الاثنين 22 نوفمبر 2021 05:26 ص

سُمع دوي انفجار قوي في الساعات الأولى من يوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني في المنطقة المحصنة ببغداد المعروفة باسم "المنطقة الخضراء". وتبع ذلك إطلاق نار كثيف في المنطقة، التي تستضيف مكاتب حكومية وبعثات دبلوماسية أمريكية وغربية أخرى. وأعلنت الحكومة العراقية عن محاولة اغتيال فاشلة لرئيس الوزراء "مصطفى الكاظمي" نفذتها طائرة مسيرة باتجاه منزله. وظهر "الكاظمي" بعد فترة وجيزة ليؤكد سلامته ودعا إلى الهدوء.

ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، لكنه وقع وسط تصاعد التوترات بين "الكاظمي"، وهو شيعي معتدل، والميليشيات الشيعية المتطرفة المدعومة من إيران. وكان أداء الأخيرة سيئا للغاية في الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/تشرين الأول، وفقدت معظم المقاعد التي فازت بها قبل 3 أعوام. ورغم أن "الكاظمي" لم يشارك في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول ولم يدعم علانية أي حزب، فقد اتهمته الميليشيات والمفوضية بتزوير الانتخابات. وفاز رجل الدين الشيعي المناهض للولايات المتحدة، "مقتدى الصدر"، وهو حليف سياسي لـ "الكاظمي"، بأغلب المقاعد.

ووقع الهجوم أيضا بعد يومين من اشتباكات بين قوات الأمن وأنصار الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران احتجاجا على نتائج الانتخابات. وأسفرت الاشتباكات عن مقتل شخصين وجرح العشرات واعتبر قادة الميليشيات أن "الكاظمي" مسؤول عنها. ولم يتهم "الكاظمي" أي جماعة في الهجوم على منزله لكن أصابع الاتهام كانت موجهة نحو الميليشيات. ويشير التصعيد برمته إلى عمق الانقسام الشيعي الداخلي وتصادم المصالح في العراق، خاصة بعد انتخابات أكتوبر/تشرين الأول.

الانتخابات والسلطة والمال والميليشيات

وتمت الدعوة إلى انتخابات أكتوبر/تشرين الأول المبكرة بعد فترة من عدم الاستقرار تسببت فيها موجة من الاحتجاجات في الشوارع في بغداد وجنوب العراق ذي الأغلبية الشيعية في أواخر عام 2019. وكانت إحدى نتائج الاحتجاجات استقالة سلف "الكاظمي"، رئيس الوزراء السابق "عادل عبدالمهدي". واشتعلت الاحتجاجات بسبب ارتفاع معدلات البطالة وضعف الخدمات العامة والغضب العام من الفساد المستشري في الحكومة.

ووجه المتظاهرون، ومعظمهم من الشيعة، غضبهم ضد الطبقة السياسية بأكملها وإيران، التي اعتبروها القوة المهيمنة لنظام فاسد من خلال تأثيرها على جميع الأحزاب الشيعية الرئيسية في العراق. ولعبت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران دورا رئيسيا في قمع المظاهرات بعد أن وصفت الاحتجاجات بأنها مؤامرة برعاية أجنبية. وقد عززت معظم تلك الميليشيات مكانتها منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا المجاورة حيث قاتلوا، في إطار المجهود الحربي الإيراني، إلى جانب حكومة الرئيس السوري "بشار الأسد".

وأصبح دور الميليشيات أكثر بروزا في العراق نفسه خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية من 2014 إلى 2017. وفي عام 2016، أصدر البرلمان العراقي، بأغلبية شيعية ووسط مقاطعة سنية، تشريعات شرّعت قوات الحشد الشعبي كمظلة رسمية للميليشيات ذات الأغلبية الشيعية. وجاء تحالف الميليشيات الشيعية الرئيسية في المرتبة الثانية في انتخابات 2018، بفارق ليس ببعيد عن "الصدر"، الذي يقود ميليشيا كبيرة بنفسه.

وأصبح "عبدالمهدي" رئيس الوزراء التوافقي وتولى ممثلو الكتلتين مناصب عليا وحافظوا على إمكانية الوصول إلى ميزانية الدولة ومواردها. وبالنسبة للميليشيات، كان هذا يعني بداية حقبة سيكونون فيها قادرين، مثل الأحزاب القائمة الأخرى، على استغلال حصتهم في الحكومة لبناء قاعدة محسوبية وتوسيع قاعدة دعمهم بين الجمهور. لكن الاحتجاجات تحدت هذا النظام وجعلته معرضا للخطر.

"الكاظمي" والميليشيات

وكانت علاقات "الكاظمي" مع الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران متوترة. واختير العام الماضي رئيس وزراء انتقالي توافقي لتنظيم انتخابات مبكرة. علاوة على ذلك، جاء تعيينه في هذا المنصب بدعم من جميع الفصائل الرئيسية، بما في ذلك الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، لإنهاء المأزق السياسي.

وبالرغم من أن "الكاظمي"، وهو الرئيس السابق لجهاز المخابرات العراقية، جاء من داخل النظام السياسي وأصبح رئيس وزراء مؤقت، كان الكثيرون في حركة الاحتجاج المناهضة للميليشيات يأملون في أنه سيواجه الميليشيات ويحضر أعضاء وقادة الميليشيات الذين اتهموا بقتل المتظاهرين للعدالة.

ولم يذهب "الكاظمي" إلى هذا الحد قط في مواجهة الميليشيات، لكنه انخرط في عدة مواجهات مهمة معها. ووقعت أبرز الاشتباكات مع الميليشيات في يونيو/حزيران 2020، عندما أمر "الكاظمي" بمداهمة مجموعة من عناصر الميليشيات كانوا يخططون لشن هجمات صاروخية على القوات العراقية والأمريكية والسفارة الأمريكية.

بالإضافة إلى ذلك، في وقت سابق من هذا العام، أمر "الكاظمي" باعتقال قائد الميليشيا البارز، "قاسم مصلح"، الذي يُعتقد أنه متورط في التخطيط لهجمات على أهداف أمريكية في غرب العراق.

وفي كلتا المناسبتين، بدا أن "الكاظمي" قد تراجع في نهاية المطاف في مواجهة رد فعل هائل من الميليشيات. وإدراكا لموقفه الضعيف، مد غصن الزيتون وسعى للتأكيد على علاقاته الودية مع قادة الميليشيات. ومع ذلك، في نظر الميليشيات، كانت تحركات "الكاظمي" إشارات واضحة لما يمكن أن يفعله إذا اكتسب المزيد من القوة.

  • حلفاء الكاظمي الأقوياء

ويتمتع "الكاظمي" بدعم أمريكي مستمر. ومن المثير للاهتمام أنه تلقى أيضا دعما ثابتا من "مقتدى الصدر"، الذي يشغل حاليا موقعا حرجا في السياسة العراقية. ولطالما كان "الصدر" قلقا بشأن تمكين الميليشيات الشيعية المتنافسة، والذي حدث في كثير من الحالات على حساب ميليشيا "الصدر". واعتبرت التحليلات الأخيرة المكاسب السياسية والانتخابية التي حققها "الصدر" بمثابة أخبار جيدة إلى حد ما بالنسبة للولايات المتحدة، لكن هذا ليس صحيحا بالضرورة.

والولايات المتحدة هي، في الواقع، العدو الأيديولوجي الرئيسي لتيار "الصدر"، الذي يعود ليس فقط إلى انتفاضات ميليشيا "الصدر" في عامي 2003 و2004 ضد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، ولكن أيضا إلى المبادئ التأسيسية للتيار الصدري التي أسسها والده الراحل في التسعينيات.

و"الصدر" أقل اعتمادا على إيران مقارنة بالميليشيات الأخرى، التي نشأ معظمها في الأصل من قبل إيران نفسها. ومن ناحية أخرى، لا يقود "الصدر" ميليشيا فحسب، بل يقود حركة شعبية. لكن استقلال "الصدر" لا يجعله عدوا لإيران. وفي الواقع، يزور إيران بشكل متكرر وقد اشتهر باستقباله علنيا بصورة مشرفة من قبل قادة إيران. لذلك، ليس من الواقعي الاعتقاد بأن "الصدر" سينحاز إلى الولايات المتحدة في أي جهد لمهاجمة إيران أو حتى إضعافها استراتيجيا. ويدور خلافه مع الإيرانيين في المقام الأول حول من يجب أن يهيمن على السياسة الشيعية في العراق.

ثم جاء خلال الانتخابات في المرتبة الأولى، حيث حصل على أكثر من 70 مقعدا من مقاعد البرلمان البالغ عددها 329 مقعدا. واعتقد الكثيرون أن اختياره الأول سيكون تعيين أحد أتباعه المباشرين رئيسا للوزراء. ومع ذلك، سيكون هذا أمرا صعبا بالنسبة لـ "الصدر"، نظرا لأن جميع الأحزاب الشيعية الأخرى تشعر بقلق عميق بشأن ما قد يعنيه هذا لمستقبلها. ومن ثم، تحولت التكهنات إلى فكرة أن "الصدر" سيدعم "الكاظمي" نفسه لفترة ولاية ثانية كاملة مدتها 4 أعوام.

التحالف المحتمل ضد قوات الحشد الشعبي

ولا تتعلق مخاوف الميليشيات الشيعية من نتائج الانتخابات فقط بخسارة مناصب حكومية رفيعة والآثار المالية المترتبة على ذلك. وبالأحرى، فإن همها الرئيسي هو أن ميثاق سياسي لإنهاء تفويضها القانوني ومن ثم حلها ربما يتبلور الآن.

وبالإضافة إلى فوز "الصدر" الكبير في المناطق الشيعية، فإن الأحزاب الأخرى التي فازت في المنطقتين الكردية والسنية ليست على علاقة ودية مع الميليشيات، بما في ذلك الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة عائلة "بارزاني"، التي فازت بمعظم المقاعد في منطقة الحكم شبه الذاتي الكردية في شمال العراق.

وبالرغم من أن الحزب الديمقراطي الكردستاني يتمتع بعلاقات تاريخية مع إيران، إلا أنه حليف استراتيجي لتركيا وليس إيران. وكثيرا ما انتقد قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني الميليشيات الشيعية وأعطوا الملاذ في مناطقهم للناشطين المناهضين للميليشيات.

وفي المناطق ذات الغالبية السنية في غرب العراق، فاز رئيس مجلس النواب "محمد الحلبوسي"، بمعظم المقاعد، بهزيمة رجل الأعمال الثري المعتمد من الولايات المتحدة "خميس الخنجر"، الذي كان المفضل لدى الميليشيات.

ومن المحتمل أن يكون تحالف "الصدر" مع أنصاره على مستوى القاعدة في المناطق الشيعية، و"الكاظمي" المدعوم من الولايات المتحدة، والأحزاب الكردية والسنية المناهضة للميليشيات، مدمرا للميليشيات الشيعية المدعومة من إيران.

ويمكن لمثل هذا التحالف أن يؤمن ليس فقط أغلبية في البرلمان لتشكيل الحكومة، ولكن يمكن أن يبطل السلطة القانونية لقوات الحشد الشعبي ويؤدي إلى قمع الميليشيات. وسيكون مثل هذا السيناريو تطورا دراماتيكيا وسيضع "الصدر" و"الكاظمي" في صراع مع إيران نفسها. إلا أن صراع المصالح بين الفصائل الشيعية وصل إلى نقطة حرجة، ولا يريد "الصدر" المساومة على فوزه الانتخابي الواضح، في حين أن "الكاظمي" "المجروح" بعد الهجوم على منزله لا يتوقع أن يعطي أي تنازل للميليشيات.

ما لا يقتل الكاظمي يجعله أقوى

ووقع الهجوم على منزل "الكاظمي" مع تصاعد التوترات بين الميليشيات ورئيس الوزراء العراقي. وقبل يومين، حاول أنصار الميليشيات، الذين كانوا يحتجون على نتائج الانتخابات لأسابيع، غزو المنطقة الخضراء. واشتبكت القوات الأمنية مع المتظاهرين، ما أسفر عن مقتل وجرح عدد منهم. وظهر "قيس الخزعلي" زعيم إحدى أبرز الميليشيات في مكان الاشتباكات وألقى باللوم على "الكاظمي" في مقتل المتظاهرين وتعهد بإجباره على دفع الثمن.

ومع ذلك، عندما تعرض منزل "الكاظمي" للهجوم، نفى قادة الميليشيات، بمن فيهم "الخزعلي"، بشدة أي تورط لهم. وذهب آخرون في الميليشيات إلى أبعد من ذلك بترويج نظرية المؤامرة بسرعة، واتهموا طرفا غير محدد بالعمل على زعزعة استقرار العراق. لكن هذه إشارة إلى أعداء إيران، مثل الولايات المتحدة، التي يفترض أنها تعمل على تصعيد الصراع بين "الكاظمي" والميليشيات.

بل إن أنصار الميليشيات الآخرين أشاروا إلى أن القصة الكاملة لهجوم الطائرات بدون طيار هي من اختلاق "الكاظمي" نفسه! وبحسب هذا الادعاء، حاول "الكاظمي" التنصل من المسؤولية عن مقتل المتظاهرين مؤخرا مع تعزيز شعبيته أيضا. وذلك لأن الهجوم اعتبر اعتداء على السيادة الوطنية العراقية.

الخطوات الاستراتيجية التالية للميليشيات الشيعية المدعومة من إيران

وكانت خسارة الانتخابات بمثابة ضربة كبيرة للميليشيات الشيعية. وفي التعامل مع هذا، اتبعوا حتى الآن استراتيجية ثلاثية المحاور. أولا، شكلوا تحالفا سياسيا من جميع الأحزاب الشيعية الأخرى تقريبا، باستثناء حزب "الصدر". وكان تحالفهم يعمل تحت قيادة العدو اللدود لـ"الصدر"، رئيس الوزراء السابق "نوري المالكي"، الذي جاء في المرتبة الثانية في المناطق الشيعية في الانتخابات. والمطالبة الرئيسية لهذه المجموعة السياسية هي رفض نتائج الانتخابات والدعوة إلى إعادة فرز الأصوات بالكامل، ولكن في نفس الوقت تتحدى مزاعم "الصدر" بأغلبية المجتمع الشيعي من خلال تشكيل كتلة أكبر بمجموع جميع مقاعدها النيابية.

والشق الثاني من استراتيجية الميليشيات هو التهديد باللجوء إلى العنف. وبدلا من ذكر ذلك بوضوح، فإنهم يستخدمون تعبيرات متقنة الصنع. وتشمل هذه التحذيرات من "العواقب الوخيمة" المحتملة على أمن واستقرار العراق إذا لم تتغير نتائج الانتخابات.

والعنصر الثالث في استراتيجية الميليشيات هو تنظيم الاحتجاجات والاعتصامات العامة. ومع ذلك، على عكس الاحتجاجات المناهضة للحكومة في عام 2019 أو تلك التي نظمها أنصار "الصدر" في الأعوام الأخيرة، لم تكن احتجاجات الميليشيات كبيرة بما يكفي لإحداث تأثير. وواجهت انتقادات أيضا لأن العديد من المتظاهرين كانوا في الواقع أعضاء في الميليشيات ويتقاضون رواتبهم من قوات الحشد الشعبي وكانوا ينفذون أوامر بالتظاهر وكأنهم متظاهرين مدنيين.

ورغم كل جهود الميليشيات، كان عكس نتائج الانتخابات صعبا. وفي 4 نوفمبر/تشرين الثاني، سافر "الصدر" من قاعدته في مدينة النجف الشيعية المقدسة إلى بغداد للقاء أكبر الفائزين في المناطق السنية والكردية للموافقة على شروط تشكيل الحكومة الجديدة. غير أن متظاهري الميليشيات صعدوا من الأوضاع وحاولوا اقتحام المنطقة الخضراء واشتبكوا مع القوات الأمنية ما أدى إلى قطع "الصدر" زيارته والدعوة إلى التهدئة.

وفي اليوم التالي من الهجوم على "الكاظمي"، وصل اللواء "إسماعيل قاآني"، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إلى بغداد. وقد اجتمع مع "الكاظمي" للتنديد بالهجوم وادعى أنه لم يتم بموافقة إيرانية. وفي غضون ذلك، أشار مستشار الأمن القومي الإيراني، "علي شمخاني"، إلى أن الهجوم مرتبط بطريقة ما بمراكز أبحاث غربية.

الملخص

منذ عام 2003، تمكنت الفصائل الشيعية التي تربطها علاقات قوية بإيران بمساعدة وساطة إيرانية واسعة النطاق من الموافقة على تشكيل الحكومات التي تضمنت مناصب للأكراد والسنة والهيمنة عليها. وأثبت الصراع الحالي بين الشيعة أنه في أكثر نقاطه خطورة منذ أعوام. وأصبحت مهمة إيران أصعب من أي وقت مضى في إيجاد اتفاق سياسي يضمن مصالحها الاستراتيجية ومصالح حلفائها العراقيين. ويجب على إيران إقناع الميليشيات بضرورة قبول الخسارة دون اللجوء إلى العنف مقابل التزام قوي من "الصدر" ورئيس الوزراء المقبل بأن الحكومة لن تسحق الميليشيات.

وفي غضون ذلك، تتهم الميليشيات الشيعية العراقية وإيران الولايات المتحدة باتباع استراتيجية يُزعم أنها تهدف إلى التحريض على الصراع الداخلي في العراق. وتواجه الولايات المتحدة في الواقع أسئلة صعبة حول من تدعم في العراق. وبالإضافة إلى التحدي الذي تمثله إيران وحلفاؤها، فإن تهديد "الدولة الإسلامية" والجهاديين السنة لم يختف تماما. وبالتالي، فإن نتيجة الصراع الشيعي المستمر في العراق ستلعب دورا حاسما في تشكيل مستقبل الصراع الإقليمي في العراق والشرق الأوسط الأوسع.

المصدر | مؤسسة جيمس تاون - ترجمة وتحرير الخليج الجديد