كشفت صحيفة أمريكية النقاب، السبت، عن تفاصيل مثيرة وجديدة تتعلق بعملية اغتيال جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" للعالم النووي الإيرانى "محسن فخري زاده"، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضى.

وقالت صحيفة "نيويورك تايمز"، في تقرير مطول لها، إن الموساد وعناصر وعملاء إسرائيليين حاولوا قتل "فخري زاده" على مدى 14 عاما مضت، حتى حانت اللحظة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، عن طريق الذكاء الاصطناعي والروبوتات.

وأفادت الصحيفة بأن عملية الاغتيال وصفت بأنها عملية غيرت من كل المفاهيم الأمنية المتعارف عليها حول العالم، وذلك رغم تحذير جهاز المخابرات الإيراني نفسه من مؤامرة اغتيال محتملة لـ"فخري زاده"، إلا أن الأخير لم يهتم.

وأشارت إلى أن عملية الاغتيال جرت من دون وجود أي عملاء على الأرض، بواسطة "روبوت قاتل" قادر على إطلاق 600 طلقة في الدقيقة.

وتقول الصحيفة إن معلوماتها المتعلقة بكيفية تنفيذ عملية الاغتيال استندت إلى مقابلات مع مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين وإيرانيين، بمن فيهم مسؤولان استخباراتيان مطلعان على تفاصيل التخطيط للعملية وتنفيذها.

وأكدت أن فريق الموساد الإسرائيلي قام بالتحكم في رشاش آلي عبر الأقمار الصناعية، قد تواجد في مقر سري على بعد آلاف الأميال، فضلا عن تركيب كاميرات مراقبة في مكان الاغتيال، في وقت تم تجميع هذا السلاح الآلي، سرا، داخل إيران نفسها، عبر تهريب أجزائه على مدى فترة طويلة.

وكان الغرب يشتبه منذ وقت طويل بأن "فخري زاده" هو العقل المدبر لبرنامج سري لصنع قنبلة نووية.

ووصفته أجهزة المخابرات الغربية والإسرائيلية لسنوات بأنه المسؤول الغامض عن برنامج سري للقنبلة الذرية أوقف عام 2003، وتتهم إسرائيل والولايات المتحدة طهران بمحاولة استعادته.

وتقول الصحيفة إن إسرائيل استخدمت أساليب متنوعة في عمليات الاغتيالات السابقة، جرت إحداها بواسطة تسميم أول عالم نووي على قائمة الاغتيال الإسرائيلية في عام 2007، فيما قتل الثاني في عام 2010 عبر تفجير قنبلة عن بعد مثبتة على دراجة نارية.

وفي العملية الأخيرة تم اعتقال مشتبه به إيراني، اعترف بتنفيذ العملية وتم إعدامه في ما بعد، مما أجبر الموساد على تغيير تكتيكاته حيث نفذت عمليات الاغتيال الأربع التالية بين عامي 2010 و2012 بواسطة رجال يستقلون دراجات نارية كانوا إما يطلقون النار مباشرة على الأشخاص المستهدفين أو يزرعون عبوات لاصقة في سياراتهم، ومن ثم يهربون.

لكن المستوى الأمني للقوة المسلحة التي تحمي "فخري زاده"، تحسبت لمثل هذه التحركات، وجعلت من تكتيك استخدام الدراجات النارية مستحيلا، وفقا للصحيفة.

وتضيف أن المخططين لعملية اغتيال "فخري زاده" بحثوا خيار تفجير عبوة ناسفة على طول طريق العالم النووي الإيراني كي يجبروا القافلة على التوقف حتى يتمكن القناصة من مهاجمتها.

وتتابع: "تم استبعاد هذه الخطة بسبب احتمال وقوع اشتباك مسلح ربما سقط خلاله الكثير من الضحايا".

في النهاية، تم اقتراح فكرة استخدام مدفع رشاش يتم التحكم فيه عن بُعد، ولكن كانت هناك مجموعة أخرى من التعقيدات اللوجستية، لأن حجمه ووزنه يجعلان من الصعب نقله وإخفاءه من دون أن يتم فضح الخطة.

ووفقا لمسؤول استخباراتي مطلع على الخطة، اختارت إسرائيل نموذجا متطورا من مدفع رشاش بلجيكي الصنع من طراز "FN MAG" مرتبط بروبوت ذكي متطور.

وقال المسؤول إن النظام لم يكن مختلفا عن نظام "Sentinel 20" الذي تقوم شركة "Escribano" الإسبانية بتصنيعه.

بلغ وزن المدفع الرشاش مع الروبوت وباقي الملحقات مجتمعة نحو طن تقريبا، لذلك تم تفكيك المعدات إلى قطع صغير، ومن ثم جرى تهريبها إلى إيران بطرق وأوقات مختلفة، وثم أعيد تجميعها سرا في إيران.

تم بناء الروبوت ليتناسب مع حجم حوض سيارة بيك آب من طراز زامياد، شائعة الاستخدام في إيران، وكذلك تم تركيب كاميرات في اتجاهات متعددة على الشاحنة لمنح غرفة القيادة صورة كاملة ليس فقط للهدف وتفاصيله الأمنية، ولكن للبيئة المحيطة. 

في النهاية، تم تلغيم الشاحنة بالمواد المتفجرة، حتى يمكن تفجيرها عن بعد وتحويلها لأجزاء صغيرة بعد انتهاء عملية القتل، من أجل إتلاف جميع الأدلة.

بعد ذلك، كان هناك تحد يجب أن تتم معالجته، وهو التأكد من أن "فخري زاده" هو من يقود السيارة وليس أحد أبنائه أو زوجته أو حارسه الشخصي، حتى لا يتم استهداف الشخص الخطأ.

وبما أن إسرائيل تفتقر إلى قدرات المراقبة في إيران لعدم قدرتها على استخدام الطائرات المسيرة التي تستخدم لتحديد الهدف قبل الضربة، لذلك تم وضع سيارة على جانب الطريق الذي يسلكه زاده والتظاهر بأنها كانت معطلة.

تم وضع السيارة قرب مفترق طرق وتزويدها بكاميرا مرتبطة بأقمار صناعية ترسل الصور مباشرة إلى مقر قيادة العملية.

بدأت العملية فجر الجمعة 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وكانت الشاحنة التي تحمل المدفع الرشاش متوقفة في شارع الإمام الخميني، حيث وجد المحققون الإيرانيون في وقت لاحق أن كاميرات المراقبة على الطريق تم تعطيلها.

كان رتل "فخري زاده" يضم 4 سيارات، الأولى في المقدمة تضم عناصر حماية وتبعتها سيارة من طراز "نيسان" سوداء اللون يقودها "فخري زاده" وخلفها سيارتان تحملان عناصر من الحماية.

ووصل الموكب إلى منعطف حيث أبطأت سيارة "فخري زاده" من سرعتها، ليتم التعرف عليه من قبل السيارة الثانية المعطلة المزودة بالكاميرات ورؤية زوجته جالسة بجانبه.

انعطفت القافلة يمينا في شارع الإمام الخميني، وأبطأت من سرعتها لوجود مطب، وعندها أطلق المدفع الرشاش رشقة من الرصاص أصابت مقدمة السيارة.

لم يتضح ما إذا كانت الطلقات قد أصابت "فخري زاده" لكن السيارة انحرفت وتوقفت، ليقوم بعدها الشخص الذي يتحكم بالمدفع الرشاش عن بعد، بإطلاق رشقة أخرى أصابت الزجاج الأمامي ثلاث مرات على الأقل وواحدة منها على الأقل أصابت زاده في كتفه. 

نزل "زاده" من السيارة واحتمى بالباب الأمامي للسيارة، وأفادت وكالة أنباء فارس الإيرانية في حينه أن 3 رصاصات اخترقت عموده الفقري ليفارق الحياة في الحال.

بعدها انفجرت السيارة التي كانت تحمل المدفع الرشاش وتناثرت إلى أجزاء.

استغرقت العملية بأكملها أقل من دقيقة، وتم خلالها إطلاق 15 رصاصة فقط، حيث أشار محققون إيرانيون إلى أن الرصاصات لم تصب زوجة زاده التي كانت تجلس على بعد سنتمترات قليلة.

المصدر | الخليج الجديد