الجمعة 21 يناير 2022 11:12 م

انطلقت موجة جديدة من النشاط الدبلوماسي بين الصين ودول الشرق الأوسط منذ بداية العام. واستضاف وزير الخارجية الصيني "وانج يي" الأسبوع الماضي وفدا من مجلس التعاون الخليجي، ضم وزراء خارجية السعودية والكويت وعُمان والبحرين، فضلا عن الأمين العام للمجلس. وتبع ذلك على الفور لقاءات مع وزيري الخارجية التركي والإيراني. كما أعلنت الصين أن سوريا وقعت اتفاقية تعاون معها بشأن مبادرة الحزام والطريق.

لقد كان بالفعل أسبوعا مهما في العلاقات بين الصين والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن هذا الأمر تكرر من قبل. وفي عام 2021، قام "وانج" برحلتين مهمتين إلى المنطقة، الأولى في مارس/آذار، وزار خلالها السعودية وتركيا وإيران والإمارات وعُمان والبحرين، والثانية في يوليو/تموز وزار خلالها سوريا ومصر والجزائر، بالإضافة إلى رحلة عضو مجلس الدولة "يانج جيتشي" إلى قطر والكويت في أوائل عام 2021. ويبدو من ذلك أن بكين تخصص موارد دبلوماسية كبيرة للمنطقة.

ومن السهل أن نعزو هذا إلى ملف الطاقة فقط، لكن هذا خطأ كبير. وبالرغم أن الصين تعتمد على الشرق الأوسط لتلبية أكثر من 40% من احتياجاتها من الطاقة، فقد أظهر العام الماضي الطبيعة متعددة الأوجه لتزايد الوجود الصيني في المنطقة، بما في ذلك دورها المتزايد في الشؤون الأمنية.

على سبيل المثال، خلال قمة "منظمة شنجهاي للتعاون" في أغسطس/آب الماضي، أعلن الرئيس الصيني "شي جين بينج" أن إيران اقتربت من أن تكون عضوا كامل العضوية في المنظمة، وهو هدف لطهران منذ عام 2008 على الأقل.

وأضفت المنظمة الطابع المؤسسي على التعاون الأمني ​​بين أعضائها من خلال الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، ما زاد من التعاون في مجالات الأمن والجريمة والاتجار بالمخدرات.

وأشارت تقارير مثيرة مؤخرا إلى الدور العسكري للصين في شبه الجزيرة العربية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2021، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن بكين كانت تبني منشأة عسكرية في الإمارات، وهو تقرير وصفته الحكومة الإماراتية بأنه سوء توصيف للمشروع.

وأصر المستشار الرئاسي الإماراتي "أنور قرقاش" الشهر الماضي في اجتماع لمعهد دول الخليج العربية في واشنطن على قوله: "كانت وجهة نظر الإمارات أن هذه المنشآت المعنية لا يمكن بأي حال من الأحوال تفسيرها على أنها منشآت عسكرية". وبعد فترة وجيزة، ذكرت شبكة "سي إن إن" أن السعودية تعمل بنشاط على تصنيع صواريخ باليستية بمساعدة صينية.

وتعتبر العلاقات بين الصين والشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعبيرا رائعا عن التحول الجيوسياسي المتنامي، حيث تواصل دول آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا الاندماج بشكل أعمق.

وتشكل الدول الآسيوية أكبر أسواق للنفط الخليجي فيما كانت الشركات الصينية لاعبا رئيسيا في أعمال المقاولات في المنطقة على مدار العقدين الماضيين. أضف إلى ذلك مبادرة الحزام والطريق، التي تربط الأسواق وسلاسل التوريد عبر المحيط الهندي وأوراسيا. وأصبح من الواضح أن استقرار منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو عنصر مهم في نجاح مبادرة الحزام والطريق، وبالتالي في سياسة بكين الخارجية.

ومع ذلك، يضيف مثلث الصين والولايات المتحدة والشرق الأوسط طبقة معقدة إلى الموضوع. ومثل البلدان الأخرى خارج المنطقة، استفادت بكين من المظلة الأمنية الأمريكية في المنطقة التي سمحت لها بتطوير وجود عميق دون التعهد بالتزامات أمنية في المقابل.

ولم تكن هذه مشكلة عندما كانت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين في حالة جيدة، ولكن مع تدهور العلاقات الثنائية في الأعوام الأخيرة، ظهرت التوترات بينهما في الدول والمناطق التي تتمتع فيها كلتا القوتين بمصالح عميقة. ومن الواضح أن الشرق الأوسط هو إحدى هذه المناطق.

وتؤثر هذه المنافسة الاستراتيجية على السياسة الخارجية لحلفاء وشركاء الولايات المتحدة في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقال "قرقاش": "ما يقلقنا هو هذا الخط الدقيق بين المنافسة الحادة بين الصين والولايات المتحدة والحرب الباردة الجديدة".

ويجب النظر إلى زيارات وزراء الخارجية من منطقة الشرق الأوسط إلى الصين في هذا السياق الأوسع. ويشعر القادة في جميع أنحاء المنطقة بالقلق من أن يصبحوا مسرحا للمنافسة بين القوى العظمى. وفي الوقت نفسه، يشعر هؤلاد بالقلق بسبب انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة بسبب تحول اهتمامها إلى المحيطين الهندي والهادئ. وقد أصبحت إدارة العلاقة مع واشنطن مع تعزيز العلاقات مع بكين عملية توازن صعبة، ولكنها مهمة بشكل متزايد.

وقد أسفرت الزيارات الأخيرة عن القليل من التعهدات الجوهرية أو المبادرات الجديدة. وكان هناك حديث عن مواصلة العمل نحو اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ومجلس التعاون الخليجي. وكان هذا مطروحا على الطاولة منذ عام 2004. وقال "وانج" ووزير الخارجية الإيراني "حسين أمير عبداللهيان" إن البلدين بدآ مرحلة تنفيذ الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقعة في مارس/آذار 2020.

وأعاد "وانج" التأكيد على مبادرة الصين المكونة من 5 نقاط لأمن منطقة الشرق الأوسط والتي أعلن عنها خلال رحلته إلى السعودية عام 2021. ولكن هذه المبادرة ما تزال غامضة وفضفاضة مما يمنع صياغة إطار عملي للتنفيذ.

وذكر البيان الصحفي بخصوص زيارة وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" أنه عبّر عن حساسية بلاده بشأن قضية "الإيجور"، وهي دائما نقطة نقاش مهمة بالنسبة لأنقرة. وبينما لم يسافر مع الوفد إلى بكين، تحدث وزير الخارجية الإماراتي "عبد الله بن زايد" مع "وانج" عبر الهاتف لبحث مجالات التعاون والدعم.

ولم يغير أي من هذا أي شيء بشكل جذري. ولكن ذلك يؤكد بشكل متزايد أن الصين أصبحت لاعبا سياسيا مهما في الشرق الأوسط. وفي بيان صحفي بعد عودة جميع ضيوفه إلى ديارهم، أكد "وانج" أنه لا يوجد "فراغ في السلطة" في الشرق الأوسط، وبالتالي لا حاجة لـ"بطريرك أجنبي" للتدخل في المنطقة.

ومن خلال هذه الكلمات، فإن وزير الخارجية الصيني يرسل رسالة مفادها أن بلاده لديها طريقة مختلفة في التعامل مع دول المنطقة، وأن هناك بديلا للولايات المتحدة. وسواء اتضح أن هذا هو الحال أم لا، فإن الرسالة وجدت صدى بالتأكيد.

المصدر | جوناثان فولتون | ريسبونسيبل ستيت كرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد