الاثنين 11 أكتوبر 2021 09:43 م

"أقسم بالله العظيم أن أعمل بإخلاص لخير تونس وأن أحترم دستورها وتشريعها وأن أرعى مصالحها وأن ألتزم بالولاء لها".. هكذا أقسمت "نجلاء بودن"، الإثنين، أمام الرئيس "قيس سعيد" ليتم إعلان التشكيل الرسمي للحكومة التونسية الجديدة، وسط مشهد يحمل العديد من تناقضات باتت السمة البارزة للمشهد السياسي التونسي.

فالوزراء الجدد وضعوا أيديهم على نسخة من القرآن الكريم وهم يقسمون على "احترام الدستور" الذي جمّده أيضاً "سعيّد" فعلياً في سبتمبر/أيلول الماضي، وهو ما اعتبرته وسائل إعلام تونسية إشكالية قانونية، واعتبره معارضو الرئيس إمعانا في "انقلاب على الدستور" يجري منذ 25 يوليو/تموز الماضي، عندما أعلن الرئيس التونسي إجراءات استثنائية، بينها تجميد عمل البرلمان، وإقالة حكومة "هشام المشيشي" وتولي الرئيس سلطة رئيس النيابة العامة.

وإذا كان الشكل الذي ظهر به إعلان وزراء الحكومة الجديدة حاملا لتناقضات حالة الأزمة السياسية التونسية، فإن الأسماء المعلنة بتشكيلة الحكومة كشفت الكثير عن طبيعتها المستقبلية والسياسات المتوقعة منها.

فحكومة "بودن" تضم تركيبة مختلفة، تشمل 9 نساء (8 وزيرات وكاتبة دولة لدى وزير الخارجية)، بالإضافة إلى رئيسة الحكومة نفسها، في إطار تشكيلة غير حزبية (تكنوقراط) برئاسة أستاذة جامعية تعد أول رئيسة وزراء على المستوى العربي والوطني.

الملمح الأبرز في هذه التركيبة هو عودة وزراء كانوا محسوبين على "سعيّد" في حكومة "المشيشي" وأقالهم الأخير بعد خلاف مع الرئيس، وهو ما اعتُبر مؤشر على تدخل الرئيس في التشكيل، ما يعني أن التونسيين على موعد مع حكومة موالية لقيس سعيد بواجهة "نسائية" من شأنها تخفيف حدة الانتقادات الغربية الموجهة لاستئثار الرئيس التونسي بكافة سلطات البلاد، في مشهد يعيد تونس إلى حالة الحكم الفردي، التي كانت سائدة قبل ثورة عام 2011.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة إبقاء "سعيّد" على وزير الخارجية "عثمان الجرندي"، الذي عمل معه الرئيس التونسي منذ حكومة "هشام المشيشي"، باعتباره من بين "وزراء الثقة" الذين عوّل عليهم الرئيس في حملته الدبلوماسية لإقناع الخارج بسلامة الإجراءات "الاستثنائية" التي اتخذها منذ 25 يوليو/تموز الماضي، في وقت شهدت فيه البلاد ضغطاً ومعارضة قوية لهذه الإجراءات.

تعيين القاضية "ليلى جفال" وزيرة للعدل أعطى مؤشرا آخر على تحرك وشيك لـ"سعيد" على مستوى السلطة القضائية، إذ بقي هذا المنصب شاغراً لأكثر من شهرين نظراً لحساسيته، حيث يحمل مسؤولية رئاسة النيابة العامة وتحريك الملفات القضائية.

ولطالما أشار "سعيّد" في خطابات له إلى ملفات قضائية "متراكمة" في رفوف المحاكم دون فصل فيها، بعضها يطال سياسيين وأحزاب، في إشارة إلى تحرك من شأنه دفع القضاء باتجاه استصدار أحكام ضد حركة النهضة وغيرها من الأحزاب التي رفضت إجراءات الرئيس التونسي، على خلفيات عدة، منها "الفساد" أو "دعم الإرهاب".

في السياق ذاته، جاءت عودة رئيس هيئة حقوق الإنسان، المحامي "توفيق شرف الدين"، إلى منصب وزير الداخلية، بعدما أقاله "المشيشي" بسبب تواصله مباشرة مع "قيس سعيّد" إبان فترة منازعته "المشيشي" صلاحيات رئاسة السلطة التنفيذية، ويعرف عنه قربه من الرئيس وولاؤه له.

وفي المقابل، أبقى "سعيّد" على وزير الصحة "علي مرابط"، الذي عيّنه الرئيس بعد 25 يوليو/تموز، وكلّفه بقيادة الحرب على وباء كورونا وتنسيق حملات التلقيح ضد الوباء.

ويشير مراقبون، في هذا الصدد، إلى أن الإبقاء على "مرابط" يعود إلى كونه من "أهل الثقة" لدى "سعيد" من جانب، ولكونه "طبيب برتبة أمير لواء في الصحة العسكرية" من جانب آخر، إذ لم يكن للرئيس التونسي تنفيذ إجراءاته لولا تمكين الجيش له من تجميد البرلمان عبر منع إقامة جلساته.

غير أن هكذا اختيار لن يكون في صالح مصداقية شعارات: الشفافية والمحاسبة ومكافحة الفساد، التي رفعها "سعيد" منذ إجراءات 25 يوليو/تموز، إذ كان الترهل في مواجهة جائحة كورونا أحد أهم الانتقادات الموجهة لحكومة "المشيشي".

وبإضافة أن "بودن" غير معروفة في الأوساط السياسية ولا يعرف عنها انتماء حزبي ولا خبرات في إدارة ملفات اقتصادية، يمكن توصيف الحكومة الجديدة بأنها "إدارة حكومية متفرعة عن رئاسة الجمهورية".

هكذا يرى المحلل السياسي "عبدالمنعم المؤدب"، الذي كتب عبر فيسبوك معلقا على إعلان تشكيلة الحكومة الجديدة: "هذه الحكومة هي حكومة الرئيس بامتياز، باعتبارها معينة من قبله، ومسؤولة بالكامل أمامه".

((3))

ولفت "المؤدب" إلى استقلالية أعضاء الحكومة التونسية الجديدة عن الأحزاب لا يعني أنهم مستقلون سياسيا، فولاؤهم التام سيكون للرئيس، "وهو أمر مفهوم بالعودة للأمر 117 (أمر رئاسي صدر الشهر الماضي حول صلاحيات الرئيس وإمساكه بالسلطة التنفيذية إلى جانب رئيس الحكومة)، الذي ينظمها"، وفقا لما نقله موقع "العربي الجديد".

وأضاف أن "هذه الحكومة بصلاحيات محددة ومحدودة خاضعة للرئيس، بعدما تم سحب صلاحياتها الدستورية، وبالتالي ستكون جهازاً تنفيذياً لبرنامج الرئيس وخطته".

ويعزز تحليل "المؤدب" مضمون خطاب الرئيس التونسي بعد أداء وزراء الحكومة اليمين الدستورية، حيث شدد مجدداً، في كلمة عقب مراسم حلف اليمين الدستورية، على أن إجراءاته الأخيرة كانت دستورية في ظل "الخطر الوشيك" الذي يواجه تونس، مضيفاً أنه "أنقذ الدولة التونسية من براثن المتربصين في الداخل والخارج، ومن أولئك الذين يرون في مكاتبهم غنيمة أو وسيلة لنهب الأموال العامة".

كما وعد "سعيد" بما سماه "تطهير القضاء"، وطالب "النيابة العمومية بلعب دورها" في هذا الإطار، وهو ما ربطه معارضوه بتسمية وزيرة العدل بعد فراغ المنصب لنحو شهرين.

وأكد الرئيس التونسي مرارا أنه لن يتراجع مطلقا عن الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها يوم 25 يوليو/تموز الماضي، والتي عززها بمرسوم رئاسي أصدره يوم 22 سبتمبر/أيلول الماضي، وبموجبه استحوذ على كل صلاحيات السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وإزاء ما حمله المشهد من مؤشرات ودلالات، كتب القيادي في حركة النهضة " خليل البرعومي" ساخرا عبر فيسبوك: "صدقوني يقسمون (وأن احترم دستورها وتشريعها!). من اليوم الأول بدأ التزييف والكذب على الشعب".

وكتب المحلل السياسي "عبداللطيف دربالة": "أغرب من الخيال: وزراء قيس سعيّد يؤدّون أمامه اليمين بطلب منه على احترام الدستور الذي ألغاه هو نفسه ولم يحترم قسمه على احترامه!".

وفي السياق، يرى أستاذ القانون الدستوري "جوهر بن مبارك" أن الحكومة التونسية الجديدة ''هيئة انقلابية غير شرعية"، مضيفا عبر فيسبوك: "سنواجهها بما نواجه به الانقلاب وسيكون مصيرها كمصيره''، في إشارة إلى إجراءات الرئيس التونسي الأخيرة.

وبينما يظل مؤيدو "سعيد" متفائلين بمستقبل البلاد، خاصة في ظل تشكيل حكومة ترأسها أول امرأة وطنيا وعربيا، يرى معارضوه أن العد التنازلي لـ"اختبار" شعارات الرئيس قد بدأ فور الإعلان عن أسماء الوزراء، ما يعني أن الوقت لم يعد في صالح الرئيس.

رصيد الوقت هذا بات سيفا مصلتا أمام الرئيس التونسي في الفترة المقبلة، خاصة بعدما تظاهر آلاف التونسيين في شوارع العاصمة، عشية إعلان الحكومة الجديدة، ضد "انقلاب سعيد" في أكبر احتجاج شعبيّ منذ تدابير 25 يوليو/تموز.

وبعدما وصلت الديون إلى نحو 80% من الناتج المحلي وانخفض الاحتياطي الأجنبي بنسبة 9.5% في 9 أشهر، تحتاج تونس بشكل عاجل إلى تسديد 4.5 مليار يورو من الدين خلال العام الجاري، وتوفير أكثر من 3 مليار يورو لاستكمال تمويل الميزانية العامة.

 ولذا حذر البنك المركزي التونسي من تداعيات الوضع المالي المتدهور والشح الحاد في الموارد المالية في موازنة الدولة لعام 2021 في ظل تخوف المقرضين وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وإزاء ذلك، فإن أداء حكومة ترأسها "بودن"، ويديرها "سعيد" من وراء الستار، سيكون بمثابة "اختبار الحقيقة"، خاصة على المستوى الاقتصادي.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات