الخميس 9 ديسمبر 2021 02:40 م

عاد "مسلم البراك"، أبرز شخصية معارضة في الكويت، إلى البلاد في 16 نوفمبر/تشرين الثاني بعد نحو 4 سنوات قضاها بالمنفى فى تركيا مما أعطى بارقة أمل بشأن انتهاء واحدة من أكثر الأزمات السياسية تعقيدا في البلاد منذ الغزو العراقي عام 1991. ويعد "البراك" واحدا من عشرات الناشطين وأعضاء البرلمان السابقين الذين عادوا إلى الكويت بعد عفو أميري خاص.

وفي عام 2017، صدرت أحكام قاسية بحق مجموعة من الناشطين وأعضاء البرلمان على خلفية قضية اقتحام مجلس الأمة عام 2011 إبان ثورات الربيع العربي.

وكانت الأحكام بحق من اقتحموا البرلمان متوقعة؛ فغادر معظمهم البلاد كنوع من المنفى الاختياري قبل أن يُحكم عليهم بالسجن. وعملت المعارضة في البرلمان منذ ذلك الحين على تأمين العفو عن هؤلاء الأفراد، لكن العفو جاء في النهاية من مرسوم أميري وليس تصويت برلماني.

وقد يشير هذا العفو والنهاية المحتملة لأطول أزمة سياسية في الكويت إلى بداية حقبة جديدة من التعاون بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في بلد يعاني من تأزم سياسي دائم. ومع ذلك، ستؤثر عدة عوامل على ما إذا كان العفو سيمهد الطريق لعلاقات أكثر سلاسة من عدمه.

وتتضمن هذه العوامل مصير الناشطين الذين ما زالوا مسجونين بتهم سياسية، والقوانين التي تعتبرها المعارضة قمعية وتتطلب التعديل أو الإلغاء، وتفكك المعارضة الذي يُظهر عدم القدرة على التنسيق، والسيطرة على جدول الأعمال التشريعي، والصدمات الخارجية غير المتوقعة التي يمكن أن تعطل جهود التعاون.

هل انتهت الأزمة حقا؟

تشير التغطية الإعلامية الكويتية لعودة "البراك" ومنفيين آخرين من تركيا إلى انتهاء الأزمة السياسية. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من القضايا العالقة. وشدد عضو البرلمان السابق "صالح الملا" في تغريدة في 25 نوفمبر/تشرين الثاني على أن الأزمة لم تنته بعد؛لأن هناك ناشطين ما زالوا مسجونين بتهم سياسية. وكرر المعارض البارز "محمد المقاطعي" التأكيد على هذه النقطة، بل إن هناك أنباء الآن عن احتمال تعليق العفو عن بقية الناشطين ردا على بعض التعليقات المتحمسة من قبل بعض المعارضين.

علاوة على ذلك، ليست هذه هي القضية الوحيدة العالقة بالنسبة للمعارضة. فقد تم انتخاب مجلس الأمة عام 2013، بعد مقاطعة المعارضة، وأصدر العديد من القوانين التي فرضت قيودا على الحريات المدنية وإجراءات عقابية قاسية على الجرائم السياسية.

وبالرغم من تغيير العديد من هذه القوانين أو إسقاطها، لا يزال هناك تعديل رئيسي لقانون الانتخابات الكويتي ساري المفعول يمنع الأفراد الذين أدينوا بتهمة إهانة الأمير من الترشح في الانتخابات المستقبلية. وتعد هذه قضية مهمة للمعارضة؛ لأنها تحدد إلى حد كبير المستقبل السياسي لأعضاء البرلمان السابقين الذين تم العفو عنهم. ولا شك أن الخلاف حول هذه المسألة سيؤثر على العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

معارضة منقسمة

بينما يُشار إلى العديد من الكتل البرلمانية التي تشكلت بعد الانتخابات الأخيرة باعتبارها "معارضة"، فإن ذلك لا يعني أن هناك جبهة معارضة موحدة؛ فهناك فروق دقيقة تميز هذه الكتل. ودائما ما تنقسم هذه الكتل إلى كتل فرعية أو تفشل في احتواء أعضاء مستقلين بسبب عدم انسجام تحركاتهم مع جداول الأعمال الرئيسية لهذه الكتل. وتساعد مثل هذه الانقسامات في تفسير سبب تصرف المعارضة بشكل أقرب ما يكون للأقلية بالرغم من كونها أغلبية تقريبا.

وعلى سبيل المثال، كان البرلمان في فبراير/شباط 2012 يضم كتلة من 35 عضوا تصف نفسها بأنها كتلة الأغلبية. ومع ذلك، لم تتمكن هذه الكتلة من منع 3 من أعضائها من العمل بشكل مستقل وطرح عدة استجوابات دون تنسيق مسبق. (استجواب وزراء الحكومة هو أداة رئيسية تستخدمها المعارضة لمحاولة تشكيل عمل الحكومة).

وحتى عندما أنهت المعارضة مقاطعة مجلس الأمة وحققت أداء قويا في انتخابات عام 2016، فقد أظهر أداؤها في البرلمان خلافا كبيرا وانعدام تنسيق. على سبيل المثال، طرح بعض أعضاء المعارضة قانون عفو ​​عام، لكنهم لم يتمكنوا من الحصول على تصويت الأغلبية لتمريره أو حتى إقناع العديد من أعضاء المعارضة بالتصويت لصالحه.

وفضلا عن ذلك، فإن الكتلة المنتخبة في ديسمبر/كانون الأول 2020 غير متماسكة؛ فهناك كتلة معارضة رسميا، لكن الأعضاء يجسدون مقاربات مختلفة حيال بعض القضايا الرئيسية. وقد انقسمت الكتلة في النهاية إلى عدة مجموعات فرعية لكل منها أجندة ونهج مختلفين تجاه الحكومة.

وأصبحت هذه الخلافات أكثر حدة ووضوحا منذ الإعلان عن اتفاق العفو في 19 أكتوبر/تشرين الأول؛ حيث اتهمت مجموعة من أعضاء البرلمان "عبيد الوسمي"، عضو البرلمان المعارض الذي اشتهر بأنه القوة الدافعة وراء العفو، بتقديم تنازلات مفرطة للسلطة التنفيذية دون التنسيق مع بقية المعارضة.

وتمتد هذه الانقسامات السياسية إلى المجموعة المنفية التي كانت في تركيا، وتحديدا بين "البراك" (العضو الشعبوي والمؤسس لكتلة العمل الشعبي المنحلة الآن) والبرلماني السلفي السابق "فيصل المسلم". وكلاهما قام بمحاولات لتوحيد المعارضة؛ حيث طلب "البراك" صراحة من المعارضة السعي إلى الوحدة خلال هذا الوقت الحرج، وقال إن أعضاء المعارضة في البرلمان سيجتمعون قريبا. حتى أنه حيا شخصيا "المسلم"، الزعيم المفترض للمعارضة المتشددة. ومع ذلك، فإن العديد من التعليقات والتغريدات التي أدلى بها المعارضون المتشددون وكذلك الخطاب الناري الذي ألقاه "المسلم" عند عودته إلى الكويت تشير إلى أن هذا الجزء من المعارضة ليس لديه مصلحة في المساومة مع السلطة التنفيذية؛ مما يجعل هناك إشكالية في وحدة المعارضة.

وقد تعني هذه الخلافات أن مجموعة صغيرة منشقة قد تتبع سياسات معرقلة، وبالتالي تزداد التوترات مع السلطة التنفيذية. ويمكن أن تؤثر هذه الخلافات أيضا بشكل مباشر على قدرة المعارضة على فرض أجندتها في البرلمان، خاصة إذا لم تستطع المعارضة السيطرة على اللجان الرئيسية في البرلمان.

 

المعركة من أجل الأجندة التشريعية

يعتمد نجاح المعارضة في البرلمان على قدرتها على السيطرة على اللجان التشريعية الرئيسية، والتنسيق، وحسن نية الحكومة وقدرتها على السيطرة على أعضاء البرلمان الموالين لها، والصدمات الخارجية. ويمكن أن تؤدي هذه العوامل إلى تجدد المأزق التشريعي التنفيذي أو إشعال جولة أخرى من المعارك حول قواعد اللعبة.

وبغض النظر عن التقسيمات الفرعية داخل المعارضة، فإن البرلمان الآن منقسم بشكل عام بين كتلة معارضة من 31 عضوا في مقابل 17 عضوا مؤيدا للحكومة. ومن بين 17 لجنة دائمة، هناك 13 لجنة يتم التحكم فيها إما بشكل كامل أو من خلال أغلبية بسيطة من قبل أعضاء المعارضة (مجموعة الـ31)، بينما يتم التحكم في البقية من قبل مجموعة الـ17. ومع ذلك، تختلف اللجان حسب الأهمية والوزن. وتعد اللجان الرئيسية إما خاضعة لسيطرة مجموعة الـ17 أو لا تزال موضع نزاع شديد.

وفي حين أن إحدى أهم اللجان في مجلس الأمة، وهي لجنة الشؤون التشريعية، يرأسها النائب المعارض "عبيد الوسمي"، إلا أن المعارضة لا تتمتع بالأغلبية في هذه اللجنة. وقد انسحب عضو المعارضة "مهند الساير" من اللجنة متذرعا بإحباطه؛ بسبب عدم التنسيق. علاوة على ذلك يتواجد "الوسمي" حاليا في الخارج لأسباب طبية. وفي حالة غيابه، سيرأس اللجنة نائب الرئيس "هشام الصالح" المؤيد للحكومة.

وبالمثل، فإن لجنة الأولويات متنازع عليها، وتسيطر مجموعة الـ17 على لجنة الشؤون المالية والاقتصادية. ومع ذلك، فإن الرقابة على اللجان وحدها لن تحدد مدى نجاح التشريع، حيث سيكون التنسيق بين المعارضة حاسما. لكن هناك إشارات إلى معارضة شديدة الانقسام منذ البداية. 

ويقدم السجل السابق للمعارضة في عام 2016 مثالا واضحا على كيفية توقف التشريعات على الخلافات بين أعضاء المعارضة حتى لو كانت المعارضة تسيطر على لجنة الشؤون التشريعية.

وهناك بالطبع احتمال أن يكون الجناح المعتدل للمعارضة قادرا على التنسيق مع الحكومة ورئيس مجلس الأمة لتمرير أجزاء من جدول أعمالها. ومع ذلك، يعتمد ذلك إلى حد كبير على حسن نية الحكومة وقدرتها على السيطرة على أعضاء البرلمان القريبين منها ومنعهم من عرقلة أو تشويه القوانين المقترحة، مثلما فعلوا مع مقترحات العفو عام 2016.

وإجمالا، بالرغم أن العفو الأميري عن أعضاء المعارضة يعتبر خطوة على طريق تحسين العلاقات التنفيذية التشريعية وإنهاء الجمود السياسي، فإن العودة إلى الركود السياسي يعد احتمالا وشيكا دائما.

المصدر | معهد دول الخليج في واشنطن/لؤي العراقيه – ترجمة وتحرير الخليج الجديد