الجمعة 20 نوفمبر 2015 01:11 ص

اعتُبرَتْ اعتداءات باريس، بمثابة 11 سبتمبر فرنسي. وهي ربما تفوق أحداث سبتمبر مأساوية، فاحتجاز رهائن أبرياء، وقتلهم بدم بارد، واقتحام حفلة غنائية، ومباراة كرة قدم، عملية مخيفة، لبساطتها وإمكانية تكرارها، بعكس عمليات خطف الطائرات شديدة التعقيد. هذه المأساة الفرنسية، واجهها المسؤولون الفرنسيون بإعلان استنفار أمني عال، وفرض حالة طوارئ، واعتقالات واسعة، والحديث عن تعديلات دستورية، وسط انتقادات أبرزها رفض رئيس الوزراء الأسبق «دومينيك دوفيلبان» اعتبار أنّ فرنسا في حرب ضد الإرهاب، خوفاً من الدخول في حرب أهلية داخلية. 

في مكان آخر من هذا العالم، تم تداول هذه التحولات في باريس، بصورة تدمج بين الفرح والشماتة بهذه التغيرات. في دول عربية، حيث الأنظمة الأمنية تحكم أغلبها، وبعضها تحت حالة طوارئ معلنة وأنظمة أخرى تعيش حالات الطوارئ دائمة بصمت، تم الاحتفاء بالإجراءات الفرنسية، قائلين لمواطنيهم: «هذه فرنسا بلاد الأنوار تضرب بيد من الحديد، وتضيق على الحريات كما نفعل لحمايتكم».

هذه الصورة ساخرة، لأنها مفارقة، فبينما تم استجواب أقارب منفذي هجمات باريس، واعتقال بعضهم، بشكل غريب ومثير، ومحاصرة أحياء بأكملها بحثاً عن مخططي الهجوم، لم يتداول المدافعون عن الأنظمة العربية القمعية تكملة القصة، وهي إخلاء سبيل أقارب منفذي الهجوم بعد ساعات (لا أيام) بينما في العالم العربي يتم إخفاؤهم لسنوات، وربما تصفيتهم بدم بارد. 

القبضة الأمنية الحديدية في فرنسا لها ما بعدها بالتأكيد، وستعقد حياة الفرنسيين والمهاجرين لسنوات مقبلة، وتقلق التعايش المتوتر بين الأقلية والأغلبية في مدينة «الأنوار».

لكن هذا الاستثناء يأتي بعد رسوخ مؤسسات الدولة القضائية والقانونية ومؤسسات المجتمع المدني، مما يعني أن «القبضة الحديدية الأمنية» هي الاستثناء العابر، وستمر بأقل خسائر ممكنة في الحريات، كما حدث في الولايات المتحدة بعد سبتمبر، إذ إنه على الرغم من قوانين مكافحة الإرهاب سيئة الصيت، والتي أقرها الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش الابن، وأدت للتضييق على مئات الآلاف من العرب والمسلمين، إلا أن الحريات في الولايات المتحدة لم تتضرر جوهرياً في المدى المتوسط والبعيد، بعد سنوات 2001 و2005 السوداء في «مكافحة الإرهاب».