منذ تنصيب الرئيس الأمريكي "جو بايدن" في 20 يناير/كانون الثاني 2021، أكدد مرارا على تركيز إدارته على الديمقراطية وهو ما تجلى في خطابه الأول بشأن السياسة الخارجية أمام قادة العالم في مؤتمر ميونيخ للأمن في 19 فبراير/شباط 2021 حين قال إن "الديمقراطية لا تحدث بالصدفة.. علينا الدفاع عنها.. علينا الكفاح من أجل ترسيخها وتجديدها".

وبعد بضعة أشهر، كرر "بايدن" هذه الكلمات وشدد على إيمانه بأن "الشعب الأمريكي قادر على هذه المهمة". ونتيجة لذلك، أخذ الكثيرون في جميع أنحاء العالم تعهد الرئيس الأمريكي على محمل الجد وتفاءلوا بشأن الدعم الأمريكي للديمقراطية في الداخل والخارج.

وفي فبراير/شباط، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن "بايدن" سيستضيف قادة الحكومات والمجتمع المدني في قمة افتراضية بشأن الديمقراطية في الفترة من 9-10 ديسمبر/كانون الأول 2021. وقالت الخارجية الأمريكية إن "القمة ستركز على التحديات والفرص التي تواجه الديمقراطيات وستوفر منصة للقادة للإعلان عن الالتزامات والإصلاحات والمبادرات الفردية والجماعية للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في الداخل والخارج".

وشددت الخارجية الأمريكية على أنه "القمة ستوفر فرصة للاستماع والتعلم والمشاركة مع مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة التي يعد دعمها والتزامها أمرًا بالغ الأهمية لإحياء الديمقراطية في العالم".

ولكن تاريخيًا، لم تُعرف الولايات المتحدة أبدًا بحسن الاستماع والتعلم والمشاركة مع مختلف الأطراف الدولية الفاعلة بشأن تعزيز الديمقراطية، بل إن سجل الولايات المتحدة في هذا الصدد كئيب للغاية.

وفي ضوء ثقافة الاستعلاء الأمريكي المتجذرة بعمق، والعنصرية الواضحة في النسخة الأمريكية من مهمة "نشر الحضارة" الكولونيالية، فإننا نرى أن أمريكا لم تكن أبدًا كما وصفها الرئيس "رونالد ريجان" بأنها "مدينة مشرقة فوق تلة يرشد ضوء منارتها المحبين للحرية في كل مكان".

وحمل العديدون في العالم آمالًا بشأن هذا التصور منذ أيام المثالية الويلسونية، التي ظهرت في عام 1918 لإحلال السلام العالمي، ولكن كان ترويج الولايات المتحدة للديمقراطية انتقائيًا وغير متسق وقابلًا للاستغناء عنه على مذبح المصالح الأمنية والاستراتيجية لواشنطن.

وبالرغم أن هذا كان اتجاهًا عالميًا في السياسة الخارجية الأمريكية، فقد ظهر هذا الخلل بشكل أكثر وضوحًا في تعاملات الولايات المتحدة مع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولا سيما الأجزاء العربية من المنطقة.

الشرق الأوسط المغبون

حظيت أنباء قمة "بايدن" بشأن الديمقراطية باهتمام واسع في العالم العربي. وأثارت القمة انتقادات لاستبعادها الممثلين عن المنطقة، باستثناء العراق، وأهدافها السطحية التي لا تبشر بآثار عملية لتعزيز الديمقراطية في منطقة تشتد حاجتها للديمقراطية.

ولم يكن الناشطون العرب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هم النقاد والمشككون الوحيدون في مؤتمر هذا الأسبوع الذي سيعقد في واشنطن.

وبالإضافة للانتقادات الموجهة لقائمة المدعوين، أعرب آخرون في واشنطن عن شكوكهم في أهداف القمة، ورأى بعض الخبراء أن القمة لن تجعل أمريكا أكثر أمانًا لأن "رؤية الإدارة لسياستها الخارجية على أنها منافسة بين الديمقراطيات والأوتوقراطيات في العالم ساذجة وخطيرة". وأعرب آخرون عن شكوكهم بشأن قدرة المشاركين - بما في ذلك الولايات المتحدة - على الوصول إلى التزامات ذات مغزى فيما يتعلق بالديمقراطية.

