الجمعة 22 أكتوبر 2021 02:40 م

"قد يكون الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، واثقا من الدفاع عن حزبه ضد أعدائه وأمراء الحرب، دون أن يبالي ما إذا كانت الحكومة اللبنانية ستنجح في وقف انهيار البلاد أم لا، رغم أنه وحركة أمل جزء من تعقيد الأزمة في لبنان".

بهذه الكلمات، خلص تقرير لمجلة "إيكونوميست"، حول الأحداث الدامية التي شهدها لبنان الأسبوع الماضي، بسبب الخلاف على التحقيق في انفجار مرفأ بيروت الضخم العام الماضي، وهو تحقيق لا يريد معظم ساسة لبنان اكتماله أو الكشف عن أسبابه.

وتحت عنوان "السبر العميق.. كيف أدى تحقيق إلى معركة بالأسلحة النارية في لبنان؟"، علقت المجلة على الأحداث بالقول: "أسوأ معارك عنف شوارع في لبنان منذ عام 2008".

وانتقدت المجلة، خطاب "نصرالله" الذي ألقاه بعد 4 أيام من المعركة التي استمرت لساعات في بيروت وقتل فيها 7 أشخاص، وقالت: "ألقى نصرالله كلمة كان من المفترض أنها في ذكرى مناسبة دينية إسلامية، لكنه خصص الجزء الأكبر منها للهجوم على السياسي المسيحي سمير جعجع".

وحسب رواية "نصرالله"، فقد كان حزب القوات اللبنانية بزعامة "جعجع"، يحاول إشعال حرب أهلية.

وأضاف أن "حزب الله" لديه 100 ألف مقاتل مدربون للحرب، وهو زعم من الصعب التأكد منه، ولكنه مبالغ فيه على أكبر احتمال.

وكان التحذير واضحا: "لا تسيئوا التقدير.. وكونوا حكماء وراقبوا سلوككم".

وجاءت الاشتباكات الدامية، في 14 أكتوبر/تشرين الأول، خلال احتجاج تركز ضد المحقق القاضي "طارق البيطار"، الذي يتولى التحقيق في الانفجار الضخم ببيروت، قبل عام.

ويقول "حزب الله" و"حركة أمل"، التي دعمت الاحتجاج، إن قناصة أطلقوا النار وتسببوا بالقتل.

ونفت القوات اللبنانية أي دور، في الوقت نفسه، أظهرت كاميرات مراقبة جنديا لبنانيا وهو يطلق النار على المتظاهرين، حيث يقوم الجيش بالتحقيق.

لكن إطلاق النار أعاد الكثير من اللبنانيين إلى الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاما وانتهت عام 1990.

وخلال الأشهر الماضية، مارس "حزب الله" و"حركة أمل" ضغطا سياسيا وقانونيا لعرقلة التحقيق، واليوم، حسب "إيكونوميست"، بات منظور العنف يخيم عليه.

ولا يجادل أحد أن "البيطار" يقوم بأصعب مهمة في لبنان، فالانفجار الذي ضرب المرفأ في أغسطس/آب 2020، هو أضخم انفجار غير نووي في التاريخ، وقتل فيه 218 شخصا ودمر معظم مركز العاصمة بيروت.

وكان السبب هو اشتعال وانفجار 2750 طنا من نترات الأمونيوم المخزنة في مخزن بالمرفأ منذ عام 2013، وتعرضت للإهمال طوال السنوات هذه.

وكان معظم الساسة في لبنان على علم بالمادة المخزنة ولم يفعلوا أي شيء للتأكد من سلامتها، وهذا هو سبب ترددهم في دعم التحقيق.

ويقول الرئيس اللبناني "ميشيل عون"، إنه يدعم القاضي "البيطار"، ولكنه منعه من مقابلة "طوني صليبا"، المدير العام للأمن اللبناني (مسيحي مثل الرئيس).

أما "حسان دياب" الذي كان رئيس الوزراء وقت الانفجار، فقد تجاهل الاستدعاءات للتحقيق، وأسرع بالسفر إلى أمريكا.

لكن "حزب الله" و"حركة أمل"، هما أكثر طرفين في لبنان حاولا تخريب التحقيق، وفقا لـ"إيكونوميست".

وسبق أن دعا "نصرالله" القاضي "البيطار" للتنحي واتهمه بالتحيز.

كما سبق أن قام وزراء سابقون عن "حركة أمل"، بتقديم شكوى قانونية ضد "البيطار" (رُفضت لاحقا) دعوا فيها لعزله.

وكان "البيطار" ادعى، في 2 من يوليو/تموز الماضي على 10 مسؤولين وضباط، بينهم نائبان من "حركة أمل" هما "علي حسن خليل" و"غازي زعيتر"، ورئيس الحكومة السابق "حسان دياب".

وطالما دعمت عائلات الضحايا القاضي "البيطار"، إلا أن المتحدث وممثل العائلات "إبراهيم حطيط"، أصدر بعد أيام من المواجهات المسلحة تسجيل فيديو غريبا، دعا فيه لعزل "البيطار" وشجب "التدخل الأمريكي" في التحقيق.

وناقض "حطيط" نفسه وما صدر عنه من تصريحات سابقة.

ويرى الكثير من اللبنانيين أنه أجبر على البيان، ولاحظوا لفتاته أثناء التصوير لشخص في الغرفة معه.

ولاحقا قال ذوو الضحايا والجرحى في بيان: "نحن أهالي أكثر من 200 شهيد وضحية وآلاف المصابين ومئات آلاف المتضررين، وضعنا ثقتنا بالقاضي البيطار، ومن ضمننا إبراهيم حطيط، الذي كان خطابه على الدوام يصب بهذا الاتجاه".

ورفض رئيس الوزراء "نجيب ميقاتي" عقد اجتماع لحكومته التي تضم وزراء من "أمل" و"حزب الله" إلا في حالة تم التوصل لحل الخلاف.

وتولى "ميقاتي" منصبه في سبتمبر/أيلول، بعد عام ظل فيه لبنان بدون حكومة.

وحاول سياسيان قبله تشكيل الحكومة بدون أي نجاح، وقضى "دياب" معظم فترته كرئيس ضعيف لحكومة تصريف الأعمال.

ويواجه لبنان أزمة اقتصادية ومالية صنفها البنك الدولي كواحدة من أسوأ الأزمات المالية منذ منتصف القرن التاسع عشر.

وتراجع الاقتصاد في العام الماضي بنسبة 25%، والليرة اللبنانية التي كانت تباع أمام الدولار بـ1500 ليرة للدولار، باتت تباع اليوم بـ21000 ليرة للدولار، كما تجاوز التضخم نسبة 100%.

ويتوقع أن يتفاوض "ميقاتي" مع صندوق النقد الدولي على حزمة إنقاذ وأمامه مهام أخرى، ولم يعد أمامه وقت طويل.

وكان من المقرر أن تعقد الانتخابات البرلمانية في مايو/أيار العام المقبل، إلا أن البرلمان صوّت في 19 أكتوبر/تشرين الأول لتقديم موعدها إلى مارس/آذار، وذلك لتجنب الحملات الانتخابية أثناء رمضان.

كل هذا سيؤدي لتشدد في المواقف، وسيحاول "جعجع" استخدام دعمه لـ"البيطار" لتوسيع قاعدة الدعم له بين المسيحيين، الذين كانوا الأكثر تضررا من الانفجار.

وترى المجلة أن العودة للحرب الأهلية من جديد لا منطق لها، فـ"حزب الله" الطرف الأقوى في اللعبة ومجهز عسكريا أحسن من الجيش، ويفتقد أعداؤه القوة لمواجهته.

وإن لم يكن هناك احتمال للحرب، فالاستقرار غير محتمل، فقد هرب آلاف من الجنود الجيش بعدما هبط راتبهم الشهري إلى 60 دولارا، نظرا لخسارة الليرة قدرتها الشرائية.

وأدت الأزمة لخلق أعداد كبيرة من العاطلين الشباب عن العمل والغاضبين في نفس الوقت.

وفي مايو/أيار 2020، بدأ لبنان مفاوضات مع صندوق النقد الدولي حول خطة إنقاذ، لكنها انهارت في أغسطس/آب من نفس العام، بعدما رفض مصرف لبنان المركزي توفير وثائق ومعلومات طلبها الصندوق.

المصدر | الخليج الجديد