الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 02:11 م

لم يكن الاتحاد الأوروبي أبدا من بين الجهات الفاعلة الرئيسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبسبب أوجه القصور الاستراتيجية والمؤسسية والتضارب بين السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد والسياسة الخارجية لكل دولة بشكل منفرد، لم ينجح الاتحاد الأوروبي في تحويل ثقله الاقتصادي إلى نفوذ وتأثير.

وينطبق ذلك بشكل خاص على منطقة الخليج، وهي منطقة يفتقر فيها الاتحاد الأوروبي إلى رؤية استراتيجية، حيث تعطي دول الخليج الأولوية للعلاقات مع الولايات المتحدة وبريطانيا (بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي) وحتى روسيا والصين.

ومع ذلك، يمكن أن يحدث زخم جديد للعلاقات بين منطقة الخليج والاتحاد الأوروبي لسبب غير متوقع وهو التحول الأخضر الذي يتطلب سلسلة من الإجراءات للوصول إلى هيكل اقتصادي أكثر استدامة وحماية للمناخ. وبينما يعتبر التحول الأخضر وافدا جديدا على "الجيوبوليتيك"، فإن تنفيذ بعض سياساته سيكون لها بالتأكيد آثار عميقة على العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول.

ويمكن أن يكون أحد هذه الآثار هو تطوير الاتحاد الأوروبي لسياسة خارجية أكثر تماسكا تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وإدراك الأهمية المتزايدة لدول مجلس التعاون الخليجي. وإذا حدث ذلك، فيمكن أن يؤدي التحول الأخضر إلى تنشيط الوجود الأوروبي في المنطقة وتوفير إطار عمل استراتيجي واحد يحتاجه الاتحاد بشدة.

ارتباك استراتيجي

وبينما يرى الاتحاد الأوروبي نفسه كقوة اقتصادية عظمى، فإن سلوكه العملي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يظهر ارتباكا استراتيجيا متعدد المستويات.

أولا، هناك تناقض هائل بين مصلحة الاتحاد في تقديم نفسه على أنه "قوة من أجل الخير" والإجراءات العملية التي يتخذها الاتحاد والدول الأعضاء فيه في المنطقة الأوسع. ولا يعد ذلك مجرد اختلاف بين المفهوم النظري والممارسة العملية بل إنه يكشف عن عدم القدرة على التوفيق بين وجهات النظر المختلفة. ويتجلى هذا الالتباس في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث تظهر التناقضات بين "الأجندة الإصلاحية طويلة المدى" للاتحاد الأوروبي والسعي لتحقيق مصالح أمنية واقتصادية قصيرة المدى.

ثانيا، فإن برامج الاتحاد الأوروبي المختلفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يجمعها إطار عمل متماسك من حيث الأهداف والأدوات والشراكات.، فهناك ما لا يقل عن 5 هياكل معرفية مختلفة يرى من خلالها الاتحاد الأوروبي (والدول الأعضاء فيه) جوارهم الجنوبي. وفي حين أن بعض العناصر يمكن أن تبدو مشتركة، فإن الاختلافات تكون أكثر وضوحا خلال الممارسة مما يقوض ليس فقط التماسك الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي ولكن مصداقيته أيضا.

ثالثا، من الناحية الاستراتيجية، لا ينظر الاتحاد الأوروبي إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كمنطقة واحدة. ويحدد الاتحاد دوره في العلاقات الدولية على مستويين هما مستوى جواره المباشر (جنوب البحر المتوسط) والمستوى العالمي. وتعد العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والخليج إحدى الضحايا الرئيسيين لهذا النهج.

ونظرا لأن منطقة الخليج تقع خارج الجوار المباشر للاتحاد الأوروبي، فإنها تظل في بقعة عمياء. وتتم ملاحظة أهمية دول الخليج إذا تدخلت في منطقة البحر الأبيض المتوسط كما في حالة ليبيا، أو إذا أصبحت أهدافا أو مواضيع للسياسة العالمية. وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل وثائق مهمة مثل الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي تبالغ في التأكيد على قضايا منع انتشار أسلحة الدمار الشامل وتتغاضى عن العديد من التطورات الرئيسية التي تحدث في الخليج.

وفي حين أن المصالح الاقتصادية ومصالح الطاقة تربط الاتحاد الأوروبي بدول مجلس التعاون الخليجي، فإن هذا لا يكفي كأساس لتعاون عميق بينهما. ومن ناحية أخرى، تنظر الدول الأعضاء في الاتحاد إلى العلاقات مع دول الخليج من زاوية المنافسة، مما يحرم الاتحاد الأوروبي من القدرة على التصرف كجهة فاعلة موحدة.

وتقوض المصالح الفردية للدول الأعضاء المشاريع المشتركة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي مثل التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة، وهو الوعد الذي لم يتحقق منذ عقود. ومن ناحية أخرى، يتم التعامل مع الأسئلة المتعلقة بسوق الطاقة على مستوى آخر، من خلال الحوار المؤسسي مع "أوبك".

فرصة التحول الأخضر

ومن المؤكد أن التحول الأخضر سيؤثر على الاستراتيجية المشوشة للاتحاد الأوروبي، بالرغم أنه لم يتضح بعد كيف سيتم ذلك بالضبط. ويلعب الاتحاد دورا مزدوجا في التحول الأخضر. وبصفته هيئة تنظيمية، فإنه يساعد الدول الأعضاء فيه على الوصول إلى تعهدات الحياد المناخي. وفي الوقت ذاته يعزز الاتحاد الأوروبي التعاون الأخضر متعدد الأطراف على المستوى الدولي ويوفر حوافز للشركاء الخارجيين لتقديم خطط العمل الوطنية الخاصة بهم.

وفي حين أن الدور الأخير يتقاطع مباشرة مع السياسة الخارجية، فإن الأول أيضا له تداعيات جيوسياسية بسبب التغييرات في هيكل التجارة الخارجية للاتحاد الأوروبي عبر تقليل الدور المهيمن للمصادر غير المتجددة.

ويمكن أن يؤدي وضع التحول الأخضر على أجندة السياسة الخارجية إلى سيناريوهين.

السيناريو الأول: زيادة التشتيت والتضارب في الأولويات والاهتمامات. فمع مطالبة شركائه بتبني برامج وطنية خضراء، سيضيف الاتحاد الأوروبي بندا آخر على القائمة الطويلة بالفعل من المطالبات التي سيظل تحقيقها الكامل غير واقعي في الشرق الأوسط. وبفرض الأجندة الخضراء على الآخرين، يمكن أن ينتهي الأمر بسهولة بالاتحاد الأوروبي فقط إلى تحفيز "الغسيل الأخضر" عبر إعادة تسمية للسياسات الحالية باعتبارها صديقة للبيئة. وسيعني هذا السيناريو بالتأكيد استمرار الاتحاد الأوروبي في انتقاد دول الخليج دون أي تأثير ملموس بخلاف تقويض الثقة المتبادلة.

السيناريو الثاني: أن يكون للتحول الأخضر تأثير إيجابي على التفكير الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي. وإذا تم منح الحقائق الاستراتيجية الأولوية على المصالح السياسية والاقتصادية قصيرة المدى، فقد يساعد ذلك في حل المعضلات الحالية التي تعيق الاتحاد الأوروبي. ومن خلال إدراك أن الاتحاد الأوروبي قد يكون أكثر تأثيرا ونجاحا في تعزيز التحول الأخضر من القواعد الديمقراطية، يمكن تحديد أولويات أوضح للتعاون.

ويجب اعتبار التحول الأخضر سياسة مدفوعة بالمصالح وليس شرطا قياسيا، وبالتالي تتم مواءمة التحول الأخضر وأمن المناخ مع السياسة الواقعية. ويمكن أن تساعد طريقة التفكير هذه أيضا في خلق التماسك وتحسين صورة الاتحاد الأوروبي كشريك له أولويات واضحة.

إعادة صياغة العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي

ولن يمهد نهج "الواقعية الخضراء" هذا الطريق لهيكل موحد للتعامل مع المنطقة فحسب، بل يمكن أن يخلق زخما للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي ويعزز تجارة الطاقة.

وقد يبدو أن تقليص واردات النفط الأوروبية من شأنه أن يضر بمصالح دول الخليج المصدرة للنفط، لكن من الناحية العملية لن يتسبب ذلك في اضطراب كبير لأن دول الخليج لا تعتمد على تصدير الوقود الأحفوري إلى الاتحاد الأوروبي. وقد يكون الضرر أكبر بكثير في حالة مثل ليبيا أو الجزائر اللتان تعتمدان أكثر على تصدير النفط إلى الاتحاد الأوروبي.

وعلى المدى المتوسط، يبدو أن الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي سينمو مؤقتا، على الأقل خلال الفترة الانتقالية، ما قد يساعد منتجي الغاز في الخليج.

وهناك بعض الفرص الاقتصادية المرتبطة بالتحول الأخضر أيضا. وتتمتع دول الخليج بموقع جغرافي متميز بالنسبة للإشعاع الشمسي لذا فإنها تخطط للاستثمار بكثافة في الطاقة الشمسية. ويمكن يجعل التصدير إلى الاتحاد الأوروبي هذه الاستثمارات أكثر ربحية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للاتحاد الأوروبي الاستثمار في تطوير قطاع الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وقطاع الهيدروجين، والربط الإقليمي للشبكات الكهربائية، في الخليج.

ويمكن إجراء التعاون من خلال الأطر الحالية المختلفة مثل "شبكة الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي للطاقة النظيفة" أو مبادرة الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي "إنوسنت"، أو بشكل غير مباشر عبر "آلية التنمية النظيفة" التي تقودها الأمم المتحدة.

ويمكن أن يساعد تحديد أولويات الأجندة الخضراء أيضا في الابتعاد عن الهدف المحبط المتمثل في التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة التي تعد هدفا غير واقعي يؤدي تركه على جدول الأعمال إلى عرقلة التعاون في القطاعات الأخرى. ويمكن أن يساعد التحول الأخضر في تجاوز هذا الأمر والتحول إلى فرص جديدة مع تجنب مظهر التخلي عن هدف كان يعتبر سابقا ضروريا للجانبين.

أجندة جديدة للاستراتيجية الأوروبية

قد يؤدي التركيز على "التحول الأخضر" إلى آثار إيجابية غير مباشرة في السياسات الأخرى. ونظرا لأن الوعي البيئي يزداد بقوة في أوروبا، فإن الأحزاب الخضراء، التي ظهرت مؤخرا في ألمانيا على وجه الخصوص، ستساعد في تشكيل سياسة الاتحاد الأوروبي الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومن المحتمل أن تكون أفكار مثل نزع عسكرة السياسة الخارجية، والاعتماد على التعاون متعدد الأطراف، والحياد الإيجابي في النزاعات الإقليمية، والتخلي عن التجارة الحرة، أكثر بروزا في أجندات السياسة الخارجية الأوروبية.

وفي حين أن بعض هذه الأولويات قد تسبب مشاكل في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، خاصة فيما يتعلق بتجارة الأسلحة، فإن البعض الآخر قد يفتح فرصا جديدة. على سبيل المثال، هناك إمكانية لربط جهود الوساطة الأوروبية بجهود دول الخليج. ويمكن للجانبين تبادل خبراتهما وتنسيق أنشطتهما في النزاعات الإقليمية بشكل أكثر عمقا، وهو تطور يرحب به كل من حكام الخليج والأحزاب الخضراء في أوروبا.

باختصار، يجب ألا يفوت صانعو القرار الأوروبيون فرصة التغيرات الناشئة عن التحول الأخضر حتى لو لم يكن استغلالها سهلا.

المصدر | ماتي زالي - معهد دول الخليج العربي في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد