الأحد 15 أغسطس 2021 03:55 ص

ظلت مفاوضات فيينا لإحياء الاتفاق النووي معلّقة في الفترة الانتقالية إلى حكومة "إبراهيم رئيسي"، وهناك العديد من العلامات المثيرة للقلق التي تشير لاحتمال فشل الجهود المبذولة لإعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاقية.

وتعد حكومة "رئيسي" أكثر تشددًا وأقل مرونة من سابقتها، كما أن تعيين "حسين أمير عبداللهيان" وزيرا للخارجية سيجعل إيران أقل ميلا إلى التسوية من ذي قبل.

وفي الوقت ذاته، يؤكد المسؤولون الأمريكيون أن الوقت ينفد أمام المفاوضات، وحذر وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكن" الشهر الماضي من أن "هذه العملية لا يمكنها أن تستمر لأجل غير مسمى".

ميل أمريكي للصقور

أما ما يزيد الأمر سوءا، فهو اعتقاد إدارة "بايدن" أنه لا يزال بإمكانها الحصول على تنازلات كبيرة لم تكن إيران على استعداد لمنحها في الماضي.

فهناك تقرير مقلق يشير إلى أن إدارة "بايدن" تدرس فكرة مطالبة إيران بالتخلي عن التخصيب المحلي والمشاركة في بنك إقليمي للوقود النووي.

لكن هذا الاقتراح لن يحبط فقط المفاوضات مع إيران (التي لم تكن على استعداد أبدا للتخلي عن التخصيب المحلي) بل قد يعطي أيضا الحكومة الجديدة التي يقودها "رئيسي" حجة لترك المحادثات.

وجاء اقتراح بنك الوقود من اثنين من المعارضين للاتفاق النووي وهما السيناتور "ليندسي جراهام" و"بوب مينيندز"، وقد اقترحا ذلك في وقت سابق من هذا العام في محاولة واضحة لتخريب مفاوضات إدارة "بايدن".

وتفيد تقارير بأن الإدارة الأمريكية قد تأخذ اقتراحهما بجدية، حيث يعتقد "بايدن" و"بلينكن" أنه يمكنهم إجبار إيران على الموافقة على تنازلات أكبر بكثير من أي وقت مضى، ويشير ذلك إلى مدى تأثير الرئيس المتشدد للجنة العلاقات الخارجية على البيت الأبيض.

ولطالما نظر "جراهام" و"مينيندز" للاتفاقية كتسوية غير مقبولة مع إيران، لذلك من العبث أن نعتقد أن هؤلاء الصقور يرغبون حقا في إنقاذ الاتفاقية من الانهيار.

وخلال السنوات الست الماضية، كان كل ما يفعله هؤلاء وغيرهم من المعارضين للاتفاقية يهدف إلى تقويضها وتحطيمها. ويعتبر اقتراح بنك الوقود هو الأحدث في سلسلة من الاقتراحات غير الجادة التي تحاول إظهار الحرص على عقد "صفقة أفضل" للولايات المتحدة.

ورغم أنه قد يكون للفكرة بعض الوجاهة من الناحية النظرية، إلا أنه لا توجد طريقة تجعل إيران تقبل بالاقتراح الذي تناقض مع الشعور الإيراني بالكرامة الوطنية والفخر.

وتماما مثل أفكار الصقور الأخرى لـ"تحسين الاتفاقيات" والحديث عن الحصول على "صفقة أفضل"، فإن هذه لا تعدو كونها مجرد تغطية لمحاولة إفشال جهود إحياء الاتفاق النووي.

وإذا كانت إدارة "بايدن" تستمع إلى مشورتهم وتنظر في تبني اقتراحهم، فإن الاتفاق النووي معرض لخطر الانهيار بشكل أكبر مما حذر منه البعض سابقا.

الاتفاقية مهددة بالانهيار

لطالما كان الاحتفاظ بحق التخصيب المحلي نقطة تتمسك بها إيران في المفاوضات منذ بداية مشاركة إدارة "أوباما" في المسألة النووية.

كما أن التخصيب المحلي هو حق لإيران كعضو في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ويرى الإيرانيون المطالبة بالتخلي عن التخصيب المحلي بمثابة انتهاك لحقوقهم الوطنية واستقلالهم.

ولن تستطيع أي حكومة إيرانية تقديم هذا التنازل، خاصة حكومة "رئيسي". وكان قبول احتفاظ إيران بالقدرة على التخصيب المحلي هو السبب الرئيسي في تقدم مفاوضات الاتفاق مع الولايات المتحدة وبقية دول "5+1"، وأي اقتراح للتراجع عن هذا الأمر لن يعني سوى فشل المفاوضات.