وقد عبّر الناشطون العرب المؤيدون للديمقراطية عن غضبهم بسبب استبعادهم والأجندة الضيقة التي اعتبروها تغفل مشاكل العالم العربي واحتياجاته. ودعت شخصيات معترف بها دوليًا، بما في ذلك الرئيس التونسي السابق "منصف المرزوقي" والناشطة "توكل كرمان" الحائزة على جائزة نوبل للسلام، إلى عقد قمة موازية في 3 ديسمبر/كانون الأول عبر مؤتمر "الديمقراطية أولا في العالم العربي"، وهو واحد من أكبر التجمعات لنشطاء الديمقراطية والمدافعين عن حقوق الإنسان في العالم العربي.

وتم عقد المؤتمر افتراضيًا واعتمد قائمة شاملة من القرارات المتعلقة بحالة الديمقراطية في العالم العربي وقمة "بايدن" التي ستعقد في واشنطن، ويتواجد ممثلون رئيسيون للمجموعة حاليا في واشنطن.

وفي بيانها النهائي في مؤتمر 3 ديسمبر/كانون الأول، عرفت "الديمقراطية أولاً في العالم العربي" نفسها على أنها تمثل "الحركات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، وكذلك الشخصيات العامة والسياسية" وأنها تتحدث نيابة عن الأصوات العربية من أجل التغيير الديمقراطي وسيادة القانون.

وأكد البيان مجددا على التزام المؤتمر بالمبادئ الديمقراطية في السياسة والحكم وأدان محاولات النظم الاستبدادية والقوات غير الديمقراطية في المنطقة لإحباط التطلعات المشروعة للشعب العربي في حكم ديمقراطي وتمثيل حقيقي، وشدد البيان على أن هذا غالبا ما يتم بدعم من القوى الدولية الكبرى.

وفي نداء مباشر لجميع "الحكومات الديمقراطية" المشاركة في "قمة الديمقراطية" التي دعا إليها "بايدن"، دعا المشاركون في مؤتمر "الديمقراطية أولاً في العالم العربي" الأطراف الذين سيجتمعون في واشنطن إلى إعلان دعمهم القوي لديمقراطية حقيقية عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بناء على المبادئ التالية:

1- إدانة ومعاقبة أي أنظمة أو قوات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعطل أو تساعد في تعطيل التحول الديمقراطي أو تنفذ انقلابات العسكرية أو تتورط في حروب أهلية.

2- إعادة تقييم العلاقات مع أي أنظمة تنتهك أو تشارك في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان أو تنخرط في القمع السياسي.

3- الدعوة إلى الإفراج الفوري عن جميع السجناء السياسيين في جميع أنحاء المنطقة دون تأخير، ووقف جميع أحكام الإعدام غير العادلة، وإنهاء جميع المحاكمات السياسية.

4- دعوة مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق ومقاضاة جميع الأنظمة التي تشارك في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكذلك نشر نتائجها وتوصياتها.

5- إعلان أن الحرية هي أساس الكرامة الإنسانية التي يجب منحها لجميع الناس، بالإضافة إلى تأكيد احترام الحريات المدنية والحريات السياسية وحقوق الإنسان لجميع الناس في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بغض النظر عن الانتماء الديني والعرق والجنس والعمر أو الطبقة أو الحالة الاجتماعية والاقتصادية.

ومن الواضح أن أولئك الذين يدافعون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي قلقون بشأن تدهور كليهما في جميع أنحاء المنطقة، وتنبع مخاوفهم من التآكل الذي حدث بعد عام 2011 في الالتزام الإقليمي بالديمقراطية والتوحش المتزايد للمعسكر الاستبدادي في العالم العربي.

وهذا هو سبب وصول وفد "الديمقراطية أولاً في العالم العربي" إلي واشنطن وتصميم أعضائه على جذب انتباه "بايدن" عندما وجدوا أن إدارته تتجاهلهم في قمة هذا الأسبوع.

المصدر | خليل جاهشان | المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد