الأحد 19 ديسمبر 2021 08:21 ص

تغطي سحب كثيفة من الرمال الهواء، بينما تتهاوى طائرة مروحية بسرعة كبيرة، وفي الخلفية منحدرات من الحجر الرملي. يتدرب طاقم العمل على مشهد معركة في فيلم "قندهار"، وهو فيلم حرب بميزانية كبيرة تنتجه هوليوود، وتدور أحداثه في أفغانستان. لكن الكاميرا تكذب؛ فالمشهد يجري تصويره بالفعل على بعد 2000 ميل من مدينة قندهار الأفغانية، وبالتحديد في صحراء محافظة العلا بالسعودية.

وبينما تم حظر السينما في السعودية أوائل ثمانينات القرن الماضي بضغط من رجال الدين المحافظين، تسعى المملكة الآن لأن تصبح "هوليوود الصحراء". فدور السينما تفتح أبوابها في كل مدينة. وأوائل ديسمبر/كانون الأول الجاري، استضافت مدينة جدة، غربي المملكة، النسخة الأولى من مهرجان البحر الأحمر السينمائي. وحاليا، يتم استقبال المنتجين الأجانب لكي يقوموا بتصوير أفلامهم في المملكة؛ حيث تنفق الحكومة المليارات على صناعة محلية لا تزال وليدة، لكن بطموحات عالمية.

بدايات السينما السعودية

في عام 2017، حذر مفتي المملكة من تقنين دور السينما في السعودية، معتبرا أن ذلك أمر "مفسد للأخلاق ومدمر للقيم". وآنذاك، عرضت السينما الوحيدة في البلاد أفلاما وثائقية في متحف للعلوم. وفي العام التالي (2018)، شهدت العاصمة في الرياض افتتاح أول دور سينما منذ أكثر من 3 عقود، من قبل سلسلة "إيه إم سي" (AMC) الأمريكية، بعرض فيلم "النمر الأسود" (Black Panther). ومن ذلك الحين، تم افتتاح حوالي 500 سينما أخرى في المملكة.

إن التحول المتواصل الذي تشهده السعودية في هذه الصدد له 3 دوافع. إذ تحتاج المملكة إلى فطام اقتصادها عن النفط. ويجب أن تحافظ على رضى سكانها الشباب في مواجهة القمع السياسي. كما أن المملكة في حاجة ماسة لتحسين سمعتها على الساحة الدولية.

لكل ذلك، أصبحت المملكة المحافظة فجأة جادة في مجال صناعة الترفيه. إذ تخطط لاستثمار 64 مليار دولار في الترفيه على مدى السنوات العشر حتى عام 2030، وتأمل أن يضاعف المستهلكون نفقاتهم الترفيهية من 2.9% إلى 6% من إجمالي إنفاقهم. وفي اليوم السابق، لفرش السجادة الحمراء في الشوارع المرصوفة بالحصى بمدينة جدة القديمة في مهرجان البحر الأحمر، استضاف الكورنيش المواجه للبحر للمرة الأولى "جائزة السعودية الكبرى" لـ"الفورمولا-1"، بحفل موسيقى أحياه نجم البوب الكندي "جاستن بيبر".

مهام سعودية

وتتمثل المهمة الأولى للمملكة، في مخططها لبناء صناعة سينمائية قوية، في خلق جمهور محلي لهذا النوع من الترفية من الصفر. وبحلول عام 2030، تهدف السعودية إلى مضاعفة عدد شاشات السينما فيها بـ4 أضعاف؛ لتصل إلى 2000 شاشة عرض، وإلى تحقيق عائد من شباك التذاكر بقيمة مليار دولار. ويعتقد "ديفيد هانكوك"، من شركة أبحاث السوق "أومديا"، ومقرها لندن، أن هذا الهدف سيحقق في وقت أبكر. فسلاسل مثل "إيه إم سي" الأمريكية و"فوكس" (VOX)، وهي علامة تجارية إماراتية، تحرص على الاستثمار في أحد أسواق السينما القليلة التي تنمو وسط وباء "كورونا". فدور السينما المجهزة بمواصفات عالية، مع مقاعد فخمة ومكيفات هواء قوية، بجانب إجراءات صحية فائقة، تسمح للمشغلين بوضع أعلى أسعار للتذاكر في العالم، بمتوسط ​​18 دولارًا للتذكرة الواحدة. وتتوقع "أومديا" أنه بحلول عام 2025، أي بعد 8 سنوات فقط من افتتاح أول سينما بالمملكة، أن تصبح السعودية عاشر أكبر شباك تذاكر في العالم.

وتعد الخطوة التالية الهامة هي جلب صانعي أفلام أجانب والتعلم منهم. والقليل منهم بالفعل بدأ العمل في المملكة. ففي فبراير/شباط، أطلقت خدمة "أبل تي في بلس" فيلم "كرز" (Cherry)، وهو دراما تتناول قصة أحد قدماء المحاربين في أمريكا. وتم تصوير المشاهد المتعلقة بالعراق في هذا الفيلم، بمحافظة العلا السعودية. وفيلم "قندهار"، الذي اقترب الآن من نهايته، هو إنتاج مشترك بين شركة "ثاندر رود فيلمز" الأمريكية، التي أنتجت فيلم "سكاريو" (Sicario) ومجموعة "إم بي سي" المملوكة للسعودية. وفي محافظة تبوك، شمال غربي السعودية، تعمل "إم بي سي" مع استديوهات "إيه جي سي" في هوليوود على فيلم "محارب الصحراء (Desert Warrior)، بميزانية تبلغ 140 مليون دولار. وتدور أحداث الفيلم بشبه الجزيرة العربية في القرن السابع؛ حيث تم اختيار النجم الملحمي "أنتوني ماكي" لبطولته، والذي تم مؤخرًا اختياره لأداء شخصية "كابتن أمريكا" في سلسلة الأبطال الخارقين لـ"مارفيل".

استثمار بالمال والمكان

ويعد المكان هو جزء من الاستثمار السعودي في هذه صناعة السينما. فالكثبان الرملية التي لا نهاية لها في العلا، والتي تتخللها النتوءات والأخاديد الوعرة، تستحضر "الخيال في شبه الجزيرة العربية"، كما يقول البريطاني "ستيفن ستراشان"، مفوض إدارة الأفلام في هيئة "فيلم العلا"  (حكومية)، التي تأسست عام 2020 لتوفير أفضل الدعم والتوجيه لصانعي الأفلام وشركات الإنتاج للتصوير في المحافظة السعودية. وفي الجوار، بمنطقة "الحِجْر"، توجد قبور آثرية يبلغ عمرها 2000 عام، والتي بناها المهندسون المعماريون الأنباط الذين نحتوا "البتراء" في الأردن. ويمكن لكشافة الموقع الاختيار من بين جميع أنواع الصحراء، من الرمادي (الذي يصلح لتصوير مشاهد مماثلة لأجواء أفغانستان) إلى الأحمر (المماثل لأجواء المريخ). يقول "إريك هدايت"، وهو منتج في فيلم"محارب الصحراء": "نحن (صناع السينما) نغش في هذه الأشياء دائما في الأفلام؛ فالخروج والتصوير في مواقع حقيقية أمر نادر جدا".

الجزء الآخر من الاستثمار السعودي في صناعة السينما هو المال. ففي 14 ديسمبر/كانون الأول، أعلنت "هيئة الأفلام"، وهي هيئة حكومية سعودية، أنها ستقدم لصناع الأفلام خصومات تصل إلى 40%، وهي واحدة من أكثر حزم الحوافز سخاءً في العالم. وهناك أيضا المنتجون المحليون، الذين يتوفر لديهم الكثير من المال. واستحوذت الحكومة السعودية على حصة مسيطرة في "إم بي سي" بعد فترة وجيزة من احتجاز مالكها "وليد آل إبراهيم" في فندق ريتز الرياض مع رجال أعمال آخرين عام 2017 ، في عملية لـ"مكافحة الفساد"، يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها "ابتزاز". وبعد إطلاق سراح رئيسها، أعلنت "إم بي سي" توجهها إلى "التركيز بشكل أكبر على السعودية والمناطق المجاورة، تماشيا مع التحولات الإيجابية الحالية التي تحدث في المملكة". وخصصت الكثير من المال لفيلمي "قندهار" و"محارب الصحراء".

كل هذا يجعل السعودية على نحو متزايد منافسا لمواقع تصوير هامة بالمنطقة مثل الأردن- حيث لعب "وادي رم"، وهو وادي أردني مذهل، دور البطولة في العديد من أفلام هوليوود، وآخرها فيلم "كثيب" (Dune)- ومصر، حيث تراجعت صناعة السينما المزدهرة بسبب ظروف السوق والاستبداد.

وبالفعل، أزعج الصعود القوى للسعودية في هذا القطاع بعض الجيران. ووفقا لما ذكره أحد المطلعين في الصناعة، حاولت السعودية دون جدوى إغراء منتجي فيلم "Dune" بتصوير الجزء الثاني من الفيلم في المملكة عوضا عن الأردن. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، دعا رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي إلى "روح التعاون" في المنطقة، بعد أن غير مهرجان البحر الأحمر مواعيده؛ ما أجبر القاهرة على تغيير موعدها لتجنب التصادم.

صعوبات

ومع ذلك، فإن بدء إنتاج الأفلام من لا شيء تقريبا ليس بالأمر السهل. فالأطقم السعودية لديها خبرة في التليفزيون والإعلانات، لكن صناعة الأفلام أمر مختلف. على سبيل المثال، حضر طاقم فيلم "محارب الصحراء"، الذي يزيد على 600 شخص، من 45 دولة. وحتى العثور على ممثلين كومبارس بالمملكة يعد أمرا صعبا. فتقاليد العمل الحر ليست متجذرة في السعودية، وأي وظيفة تتطلب الاستيقاظ قبل الفجر والعمل لمدة 12 ساعة في اليوم تحت حرارة الشمس كان يتم القيام بها تاريخيا من قبل الوافدين. و"محارب الصحراء"، الذي يحتاج إلى 100 كومبارس في اليوم في المتوسط​​، كان غالبيتهم من الأردن وجورجيا. ولدى القائمين على صناعة الفيلم فريق كامل مخصص لتأمين التأشيرات. ورغم ذلك، يرى "هدايت" أن ظروف عملهم في المملكة أسهل مما كان عليه الأمر في الصين؛ حيث كان عليه ذات مرة أن يأخذ طاقمه بالكامل داخل وخارج البلاد كل 90 يوما.

وتحاول الحكومة السعودية حل هذه المشاكل. إذ تقوم هيئة "فيلم العلا"، حاليا، ببناء "مخيم سينمائي" يضم مساحات مكتبية وحوض سباحة، ليتم افتتاحه في أوائل العام المقبل. وفي فبراير/شباط 2022، ستطلق معسكرا تدريبيا لتدريب السكان المحليين على أساسيات صناعة الأفلام. كما تسمح عمليات الإنتاج المشترك للطاقم السعودي بالتعلم من الأفضل في هذا المجال.

وتشير "زينب أبوالسمح"، التي تدير عمليات "إم بي سي فيلمز" في السعودية إلى أن صناع الأفلام في هوليوود يجلبون ممثلين بمواصفات فائقة لم ترها في حياتها. وتقول إنه لتوفير ذلك من السوق المحلية فإن "الأمر أشبه بالحصول على درجة علمية". وتعتبر الصين نموذجا في هذا المجال؛ حيث تعلمت الصناعة جيدا من خلال الإنتاج المشترك مع الولايات المتحدة، وهي الآن تصنع أفلامها بنفسها.

لفعل الشيء نفسه، يجب أن تصبح أكثر من مجرد مناظر تصوير وممول. وتضع المملكة آمالها في نيوم، وهي حاليا أشبه بمعسكر يضم 2000 شخص والكثير من الحفارين على البحر الأحمر بالقرب من الحدود المصرية. وبحلول عام 2030، تتوقع الحكومة السعودية أن يكون موقع البناء الصحراوي هذا مدينة يعيش بها مليونا شخص، ومتخصصة في الصناعات الرقمية. وسيشمل ذلك "أول مركز إعلامي متكامل تماما" في المنطقة، كما يقول "واين بورج"، وهو أسترالي كان يعمل في السابق في استديوهات "فوكس"، والمسؤول عن تطوير الصناعات الإعلامية في المدينة المستقبلية. وسيتعامل المركز مع جميع مراحل صناعة الأفلام، بما في ذلك تأثيرات ما بعد الإنتاج والتأثيرات المرئية، التي يتم إجراؤها الآن بشكل عام في الغرب.

ورغم كل الجهود السابقة، لا تزال هناك عوائق كبيرة ثقافية وسياسية أمام صناعة السينما السعودية. إذ يعد استيراد المواهب من لوس أنجلوس بمثابة صراع شاق في بلد يعتبر فيه الشذوذ الجنسي جريمة، ولا تزال العباءة هي الرداء التقليدي للمرأة. فقد تفاجأ المسؤولون التنفيذيون المتجهون إلى مهرجان الأفلام في جدة من العلا عندما انقطع الترفيه على متن الطائرة بسبب الأذان، وتحولت الشاشات إلى خريطة تشير إلى الطريق إلى مكة. صحيح أنه تم تخفيف بعض القيود في المملكة منذ عام 2018، مثل السماح للنساء بقيادة السيارات. وبصرف النظر عن غياب الخمور، بدا مهرجان البحر الأحمر مثل أي مهرجان آخر مماثل؛ حيث استقطب النجوم بما في ذلك الممثلة الفرنسية "كاترين دينوف". ومع ذلك، لم تتغير العادات المحلية في كثير من أنحاء البلاد. فقد وجد طاقم نسائي لأحد الأفلام في تبوك أن المطاعم المحلية لا تزال تدير غرف طعام لا تسمح بالاختلاط بين الرجال والنساء، وهو ما لم يعد القانون ينص عليه.

مخاطر السمعة

ولا تزال مخاطر السمعة لممارسة الأعمال التجارية في المملكة قائمة. وظهر ذلك لأول مرة في مهرجان "كان" السينمائي عام 2018، لكنه بقي في العام التالي وسط احتجاج على اغتيال "جمال خاشقجي"، الصحفي السعودي المعارض الذي تعتقد أجهزة الاستخبارات الغربية أنه قُتل بأمر من ولي العهد "محمد بن سلمان" (ينفي ذلك).

كما ألغت شركة "VUE Cinema" البريطانية المتخصصة في صناعة السينما خططا لبناء 30 صالة سينمائية في البلاد. وأعادت  شركة "إنديفور كونتنت" (Endeavour Content)، وهي شركة إنتاج أمريكية، استثمار بقيمة 400 مليون دولار إلى صندوق الثروة السيادية في  السعودية. وارتدى "لويس هاميلتون"، عند فوزه بسباق الجائزة الكبرى السعودي في 5 ديسمبر/كانون الأول، خوذة بألوان قوس قزح لشجب رهاب الشذوذ الجنسي في المملكة.

ومثلما تستعد بعض شركات هوليوود للنظر في الاتجاه الآخر، قد تكون السلطات السعودية على استعداد لتغيير مبادئها الخاصة. ويقول "بورج" إن مدينة "نيوم" ستكون دولة شبه مستقلة "من نواح كثيرة مثل هونج كونج بالنسبة للصين". فمن المرجح أن تتضمن قوانين المدينة، التي من المقرر أن تحصل على توقيع ملكي عام 2022، منح تأشيرات ميسرة وأنظمة استيراد أسهل، وربما سياسة اجتماعية أكثر استرخاءً.

ويعد "بورج" بأن تكون "نيوم" "بيئة مفتوحة وشاملة". وردا على سؤال حول ما إذا كان ذلك يمكن أن يشمل ذلك تقديم شراب من الخمر في نهاية اليوم، قال: "علينا توفير الظروف المناسبة لجذب تلك المواهب (في صناعة السينما)". ويضيف ردا على سؤال حول ما إذا كان ذلك سيشمل مواهب شاذة جنسيا؟": "مرة أخرى، سنوفر الظروف المناسبة".

وكان يُنظر إلى حلم "هوليوود الصحراء" على أنه سراب، لكن المال السعودي أثبت أنه قادر بالفعل على تحقيق هذ الحلم ليكون سلاحا ضمن أسلحة القوة الناعمة السعودية، والذي سيتم استخدامه في الداخل والخارج. إذ ستكون المملكة قادرة على نسج رواياتها الخاصة، ووفقًا لشروطها الخاصة. وحول ذلك تقول "أبوالسمح": "يمكننا أخيرا إنتاج قصص تشبهنا".

سفينة نوح

ويعد فيلم "سفينة نوح" (The Ark) العمل السينمائي التالي الذي تستهدف به "إم بي سي فيلمز" الجماهير الدولية، وتفوق ميزانيته الـ100 مليون دولار. وتظهر في هذا الفيلم سفينة نوح على شواطئ "نيوم"، ما يسمح للمملكة بالترويج لمدينتها الجديدة. كما أن لدى "إم بي سي فيلمز" خططا لأعمال سينمائية حول تاريخ "أرامكو"، شركة النفط الحكومية، وسيرة الشاعر العربي المحارب "عنترة بن شداد".

لكن هل تتقبل الجماهير الغربية الأعمال السينمائية السعودية؟ يستشهد المنتجون السعوديون بمسلسل "لعبة الحبار" (Squid Game) في كوريا الجنوبية، الذي قدمته شبكة "نتيفليكس" (Netflix)، لإظهار كيف أصبحت الأذواق أكثر عالمية. ومع ذلك، فإن صناعة السينما في الصين، التي حققت نجاحًا غير عادي في سوقها المحلية، لم تحقق أي نجاحات دولية تقريبا. في كلتا الحالتين، عندما يتم إصدار فيلم "محارب الصحراء" عام 2022، سيكون العالم أمام عمل قد يجعل المشروع السعودي في صناعة السينما بأكمله جديرا بالاهتمام؛ وهو أمر قد يكون مفاجئا لـ"كابتن أمريكا" (أنتوني ماكي) ذاته، وهو يقاتل من أجل العرب.

المصدر | ذي إيكونوميست + ترجمة وتحرير الخليج الجديد