الخميس 21 أكتوبر 2021 11:30 م

يواصل المسؤولون الأتراك تكرار تحذيرهم من أن عملية عسكرية في شمال سوريا قد تكون وشيكة، ويلقون باللوم على واشنطن وموسكو في عدم الوفاء بوعودهما. وأكد الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" أن تركيا ستتبع "طريقة مختلفة" في صراعها مع الميليشيات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة.

وتزايدت انتقادات أنقرة للإدارة الأمريكية بعد مقتل أفراد من الشرطة التركية على يد "وحدات حماية الشعب". ورغم أن اشتباكات تركيا مع تلك الميليشيات أصبحت روتينية، إلا أن الهجمات المتزايدة للتنظيم من المناطق التي تسيطر عليها روسيا تزعج أنقرة. والأهم من ذلك هو تصعيد القوات الروسية وقوات النظام السوري للهجمات على إدلب، ما أثار مخاوف تركيا بشأن التدفقات الهائلة المحتملة للاجئين.

ويتبادر إلى الذهن القول المأثور للاستراتيجي الشهير "كلاوزفيتز" وهو "الحرب هي امتداد للسياسة ولكن بوسائل أخرى"، وسط المأزق السوري الذي ترى فيه أنقرة نفسها محاصرة ومضطرة للاختيار بين عدد من الخيارات السيئة.

وتسعى تركيا للحصول على تنازلات من موسكو أو واشنطن. وعلى الأقل، تعتقد تركيا أن التوغل العسكري قد يؤخر التقارب الأمريكي الروسي حول الحكم الذاتي للأكراد السوريين. 

بين واشنطن وموسكو

ويعد الخط الدقيق الذي تسير عليه أنقرة بين واشنطن وموسكو أمرا محيرا للعقل. على سبيل المثال، كانت هناك آمال معقودة على زيارة "أردوغان" إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ولكنها انتهت بالتعبير عن الإحباط. ولم ينتقد "أردوغان" البيت الأبيض فحسب، بل هاجم أيضا "بريت ماكجورك"، منسق مجلس الأمن القومي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، متهما إياه بـ"دعم الإرهاب" والتصرف كـ "مدير لحزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب".

وطلب "أردوغان" على الفور لقاء مع "فلاديمير بوتين"، وأعاد التأكيد على خططه لتعميق التعاون العسكري مع روسيا، بما في ذلك شراء دفعة ثانية من منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400". وقبل اجتماع "أردوغان" و"بوتين" في سوتشي، كثفت روسيا قصفها في إدلب، ما أدى إلى مزيد من التعزيزات العسكرية التركية على الخطوط الأمامية. وبعد الاجتماع، أشاد "أردوغان" بعلاقات بلاده مع روسيا. وفي الوقت نفسه، قدمت أنقرة طلبا للولايات المتحدة لشراء 40 طائرة من طراز "إف-16".

ومن المرجح أن تتجاوب واشنطن مع طلب تركيا. ويُنظر إلى هذا الطلب على أنه خطوة ذكية من "أردوغان"، الذي ربما يختبر رغبة إدارة "بايدن" في تخفيف العقوبات على تركيا وفق قانون مكافحة أعداء أمريكا "كاتسا" والذي جرى تطبيقه على أنقرة بسبب شراء منظومة "إس-400".

وفي غضون ذلك، بعث "بايدن" برسالة إلى رئيسة مجلس النواب "نانسي بيلوسي" يخطرها فيها بنيته تمديد حالة الطوارئ الوطنية فيما يتعلق بالعلاقات مع سوريا، وأشارت الرسالة إلى أن "الهجمات العسكرية التركية تقوض السلام والاستقرار في المنطقة وتشكل "تهديدا غير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة"، وهي خطوة انتقدتها تركيا بشدة.

ومع عدم وجود سياسة متماسكة، تتقلص الخيارات أمام أنقرة. وأصبحت الضربات الجوية الروسية وتقدم النظام في إدلب بمثابة تذكير دائم لـ"أردوغان" بأن مناطق خفض التصعيد قد لا تكون مستدامة على المدى الطويل. وتخشى أنقرة من مساعي إدارة "بايدن" للتوصل إلى توافق مع روسيا بشأن سوريا. وقد يشجع ذلك دمشق والأكراد على التقارب لمواجهة الجهد العسكري التركي.

مأزق تركيا في سوريا

ومع وجود 15 ألف جندي تركي في عشرات المواقع العسكرية في سوريا، تضع أنقرة على رأس أولوياتها ردع هجمات النظام السوري على إدلب. ومع ذلك، تظل المواقع التركية معرضة للخطر بدون غطاء جوي، كما يتضح من الضربات الجوية في فبراير/شباط 2020 والتي قتلت 34 جنديا تركيا.

وأصبح التصعيد في إدلب بندا أساسيا على جدول محادثات "أردوغان" و"بوتين" خلال الأعوام القليلة الماضية. وأدى الهجوم الكبير الذي شنه النظام السوري عام 2019 إلى نزوح نحو 1.4 مليون شخص، ولم تحل الاتفاقات التركية الروسية التي تلت ذلك قضايا الخلاف الرئيسية.

وغالبا ما تدلي روسيا بتصريحات حول فشل تركيا في الوفاء بوعدها بتطهير إدلب من "العناصر الإرهابية" وفتح الطريق السريع "إم 4" من اللاذقية إلى حلب، والذي يعتبر بالغ الأهمية بالنسبة للاقتصاد السوري. والأهم من ذلك، كثيرا ما تثبت موسكو هيمنتها وتتحكم في وتيرة التصعيد العسكري في المنطقة.

ومن المرجح أن يؤدي تجديد الحوار بين الولايات المتحدة وروسيا إلى مفاوضات جادة بين نظام "الأسد" والأكراد. وأثارت الطبيعة الكارثية للانسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان مخاوف الأكراد من سيناريو مماثل في سوريا ولكن الولايات المتحدة قدمت تطمينات للأكراد وتهدف إلى استخدام نفوذها في التفاوض مع موسكو لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل، كما يتضح من تخفيف إدارة "بايدن" لعقوبات "قانون قيصر" على سوريا؛ حيث سمحت واشنطن بتدفق الغاز والكهرباء من مصر والأردن إلى لبنان عبر سوريا.

وإذا قبل نظام "الأسد" منح شكل من أشكال الحكم الذاتي للأكراد تحت علم موحد لسوريا، فقد تفكر واشنطن في تقديم حوافز مالية لتطبيع العلاقات مع النظام.

التسويات الدائمة

ويأتي اتجاه تركيا لعملية عسكرية أخرى في إطار سياسة "الاعتماد على الذات" لإقامة مناطق آمنة تحت السيطرة التركية. ومع تزايد المشاعر المعادية للاجئين في بلاده، أعرب "أردوغان" عن نيته إنشاء منطقة آمنة قد تعترف بها الأمم المتحدة. وبالنسبة لأنقرة، من الصعب للغاية إعادة اللاجئين، الأمر الذي قد يتسبب في مضاعفات قانونية وإنسانية وأمنية، لكن يبدو أن نقل السوريين من مكان إلى آخر داخل سوريا أمر ممكن.

وفي حالة سقوط إدلب، قد تصبح هذه الخطوة ضرورة؛ حيث تهدف أنقرة إلى إبقاء النازحين السوريين داخل سوريا، لذلك تدرك تركيا أهمية المناطق التي تسيطر عليها حاليا، والتي تشمل المدن الرئيسية في رأس العين وتل أبيض في الشرق، والفرات وجرابلس وأعزاز وعفرين في الشمال الغربي. وقد رسخت الحكومة التركية وجودها بثبات في هذه المناطق، ما يعطي انطباع بأنها منطقة حكم ذاتي دائمة للمعارضة السورية. وتشمل الاستثمارات التركية هناك المدارس والمستشفيات والمساجد ومكاتب البريد وغرف الأعمال وأنواع مختلفة من مؤسسات التعليم العالي.

وتشير الملاحظات الإثنوجرافية إلى أن "الخطة الشاملة" للنفوذ التركي أدت إلى "تتريك" المشهد الاجتماعي حيث يرتبط السكان المحليون بشكل متزايد بتركيا، وهو اتجاه سيكون من الصعب عكسه.

ولتعزيز "منطقتها الآمنة" من المنظور الاستراتيجي، تركز تركيا الآن على تل رفعت، وهي منطقة يسيطر عليها الأكراد وكانت جزءا من مفاوضات أنقرة وموسكو في عام 2019. وتوجه تركيا اتهامات لروسيا بالفشل في الوفاء بوعدها بإزالة جميع عناصر وحدات حماية الشعب وأسلحتهم من منبج وتل رفعت.

وبالنسبة لأنقرة، فإن السيطرة على تل رفعت تعني تعزيز مكاسبها الإقليمية في عفرين وأعزاز ومارع والباب وتحسين الأمن لسكان المناطق التي تسيطر عليها. وكثيرا ما يجري استهداف هذه البلدات بالأسلحة الثقيلة لوحدات حماية الشعب انطلاقا من تل رفعت.

ومع ذلك، نظرا للموقع الاستراتيجي لتل رفعت بالنسبة لأمن حلب، فمن غير المرجح أن تسمح روسيا بعمليات تركية في المدينة. وإذا كانت العملية العسكرية التركية التالية ستجري بموجب تفاهم بين موسكو وأنقرة لتبادل الأراضي، وحتى إذا كانت تركيا ستضمن فتح الطريق السريع "إم 4" في إدلب، فمن غير المرجح أن تضحي روسيا بتل رفعت. وبدلا من ذلك، قد تسمح روسيا لتركيا بالسيطرة على الأراضي في شرق الفرات، في مقابل مكاسب كبيرة في إدلب.

وبحسب بعض المصادر الحكومية في أنقرة، قد يأتي الضوء الأخضر الروسي لمنطقة تركية من الدرباسية إلى عامودا، أو بدلا من ذلك من القحطانية إلى المالكية على الحدود السورية العراقية. ولا يزال بعض المحللين يرون إمكانية الحصول على ضوء أخضر روسي لعملية عسكرية تركية في تل رفعت طالما أنها محدودة ولن تؤثر على سيطرة موسكو على الأرض.

أجندة "أردوغان" المحلية

تتداخل السياسة الخارجية التركية مع الحسابات السياسية المحلية، ما يعني أن هناك علاقة قوية بين العمليات العسكرية التركية في سوريا وشعبية "أردوغان". وبصفته سياسيا مخضرما، كان "أردوغان" قادرا على استخدام هذه العمليات لترسيخ المشاعر القومية والفوز بالانتخابات على مدى الأعوام القليلة الماضية.

ونظرا لأن حياته السياسية تمر حاليا بأصعب أوقاتها، فقد يجد "أردوغان" أن عملية عسكرية أخرى ستكون مفيدة. وبشكل غير مسبوق، أصبح تدهور الاقتصاد هو الشاغل الأكبر لدى عموم الأتراك وقد تخرج المعارضة منتصرة في الانتخابات الوطنية المقبلة.

وقد يعتمد "أردوغان" على سردية أن "مواجهة الإرهاب" و "تهديد الأمن القومي" تستلزم تستلزم تضحية الشعب اقتصاديا من أجل "أمتهم العظيمة" التي تم تصويرها على أنها تتعرض للهجوم من قبل "القوى الإمبريالية".

ومع الحرب ضد المسلحين الأكراد، قد يكون "أردوغان" قادرا على زيادة عزلة الحزب الموالي للأكراد في البرلمان (حزب الشعوب الديمقراطي) ما يعيق تشكيل تحالف أقوى لأحزاب المعارضة في الانتخابات المقبلة.

الطائرات بدون طيار

وبغض النظر عن حظوظ نظام "أردوغان"، يجب ملاحظة تحول هيكلي مهم عند تحليل سياسة تركيا الإقليمية، وهو الإنتاج المحلي المتزايد للطائرات بدون طيار عالية التقنية. وبعد وقت قصير من إطلاق أول طائرة بدون طيار مسلحة في ديسمبر/كانون الأول 2015، صعدت تركيا لتصبح لاعبا عالميا في إنتاج وتصدير الطائرات بدون طيار الأكثر تقدما. ولم يستخدم الجيش التركي هذه الطائرات لتدمير الأصول العسكرية للنظام السوري فقط، بل استخدمها أيضا لقتل مسؤولي وحدات حماية الشعب.

وفي استفادة من قبول واشنطن للتوسع التركي في شمال العراق، زادت أنقرة ضرباتها بالطائرات بدون طيار ضد كوادر حزب العمال الكردستاني في جميع أنحاء كردستان العراق، بما في ذلك المناطق التي لم تصلها تركيا من قبل.

ويدعم استخدام القوة الجوية منخفضة التكلفة والفعالة ضد المقاتلين الأكراد وجهات النظر العسكرية داخل تركيا ونهجا جديدا لـ "مكافحة الإرهاب". وسيشكل الجدل الداخلي حول الطائرات بدون طيار العمليات العسكرية المستقبلية في سوريا والعراق بالإضافة إلى مسار السياسة بشأن القضية الكردية. وبالإضافة إلى ذلك، سيكون الجانب الدولي للمناقشة على نفس القدر من الأهمية.

وفي خطاب حديث من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، دعا 27 نائبا أمريكيا وزارة الخارجية إلى تعليق تراخيص تصدير تكنولوجيا الطائرات بدون طيار الأمريكية إلى تركيا والتحقيق فيما إذا كانت الطائرات بدون طيار التركية تشتمل على تقنيات أمريكية تنتهك العقوبات الأمريكية.

لذلك من المتوقع أن يتم متابعة تطورات المجمع الصناعي العسكري في أنقرة بمزيد من الاهتمام. 

المصدر | مصطفى غوربوز/المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد