السبت 25 سبتمبر 2021 11:39 م

شكلت "طالبان" مؤخرا حكومتها الأولى في أفغانستان، برئاسة الملا "محمد حسن أخوند"، لكن ذلك أثار أسئلة بين المراقبين والخبراء، حول ما إذا كان رئيسًا حقيقيًا أم صوريًا يتم التلاعب به من قبل المسؤولين الآخرين الأقوى في الحركة.

ويمتلئ التاريخ بنماذج لسياسيين احتلوا مناصب عليا في بلدانهم، لكنهم تحولوا إلى مجرد مسؤولين صوريين يتم تصديرهم من قبل آخرين أقوى بكثير لكنهم يفضلون أن يظلوا في الخلف ليحكموا من الظل.

رجال أقوياء في الظل

ومن النماذج التاريخية الجنرال "محمد نجيب"، الذي تم تقديمه كرئيس لمصر في عام 1952، ليزيحه فيما بعد "جمال عبدالناصر" في عام 1954، وهناك أيضًا الجنرال "فوزي سلو"، الذي كان رئيس سوريا بين 1951-1953 والذي انقلب عليه الرجل الذي جلبه إلى السلطة العقيد "أديب الشيشكلي".

وتم اختيار كل من "سلو" و"نجيب" بسبب سنهم والأقدمية داخل المؤسسة العسكرية، فيما كان "عبدالناصر" و"شيشكلي" أصغر من تولي أعلى منصب في القيادة فورا بعد تنفيذ انقلاباتهم وقد أرادوا الاستثمار في سمعة ورتبة الضباط الأكبر سنا والأكثر خبرة، قبل السيطرة المباشرة على بلدانهم.

ومن المرجح أن يكون رئيس وزراء أفغانستان الجديد الملا "محمد حسن أخوند" على نفس الشاكلة، فقد تولى المهمة فجأة في 7 سبتمبر/أيلول 2021، بعد أسبوعين من سيطرة "طالبان" على كابل، فيما سميت حكومة تصريف أعمال، ويبدو أنه رئيس الوزراء بالاسم فقط، بينما تظل القوة الحقيقية في أيدي نائب رئيس الوزراء "عبدالغني برادار" والقائد الأعلى لحركة "طالبان" الملا "هبة الله أخوند زاده"، الذي يماثل موقع المرشد الأعلى في إيران.

وفيما يأتي رؤساء الوزراء ويذهبون، يظل القائد الأعلى في منصبه مثل الملوك، ويظل بيده القول النهائي في جميع الشؤون السياسية والعسكرية، ولديه سلطة الطرد والتعيين، وحل البرلمان وتعيين السفراء وإعلان الحرب والسلام، وربما اختارت حركة "طالبان" الملا "أخوند" كرئيس للوزراء لأنه أقدم عضو في الحركة، وليس لأنه ينظر إليه كقائد متمكن.

فجوة أجيال

يقال إن سن "أخوند" يبلغ 65 عاما؛ لكن لا أحد يعرف بالضبط متى ولد، ويقدر الاتحاد الأوروبي تاريخ ولادته في وقت ما بين السنوات 1946-1950، ومع ذلك، فإن نطاق عمره يخلق فجوة أجيال كبيرة بينه وبين وزرائه، الذين هم أصغر بكثير منه.

ويبلغ عمر وزير الخارجية الجديد "أمير خان متقي" 51 عامًا في حين أن وزير الدفاع الملا "يعقوب"، يبلغ من العمر 29 عامًا، أي أنه بعمر أحفاد "أخوند"، وفي الواقع، عندما كان "يعقوب" في المدرسة، كان "أخوند" في منصب وزير خارجية أفغانستان ونائب وزير الخارجية، خلال عهد حكم "طالبان" الأول (1996-2001).

وعلى الرغم من أن وزراء "أخوند" ينظرون إليه كزعيم مخضرم لـ"طالبان"، إلا إنه سيواجه صعوبة في السيطرة على الشباب الذين يحملون الأسلحة في شوارع كابل، ويعتبرون انتصار "طالبان" الأخير إنجازهم ولديهم استعداد لفعل أي شيء للحفاظ على الامتيازات التي تأتي مع السلطة.

وعلى هذا النحو، فإنهم لن يرحبوا بالتأكيد بأن يحاضرهم أو يهذبهم رئيس وزراء سبعيني، كما لن يقبلوا نزع سلاحهم في وقت ما في المستقبل.

وشغل "أخوند" منصب رئيس مجلس شورى كويته (يضم قيادة طالبان) من عام 2001 إلى 2021، ومع إن هذا صدّره سياسيًا إلا إنه لم يعنِ بالضرورة أنه كان له رأي في الشؤون العسكرية، ومع ذلك، فإن 20 عامًا من العمل في السر علمت "أخوند" الكثير فقد كان لديه الوقت للنظر إلى الوراء وتحليل ما حدث في عصر "طالبان" الأول.

وكان أحد أكبر أخطائه وفق رأي المراقبين، أنه رفض تسليم "أسامة بن لادن"، الذي كان ضيفا لدى "طالبان" بعد إجباره على الخروج من السودان في عام 1996.

وقدمت إدارة "بوش" عدة نداءات لـ"طالبان" لتسليم "بن لادن" بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول لكنه رفض، وكذلك فعل مؤسس الحركة الملا "محمد عمر"، باعتبار أن هذا إخلال بقواعد الضيافة في الإسلام وفي أفغانستان. وكانت النتيجة حرب الولايات المتحدة لعام 2001، والتي أطاحت بالملا "عمر" و"أخوند"، وأجبرتهم على الجنوح للعمل السري.

رئيس وزراء أكثر حكمة

مع هذا الإدراك المتأخر، يحاول "أخوند" الآن الظهور بمظهر المعتدل، قائلا إن بلاده لن تلعب دور المضيف لـ"القاعدة" مرة أخرى ولن تسمح لتنظيم "الدولة الإسلامية" بالسيطرة على الأراضي في أفغانستان.

ومع تعبه من كونه خارج نطاق القانون، يرغب "أخوند" في الحصول على الاعتراف بأنه رجل دولة وأن يرحب به ضمن مجتمع رؤساء الوزراء العالميين. ولحدوث ذلك، يحتاج "أخوند" إلى خفض حدة خطاب "طالبان" من خلال تقديم تنازلات بشأن حقوق المرأة ونزع سلاح الميليشيات وتسويق نفسه كحليف للمجتمع الدولي في الحرب على الإرهاب.

يبقى أن نرى ما إذا كان يمكن أن ينجح في تجديد المظهر هذا أم لا، حيث يبدو أن المتشددين في "طالبان" لديهم رؤية مختلفة للغاية بالنسبة للبلاد.

ويشير اختيار الوزراء في حكومة "أخوند" إلى أنه حتى لو كان رئيس الوزراء نفسه أكثر حكمة، فإن "طالبان" ليست كذلك، فأربعة من الوزراء الجدد كانوا نزلاء سابقين في سجن جوانتانامو، بما في ذلك نائب وزير الدفاع "محمد فاضل" ووزير الإعلام "خير الله خيرخوة"، في حين أن وزير الداخلية "سراج الدين حقاني" يعد مطلوبًا لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي.

كما لا توجد نساء في إدارة "أخوند" ولا يوجد أفراد من أقلية الهزارة الشيعة، بالرغم أن "أخوند" حاول ضم جميع الأعراق.

المسيطر الحقيقي على أفغانستان

هناك مشكلة أكبر لدى رئيس الوزراء الجديد تكمن في النائب الأول له الملا "عبدالغني برادار" والذي يثير إعجابا أقوى بكثير من "أخوند"، كما أنه أصغر سنا بكثير (53 عاما)، وهو أقرب إلى المؤسسة العسكرية وكان رفيقًا مقربًا من مؤسس "طالبان" الملا "عمر"، وكان الرجلان أصدقاء في مرحلة الطفولة وتزوجا شقيقتين وأعطاه الملا "عمر" لقب "برادار"، وهو ما يعني "الأخ"، وكانا أيضا من بين المجموعة الأساسية التي أسست "طالبان"، مما يعطي "برادار" المكانة التي يفتقر إليها "أخوند".

والأهم من ذلك أن "برادار" لديه إنجازات عسكرية يتباهى بها، وذلك خلال حياته العسكرية المبكرة التي تضمنت قتال الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، أما "أخوند" فليس لديه هذه الميزة.

وتعاون نائب رئيس الوزراء مع الأمريكيين، وحصل على تمويل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، كما احتل مناصب عليا خلال عهد "طالبان" الأول، مثل حاكم هرات، وقائد القوات العسكرية في غرب أفغانستان، وأخيرا قائد المنطقة العسكرية المركزية في كابل حتى عام 2001.

وقضى "برادر" أيضا وقتا في السجن، وهي أفضلية دائمًا لدى المجتمعات المسيسة للغاية، حيث يحصد السجناء السابقون مكانة خاصة بفعل المعاناة التي مروا بها، وينظر إليهم باعتبارهم مستحقين لمناصب السلطة التي حصلوا عليها.

وألقي القبض على "برادار" من قبل المخابرات الباكستانية في عام 2010 وظل مسجونًا حتى عام 2018، عندما أطلق سراحه بطلب رسمي من إدارة "ترامب"، أملًا منها في دفع محادثات السلام إلى الأمام مع "طالبان".

وبالتالي فإن مثل هذه الخلفية تجعل "برادار" يبدو هو الرئيس الفعلي للوزراء في أفغانستان، وما لم يثبت "أخوند" خلاف ذلك، فمن المرجح أن يظل رئيس وزراء صوريًا في المستقبل المنظور، حيث يمكن التخلص منه بسهولة عندما ينتهي وقته دون إثارة ضجة أو اعتراض من الطبقة العسكرية.

ولكن التاريخ يكشف لنا أن هناك أيضًا العديد من السياسيين الذين يجري تقديمهم إلى السلطة لأن هناك تصور بضعفهم، إلا أنهم يفاجؤون العالم بجرأتهم، مثل الرئيس المصري السابق "أنور السادات"، الذي أخذ خطوة جريئة بتوقيع اتفاقات السلام مع إسرائيل في عام 1978، بالرغم أن معظم المراقبين السياسيين توقعوا منه المشي في ظل "ناصر". كما أن الرئيس التونسي "قيس سعيد" مثال آخر؛ وهو أستاذ جامعة تحول إلى سياسي، وقاد انقلابًا في يوليو/تموز ضد حزب "النهضة" القوي.

وفي نهاية المطاف، فإن الزمن هو الوحيد الكفيل بالإجابة عما إذا كان الملا "محمد حسن أخوند" مجرد "محمد نجيب" آخر أم أنه سيكون مثل "أنور السادات".

المصدر | سامي مبيض/إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد