش الإسلام السياسي ومشاركته في الديمقراطية".

ويرى المحللون أن الحملات الإعلامية تكشف عن محاولة الدول المستبدة استغلال الأزمة لسحق أي دعم للإسلام السياسي في المنطقة، إذ تتعامل هذه الدول مع الإخوان المسلمين والحركات التي تدعو للإسلام السياسي كتهديد، خاصة بعد الدعم الشعبي لهذه الحركات في أعقاب الربيع العربي.

ومن هنا يشير "إلهام فخرو"، من مجموعة الأزمات الدولية في بروكسل، إلى اختفاء "أي حديث عن المؤسسات التونسية أو الحفاظ على أي نوع من الحكم الديمقراطي" في هذه الحملات، "بل صورت على أن الشعب حرر نفسه من حكومة إسلامية قمعية" حسب قوله.

فيما نقل موقع "مدى مصر" عن مسؤول (لم يكشف عن هويته) قوله إن مصر ترى أن قرارات "سعيد" موجهة ضد "النهضة"، والحد من تأثيرها السياسي الذي تأمل أن تكون نهاية الديمقراطية التونسية التي لا تزال تلهم ناشطي الديمقراطية المصريين.

ليبيا والجزائر

حالة الاستثناء في المواقف العربية جاءت من شخصيات وقوى قريبة من تيار الإسلام السياسي، وتحديدا في ليبيا والجزائر، حيث أعلن رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي "خالد المشري"، الإثنين، رفضه "الانقلاب على الأجسام المنتخبة" في تونس.

وكتب "المشري"، عبر "فيسبوك": "فبراير (شباط) 2014 انقلاب (اللواء الليبي المتقاعد خليفة) حفتر، و25 يوليو (تموز) 2021 انقلاب قيس (سعيّد) ما أشبه الليلة بالبارحة". وأضاف: "نرفض الانقلابات على الأجسام المنتخبة وتعطيل المسارات الديمقراطية".

وفي السياق، اعتبر رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية "عبدالرزاق مقري" أن الرئيس التونسي "يجر بلاده والمنطقة إلى فتنة عظيمة بانقلابه على الديمقراطية".

وذكر "مقري"، عبر "فيسبوك"، أن "القوى الدولية والحكام العرب الذين خططوا له ويسندونه، وكذلك التيارات العلمانية في تونس؛ يفضلون الفوضى على الديمقراطية، وهم كلهم في خدمة المشروع الصهيوني والاستعماري، والذين سيبقون على الحياد في تونس شركاء في الجريمة ويتحملون مسؤولية المآلات".

سلطة الرأي الواحد وضمانات الديمقراطية

عد رئيس الحركة ورئيس البرلمان "راشد الغنوشي"، قرارات الرئيس الأخيرة "انقلابا على الثورة والدستور" وشدد على أن الشعب سيدافع عن الثورة، وحذر من أن قرارات "سعيد خطأ وستدخل تونس وشعبها في ظلمات وسلطة الرأي الواحد".

ووصف "علي" العريـض، نائب رئيس حركة النهضة، قرارات الرئيس حل البرلمان وعزل رئيس الحكومة بالانقلاب على الدستور والثورة، ودعا القوى السياسية والمنظمات المدنية والمواطنين إلى الوقوف في وجه كل النزعات الاستبدادية ومحاولة الالتفاف على الدستور.

وصرح نائب حركة النهضة بأن المجموعات التي اعتدت على مقار الحركة "بعضها تحصل على أموال واستعمل من قبل أطراف سياسية وبعضها قريب من رئيس الدولة التونسية قيس سعيد".

وأعلنت كتلة "قلب تونس"، وهي القوة الثانية في البرلمان، رفضها قرارات الرئيس، ووصفتها بأنها "خرق جسيم للدستور" وعبرت عن تمسكها بالشرعية الانتخابية واحترام القانون والمؤسسات.

كما دعت الحكومة إلى ممارسة مهامها الشرعية وتفادي إحداث فراغ مؤسساتي، وحثت الجيش والأمن على التزام دورهما التاريخي في حماية الدولة ومؤسساتها وقيم الجمهورية والثورة.

ودعت مجلس نواب الشعب (البرلمان) إلى الانعقاد فورا، كما دعت "المشيشي" إلى تولي مهامه الشرعية وتفادي إحداث فراغ في مؤسسة رئاسة الحكومة.

وعبر "ائتلاف الكرامة" عن رفضه القطعي للقرارات الأخيرة التي أعلنها الرئيس، ودعا الشعب إلى "الدفاع عن حريته وثورته".

ورأى أن الفصل (المادة) 80 من الدستور لا يسمح لـ"سعيد" باتخاذ هذه القرارات، وأضاف "عندما يبلغ الأمر برئيس الجمهورية أن ينقلب على المسار الديمقراطي والحرية والثورة نقول له: قف".

وأعرب حزب "التيار الديمقراطي" اختلافه مع تأويل رئيس الجمهورية للفصل 80 من الدستور، مؤكدا رفضه لما ترتب عنه من قرارات وإجراءات خارج الدستور، وفق وصفه.

وأكد، في بيان، أنه لا يرى حلا إلا في إطار الدستور، داعيا رئيس الجمهورية وكل القوى الديمقراطية والمنظمات الوطنية لتوحيد الجهود للخروج بالبلاد من الأزمة، باحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان ومقاومة الفساد المالي.

واعتبر حزب العمال أن ما أقدم عليه رئيس الدولة هو من الناحية القانونية خرق واضح للدستور وأحكام الفصل 80 الذي اعتمده.

ووصف قرارات "سعيد" بأنها "إجراءات استثنائية معادية للديمقراطية تجسم مسعى قيس سعيد منذ مدة إلى احتكار كل السلطات، التنفيذية والتشريعية والقضائية، بين يديه، وتدشن مسار انقلاب باتجاه إعادة إرساء نظام الحكم الفردي المطلق من جديد".

من جهته، اعتبر الحزب الجمهوري (غير ممثل بالبرلمان) أن هذه القرارات تعد خروجا عن نص الدستور، وانقلابا صريحا عليه وإعلان عودة إلى الحكم الفردي المطلق، وحنثا باليمين، التي أداها رئيس الجمهورية، بالسهر على احترام الدستور.

وأكد الحزب -وفقا لبيان نشرته وسائل إعلام محلية- رفضه لقرارات "سعيد" الأخيرة.

أعلنت حركة "تحيا تونس" أنها تقف إلى جانب المطالب الشرعية للتونسيين، وأنه "لا يمكن اليوم تجاهل صرخة المواطنين الذين خرجوا يوم 25 يوليو/تموز محتجين على تردي أوضاعهم المعيشية ومطالبين بحقهم في حياة سياسية تقطع مع الانحدار السياسي والأخلاقي الذي وقعت فيه فئة من نواب برلمان 2019 ومع العجز الفادح في تسيير شؤون الدولة".

وأكدت "تمسك الحركة المبدئي بالمنجز الديمقراطي التونسي وضرورة تقديم ضمانات واضحة وفق رزنامة محددة تصون الجمهورية والديمقراطية وتستكمل بناء مؤسساتها بعد معالجة إخلالات النظام السياسي".

أعلنت حركة الشعب (15 نائبا في البرلمان) مساندتها للقرارات التي أصدرها سعيد، واعتبرت أنها "طريق لتصحيح مسار الثورة الذي انتهكته القوى المضادة لها وعلى رأسها حركة النهضة والمنظومة الحاكمة برمتها".

وقالت إن رئيس الجمهورية لم يخرج بهذه القرارات عن الدستور، بل تصرف وفق ما تمليه عليه مسؤوليته في إطار القانون والدستور حفظا لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها وضمان السير العادي لدواليب الدولة.

وقال اتحاد الشغل، وهو أقوى منظمة نقابية في البلاد، إنه يجب أن ترفق التدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس "سعيد" بضمانات دستورية، مضيفا -في بيان- أنه "يجب الحرص على التمسك بالشرعية الدستورية وتأمين استمرار المسار الديمقراطي، واحترام الحقوق والحريات والاحتكام إلى الآليات الديمقراطية في أي تغيير".

وعبر عن رفضه لجوء أي طرف إلى العنف وسياسة التشفي وتصفية الحسابات، ودعا كل الأطراف إلى النأي بالمؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية.

وفي سياق متصل، حذرت منظمات المجتمع المدني الرئيسية في تونس، ومنها الاتحاد العام للشغل ونقابتا الصحفيين والمحامين والرابطة التونسية لحقوق الإنسان، الثلاثاء، الرئيس التونسي من تمديد الإجراءات الاستثنائية التي أعلن عنها يوم الأحد لأكثر من شهر، ودعت، في بيان، إلى وضع "خارطة طريق تشاركية" للخروج من الأزمة.

أما الجمعية التونسية للقانون الدستوري، فأصدرت، الإثنين، بيانا عبرت فيه عن "انشغالها العميق لدخول الجمهورية التونسية في حالة استثناء، تمثل بطبيعتها وضعية دقيقة يمكن أن تفتح الباب على عدّة انحرافات"، موضحة أن تجميد جميع اختصاصات مجلس نواب الشعب "لا يدخل ضمن التدابير الاستثنائية التي يمكن اتخاذها بناء على الفصل 80 من الدستور، وذلك لأنه ينص على بقاء المجلس في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة، الأمر الذي يتناقض مع تجميد اختصاصاته".

واعتبرت الجمعية أن "استمرار هذه الحالة الاستثنائية سيمكن رئيس الجمهورية من مواصلة احتكار جميع السلطات دون رقابة، الأمر الذي قد يدفع بالبلاد نحو المجهول".

سيناريوهات المستقبل

وإزاء ذلك، يتوقع الدبلوماسي التونسي السابق والمحلل السياسي "جلال الأخضر"، 3 سيناريوهات محتملة للأزمة، الأول سلبي، يتمثل في احتدام الصراع بين الأطراف السياسية وهو ما قد يساهم في تطور الصراع السياسي، خاصة أن عديد الأحزاب عبرت عن اختلافها مع تأويل الرئيس التنونسي للمادة 80 من الدستور، وفقا لما أورده موقع "أفريكان مانجر" باللغة العربية.

وأضاف أن السيناريو الثاني يتمثل في أن تلعب المنظمات الوطنية، على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل، دورا في التوصل الى حلول وقتية عبر إيجاد آليات جديدة تمكن من الخروج من الأزمة السياسية.

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في التوصل إلى "إقامة الجمهورية الثالثة" من خلال آليات يتم تحديدها وفق ما تقتضيه المرحلة، و"قد يلعب فيها الشركاء الدوليون والمنظمات الوطنية دورا هاما"، بحسب "الأخضر"، الذي يرى السيناريو الثالث أفضل الحلول وأصعبها أيضا.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات