بعد فورة إنفاق غير مسبوقة من المقرر أن تزيد من عدد طائراتها الحربية بنسبة 900%، تجد الحكومة القطرية نفسها تصارع مشكلة لوجستية: كيف ستقوم الدولة الصغيرة الغنية بالنفط، التي يبلغ عدد سكانها 550 ألف شخص، بإدارة وتشغيل ترسانة أسلحتها الضخمة الآن.

يبدو أن هناك خطة قيد التنفيذ، حيث تعتزم الحكومة القطرية نشر حوالي 36 من طائراتها الحربية وناقلاتها في تركيا بموجب اتفاقية "نشر مؤقت" مدتها 5 سنوات. لكن هذه الخطوة يمكن أن تخلق متاعب سياسية لكلا البلدين، حيث يتعين على الحكومة الفرنسية (التي باعت طائرات لقطر) أن تزن السياسات المحلية والرغبة في توسيع بصمتها الصناعية الدفاعية في المنطقة.

تسمح الاتفاقية، التي وقعها أخيرًا رئيسا أركان البلدين في الدوحة، في 2 مارس/آذار 2021، لقطر بنشر طائرات مقاتلة وناقلات في القواعد التركية لغرض التدريب وتقديم الدعم داخل المجال الجوي للبلد المضيف.

ووفقًا لتقارير صحفية قطرية وتركية، سيتم نشر حوالي 12 مقاتلة قطرية من طراز "رافال" و 10 طائرات حربية من طراز "ميراج 2000"، إلى جانب ناقلات "سوبر هرقل سي 130 جي" و "سي 17" في تركيا بموجب الاتفاقية (لا توجد معلومات واضحة حول الموعد الذي تنوي قطر القيام به لنشر طائراتها في تركيا)، ومن المعلوم أن تركيا لديها قاعدة عسكرية في الدوحة مع حوالي 5000 جندي يتمركزون هناك.

وينص الاتفاق، الذي لم يتم الإعلان عنه رسميًا ولكن تم تسريبه إلى وسائل الإعلام، على أن قطر ستبني المنشآت المطلوبة لاستيعاب الطائرات الحربية وطياريها وأطقمها المساندة.

تمنح الاتفاقية قطر مكانًا لتأسيس طائراتها الحربية الجديدة وتدريب طياريها، مع تعزيز العلاقات مع تركيا. في غضون ذلك، ستعمل أنقرة على تعزيز موقعها الجيواستراتيجي من خلال ضمان علاقات عسكرية قوية مع منتج رئيسي للنفط والغاز في وسط دول الخليج العربية القريب من أحد منافسيها الإقليميين الرئيسيين - السعودية.

بالنظر إلى المستقبل، يمكن أن تصبح قاعدة الطائرات المقاتلة دائمة، وقد تفكر الدوحة في التبرع بها لأنقرة كعربون تقدير، إذا تم منح الموافقة من باريس.

وفقًا لمصادر وخبراء في الصناعة، فإن نشر طائرات حربية هجومية في بلد أجنبي يتطلب موافقة مسبقة من الدولة التي تم بناء الطائرات فيها - في هذه الحالة فرنسا، حيث التزم المسؤولون الحكوميون الصمت بشأن هذه القضية.

وقد تواصلت "ديفينس بريكنج" عبر البريد الإلكتروني مع وزارة الدفاع الفرنسية للحصول على تعليقات بشأن الاتفاقية التركية القطرية. وأقرت وزارة الدفاع الفرنسية بإدراكها للاتفاق، وأشارت إلى أن "الفقرة 15 فقط من المادة 4 تتعلق بالطائرات المقاتلة وأنه لم يُذكر فيها إلا أنه في حالة تحليق طائرات مقاتلة (قطرية)، يجب أن تكون طائرة تركية جزءًا من الطائرات المقاتلة".

كما تسمح الاتفاقية للأتراك بوجود ضابط مراقبة واحد على الأقل على متن طائرة نقل قطرية. والجدير بالذكر أن الاتفاقية لا تتطرق إلى ما إذا كان سيتم السماح لضابط تركي بقيادة الطائرات القطرية، أو التحليق بمقعدين من طائرات "رافال" أو "ميراج". (تشغل قطر طائرات مقاتلة ذات مقعد واحد ومقعدين؛ ومن غير المعروف في هذا الوقت أي نوع من المقعدين سيوجد في الطائرات التي سيتم وضعها في تركيا).

ولم ترد حتى الآن معلومات أخرى حول ما إذا كانت وزارة الدفاع قد وافقت على نشر المقاتلات الفرنسية الصنع في تركيا، أو وافقت على قيادتها من قبل الطيارين الأتراك.

 ومع ذلك، يعتقد بعض الخبراء أن باريس قد ترى فوائد في السماح بنشر المقاتلات القطرية، بالرغم من المعارضة المحلية المحتملة والتحفظات المحتملة من اللاعبين الأجانب.

وفقًا لـ"جوستين مازونييه"، المستشارة الأمنية ​​الفرنسية المستقلة، يمكن أن تمنح هذه الاتفاقية صناعة الدفاع الفرنسية خطوة نحو اختراق السوق التركية - وهو هدف طال انتظاره.

لقد حاولت فرنسا لسنوات طويلة دخول السوق التركية (على الرغم من حظر الأسلحة في عام 2019). وقد قالت "مازونييه" إن العسكريين الأتراك سيكونون قادرين على تقييم جودة المواد الفرنسية وتحديد احتياجاتهم العملياتية بأنفسهم.

أصبحت علاقة تركيا بالعديد من حلفائها في الناتو متوترة في السنوات الأخيرة، لكن "مازونييه" قالت إن العلاقات الفرنسية التركية تنتعش بهدوء في عام 2021.

ومع ذلك، ستحتاج صناعة الدفاع الفرنسية إلى السير بحذر، بالنظر إلى أن اليونان - التي أصبحت خلافاتها الطويلة مع أنقرة أسوأ بفضل النزاع على حقول النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط ​​- بدأت مؤخرًا في استلام 18 مقاتلة "رافال" من فرنسا، ولا يمكن تجاهل هذه التفاعلات.

وقال "بيت مور"، رئيس كرسي الكويت في مدرسة باريس للشؤون الدولية: "أتصور أنه لن يكون من السهل على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ترك طائرات حربية فرنسية في تركيا بشكل علني؛ نظرًا لصراعاته الداخلية حول الإسلام والعرب في فرنسا". وأضاف: "من المؤكد أن يُنظر إلى ذلك على أنه اقتراب من الزعيم التركي وهو أمر لن يكون مفيدًا له في عام الانتخابات".

هناك فجوة واضحة في الأسطول العسكري التركي يمكن أن تملأها "رافال". لقد تحطمت خطط أنقرة التي امتدت لعقد من الزمان للحصول على الجيل الخامس من مقاتلات "إف35" من الولايات المتحدة بعد إلغاء عقدها بسبب شراء أنقرة لنظام الدفاع الجوي الروسي "إس400".

وكما قالت "مازونييه"، من غير المرجح أن يكون لدى فرنسا نفس المخاوف التي أثارتها الولايات المتحدة بشأن "إس400"، التي تجمع المعلومات حول المقاتلة الشبحية، حيث تفتقر "رافال" إلى هذه القدرة، وكانت في الخدمة لفترة أطول بكثير من "إف35".

وأضافت أن المقاتلات القطرية في تركيا لن تكون مسلحة على الأرجح، وبالتالي "لن يتمكن المراقبون الأتراك الموجودون في قمرة القيادة إلا من تقييم مدى تحمل طائرات رافال أثناء التمرين" دون الوصول إلى الأنظمة الحساسة على الطائرات الحربية.

مشكلة خطيرة

يعتقد العديد من الخبراء أن قطر تواجه مشكلة خطيرة في استيعاب الكميات الكبيرة من الطائرات الحربية والسفن البحرية التي اشترتها مباشرة بعد أزمة عام 2017 مع جيرانها العرب؛ السعودية والإمارات والبحرين ومصر، الذين قطعوا العلاقات معها وفرضوا حصارًا عليها. عندما انتهى النزاع في يناير/كانون الثاني الماضي، وعادت العلاقات إلى طبيعتها، وجدت قطر نفسها فجأة تمتلك الكثير من المعدات ولا يوجد مسار واضح للمضي قدمًا.

وقد قال "جودت بهجت"، أستاذ الأمن القومي في مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية بجامعة الدفاع الوطني: "إن سبب الحشد العسكري القطري هو التصور، عن صواب أو خطأ، أن القوات السعودية ربما بدعم من حلفاء آخرين كانت ستغزو قطر في عام 2017 من أجل تغيير النظام".

وحتى عام 2017، كان سلاح الجو القطري يتكون من سرب واحد من 12 طائرة حربية من طراز "ميراج 2000" و18 ناقلة و21 طائرة تدريب من طراز "بي سي 21" و46 طائرة هليكوبتر.

وقد وافق أمير البلاد الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني" على زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري خلال السنوات السبع الماضية.

ولكن منذ ذلك الحين، وقعت قطر عقودًا بقيمة 30 مليار دولار، على الأقل، لشراء موجة من المعدات الجديدة، بما في ذلك 36 طائرة مقاتلة من طراز "إف15 كيو إيه" و24 طائرة هليكوبتر من طراز "أباتشي" من الولايات المتحدة، وحوالي 24 طائرة حربية من طراز "يوروفايتر تايفون" و9 طائرات تدريب "هوك" من بريطانيا، و28 طائرة هليكوبتر من إيطاليا و36 طائرة "رافال" وطائرتي "إي 339 إم آر تي تي" من فرنسا.

كما اشترت البحرية القطرية 8 سفن جديدة، مما سيضاعف حجم الأسطول تقريبًا. وقد بدأ العمل في هذه الطائرات والطرادات وقوارب الدوريات البحرية هذا العام، ومن المتوقع أن تنتهي في عام 2024.

بعبارة أخرى؛ يزداد عدد الطائرات الهجومية الحديثة في ترسانة سلاح الجو القطري 9 مرات خلال فترة 7 سنوات - مع حوالي 108 طائرات حربية جديدة، كما ستتضاعف أساطيل طائرات الهليكوبتر الخاصة بها.

وهذا يثير السؤال الواضح حول أين يمكن لقطر أن تجد القوة البشرية لترسانتها الجديدة، وأين ستدربهم.

قد تكون الصفقة مع تركيا إحدى الطرق التي يمكن أن تسلكها قطر لتحقيق الجزء التدريبي. وقد أفادت تقارير أن قطر وقعت عقدًا مع شركة "بوينج" لتدريب طياريها في الولايات المتحدة، وتقترب من إبرام صفقة لشراء مدربين متقدمين لطائرات من طراز "إم 346" من شركة "ليوناردو"، ولتدريب الطيارين في إيطاليا.

يمكن أن ينتهي الأمر بقطر أيضًا بتكليف ضباط من الخارج للخدمة في القوات الجوية والبحرية لسد الفجوات الكبيرة المحتملة في نقص القوى العاملة. ويعد تكليف الضباط الأجانب، وخاصة من العسكريين الأوروبيين والأمريكيين والعسكريين السابقين من بعض الدول العربية والإسلامية، أمر شائع في دول الخليج العربية.

وقال "بهجت": "يمكن النظر إلى توسيع القوات الجوية والبحرية على أنه "بوليصة تأمين". فقد اعتبرت العائلة المالكة أن التهديد بتغيير النظام يمثل تهديدًا وجوديًا، وقد كانت الطريقة الوحيدة لمواجهة هذا التهديد أيضًا بالتحالف مع قوة إقليمية رئيسية أخرى هي تركيا".

المصدر | رياض قهوجي / ديفينس بريكنج – ترجمة وتحرير الخليج الجديد