ولم يفلح خطاب إدارة "بايدن" حول العمل من أجل اتفاق لاحق "أطول وأقوى" في تقديم تأكيد على الالتزام بما سبق على الأقل، فيما أوضح "رئيسي" أنه لن تكون هناك مفاوضات بشأن القضايا غير النووية، وأنه من الخطأ الكبير ربط إعادة دخول الولايات المتحدة للاتفاقية النووية بالتزام إيران بمناقشة الأشياء التي لا علاقة لها ببرنامجها النووي.

ورفض المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي" بصراحة هذا الشرط في تصريحات عامة في يونيو/حزيران، حين قال: "بإضافة هذا البند، فإنهم يريدون تقديم عذر لتدخلاتهم الأخرى في الاتفاق النووي وصواريخ إيران والقضايا الإقليمية، ثم إذا رفضنا مناقشة هذه القضايا، سيتهم الأمريكيون إيران بانتهاك الاتفاقية النووية وسيقولون إن الاتفاق قد انتهى".

ولا يوجد إجماع دولي حول هذه القضايا الأخرى، وقد جرى استبعادها من المفاوضات الأصلية لأن الإصرار عليها كان من شأنه أن يفشل المحادثات منذ البداية.

وعندما يطرح المسؤولون الأمريكيون فكرة فرض المزيد من القيود على إيران في مجالات أخرى إلى جانب البرنامج النووي، فإنهم يعززون الأفكار التي يطرحها المحافظون الإيرانيون، ويجعلون إحياء الاتفاق النووي أمرا مستحيلا.

وفيما تحاول الإدارة الأمريكية الحصول على أكثر من إحياء الاتفاق النووي من خلال هذه المحادثات، فإن هذه الطريقة ستجعلها تعود بخفي حنين.

مسؤولية أمريكية

ربما تعتقد إدارة "بايدن" أن تحذيرها بنفاد الوقت أمام المحادثات يضع ضغوطا على إيران للخضوع لشروطها، ولكن طهران لا ترى الأمر على النحو ذاته، بل من المحتمل أن تستقبل الحكومة الإيرانية هذه التحذيرات كدليل على أن واشنطن تبحث عن ذريعة للتهرب من المحادثات.

وإذا جرت عملية التفاوض لوقت أطول من المتوقع، فهذا خطأ الإدارة الأمريكية بقدر ما هو خطأ إيران، حيث استغرق "بايدن" وقتا طويلا لبدء هذه العملية، وتباطأ هو ومسؤولوه في تقديم أي تخفيف ذي مغزى للعقوبات.

وبصفة الولايات المتحدة الطرف الذي انسحب من الاتفاق النووي، فإنها تتحمل مسؤولية التعويض أولًا واتخاذ الخطوات الأولى في إصلاح الضرر، لكن ذلك لم يحدث.

ومع إنه من المنطقي طلب إيران لضمانات بعدم تخلي واشنطن عن التزاماتها، إلا أنه من الصعب أن تعطي إدارة "بايدن" أي ضمانات، وحتى لو قدمت ضمانات فيمكن أن تتراجع الإدارة القادمة عنها بسهولة.

وتعتبر المشكلة الأساسية لدبلوماسية الولايات المتحدة مع إيران الآن هي أن الوعود بلا قيمة، فلا يستطيع أحد أن يثق في احترام الحكومة الأمريكية لالتزاماتها أكثر من بضعة أعوام، لأن الحزب الجمهوري يصرّ على عدم تقديم أية تنازلات لإنجاح الدبلوماسية، ولا يوجد كلفة سياسية في الداخل الأمريكي على تمزيق الولايات المتحدة لاتفاقياتها.

وكانت مهمة إحياء الاتفاق النووي واضحة نسبيا، ولم يكن يفترض أن تستغرق كل هذا الوقت أو المجهود، وكان التمسك بعقوبات "أقصى ضغط" التي فرضتها إدارة "ترامب" على إيران، خطأ كبيرًا يمكن تجنبه، ولولاه لكانت المفاوضات مثمرة أكثر.

ولكن لا يزال لدى إدارة "بايدن" فرصة لإنقاذ الاتفاق النووي، لكنها ستبددها إذا استمعت إلى النصيحة سيئة النوايا من الصقور الذين لا يريدون للدبلوماسية الأمريكية أن تنجح.

المصدر | دانيال لاريسون - ريسبونسبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد