الاثنين 28 فبراير 2022 10:07 ص

تتجه الطائرات المسيرة، تركية الصنع إلى تحقيق نجاح جديد في ميادين المعارك، خلال الحرب الدائرة حاليا بين روسيا وأوكرانيا، بشكل يعزز من سمعتها الهجومية وكفاءتها العملياتية حول العالم.

وعلى الرغم من ضخامة حجم الآلة العسكرية الروسية، والفوارق الهائلة في ميزان القوى بين روسيا وأوكرانيا، فإن تداول تقارير ومقاطع فيديو عن عمليات نفذتها المسيرة التركية "بيرقدار" خلال المعارك الجارية، يؤكد أن كييف ربما تكبد موسكو خسائر فادحة.

وتتزايد المخاوف فعليا لدى الجيش الروسي من امتلاك نظيره الأوكراني سلاحا قد يغير قواعد اللعبة، أو على الأقل يصعب عليه إتمام مهمة السيطرة على الأراضي الأوكرانية دون فاتورة ضخمة من الخسائر.

إشادة أوكرانية

لم يمر اليوم الخامس من الغزو الروسي لأوكرانيا، دون صدور إشادات من الجانب الأوكراني بكفاءة المسيرة التركية في تحويل قاذفة صواريخ روسية ضمن رتل عسكري، إلى حطام.

ووفق رئيس أركان الجيش الأوكراني الفريق "فاليري زالوجني"، فإن الطائرة من طراز "بيرقدار"، استخدمت في استهداف أنظمة صواريخ روسية مضادة للطائرات.

وتظهر مقاطع فيديو مختلفة قوافل عسكرية للجيش الروسي تعرضت لضربات جوية مركزة ما أدى إلى تدمير واحتراق عشرات الدبابات والمدافع والعربات المصفحة، يرجح أن هذه الضربات نفذتها طائرات مسيرة تركية.

وتفيد البيانات الأوكرانية بتدمير عدد كبير من الطائرات والمروحيات الروسية، فضلا عن قطار شحن يحمل وقودا، وكذلك تدمير قوافل عسكرية بواسطة مسيرات بيرقدار.

والأسبوع الجاري، أشاد السفير الأوكراني لدى تركيا "فاسيل بودنار"، بدور "بيرقدار"، في القتال ضد القوات الروسية.

وبحوزة أوكرانيا دفعات من طائرات "بيرقدار"، سبق أن اشترتها من تركيا العام الماضي، ومن غير المعروف عدد الطائرات التي تمتلكها من هذا الطراز.

ومؤخرا، باعت تركيا لأوكرانيا قرابة 20 طائرة مسيرة من طراز "بيرقدار" قبل أن يجري التوقيع الشهر الماضي، على اتفاق جديد لصناعة المزيد من هذه الطائرات بشكل مشترك على الأراضي الأوكرانية.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، وقع وزير الدفاع الأوكراني "أندري تاران"، والرئيس التنفيذي لشركة "بايكار" التركية للدفاع والطيران "خلوق بيرقدار"، مذكرة تفاهم لإنشاء مركز للصيانة والتدريب على الطائرات المسيرة في أوكرانيا.

ويرى المدون العسكري المقيم في كييف "أوليكسي أريستوفيتش"، أن "هذه الطائرات تشكل زيادة دراماتيكية في القدرات القتالية لأوكرانيا التي وضعت فعليا يدها على سلاح يغير قواعد اللعبة".

غضب روسي

في المقابل، لم تخف موسكو قلقها من حيازة أوكرانيا للمسيرات التركية، التي تشكل خطرا على منظوماتها الدفاعية، وقد تربك حساباتها في المعارك الدائرة حول عدة مدن أوكرانية.

ويؤكد المحلل الاستراتيجي الروسي "ألكسندر نزاروف"، أن "توريد الأسلحة التركية لأوكرانيا هو مصدر إزعاج قوي لموسكو"، ويوافقه الرأي مدير برنامج الأبحاث في برنامج دراسات روسيا، "مايكل هوفمان"، قائلا إنّ "الطائرات التركية بدون طيار أثبتت فعاليتها، خاصة مع تكلفتها المنخفضة"، بحسب مجلة "نيوزويك" الأمريكية.

وقبل شهور، أعرب المتحدث باسم الكرملين، "دميتري بيسكوف"، عن قلقه من بيع تركيا مسيرات "بيرقدار 2"، للجيش الأوكراني، قائلا إنها تؤدي إلى "إذكاء الصراع" في منطقة دونباس.

لاحقا، ارتفع مستوى المخاوف الروسية، خلال محادثة هاتفية، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بين الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" ونظيره التركي "رجب طيب أردوغان"، حيث وصف الأول استخدام الأوكرانيين لطائرات بدون طيار تركية الصنع، بـ"السلوك المدمر" و"النشاط الاستفزازي".

تفوق نوعي

تؤكد مجريات الأحداث أن "بيرقدار" بكافة طرازاتها، تتجه نحو تحقيق نصر جديد يعزز سمعتها الهجومية في سوق السلاح، بعدما أثبتت مكانتها كسلاح نوعي في حروب عدة حول العالم امتدت بين قارات 3 (أفريقيا وآسيا وأوروبا).

ودمرت "بيرقدار" مئات الدبابات التابعة للنظام السوري والأنظمة الدفاعية الروسية في إدلب شمالي سوريا، كما دمرت أنظمة "بانتسير" الدفاعية الروسية في ليبيا، وكانت بمثابة السلاح الأول الذي ساعد الجيش الأذربيجاني في الانتصار على أرمينيا بحرب قره باغ، كما أنقذت حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد" من الانهيار، ومكنته من الانتصار على تمرد إقليم تيجراي، شمالي البلاد.

ومع تضاعف عدد الدول المتقدمة بطلبات لحيازة المسيرة التركية إلى أكثر من 15 دولة، يتمدد النفوذ التركي حول العالم من خلال قواه الخشنة التي تمثلها الصناعات العسكرية، إلى جانب الدبلوماسية وقواه الناعمة الأخرى.

في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وعلى هامش بجولة كان يقوم بها شملت كل من أنجولا ونيجيريا وتوجو، صرح "أردوغان" قائلا: "في كل مكان أذهب إليه في أفريقيا، الجميع يسألون عن الطائرات التي تعمل بدون طيار".

وتتمتع المسيرة التركية بحيازة كاميرا كهروضوئية معقدة، ونظام لربط البيانات، فضلا عن قطعتين إلى 4 قطع من الذخيرة الموجهة بدقة، تساعدها في تحديد الأهداف وضربها بقنابلها الموجهة.

وتأتي مسيرات "بيرقدار" في مرتبة متوسطة من حيث السعر، فهي أغلى سعرا من المسيرات الصينية وأقل سعرا إذا ما قورنت بالمسيرات الإسرائيلية والأمريكية.

ووفق حديث المحلل الدفاعي التركي "أرضا مولود أوغلو" لـ"بي بي سي"، فإن قدرات المسيرة "بيرقدار" مهمة للغاية عند نشرها ضد أهداف متحركة، مثل ميليشيات الانفصاليين التي تحارب إلى جانب موسكو.

وهناك شركتان رئيسيتان لتصنيع الطائرات بدون طيار في تركيا، الأولى شركة "بايكار ديفينس" التي تصنع طائرة "بيرقدار أقنجي" وطائرة "بيرقدار 2" التي يكثر عليها الطلب حاليا.

والشركة الرئيسية المصنعة الأخرى هي شركة الصناعات الجوية التركية، التي تصنع طائرة "تاي أنكا" وطائرة "تاي أكينجي" المسيرتين.

نفوذ تركي

الملفت للانتباه، أن تركيا التزمت الصمت تجاه التقارير المتداولة عن دور مسيراتها في المعارك، ونسب نجاحات لها، على غرار ما جرى في مواجهات سابقة في سوريا وليبيا وقره باغ، حيث كانت أغلب الأطراف المعادية لها تحتمي بدفاعات روسية.

وبيدو أن أنقرة لا تريد تصدر المشهد خشية اعتبار ذلك اصطفافا مباشرا إلى جانب أوكرانيا في الحرب مع روسيا، خاصة أنها تبذل جهود وساطة لوقف إطلاق النار بين الجانبين.

وسبق أن حذر وزير الخارجية التركي "مولود جاوش أوغلو" موسكو من الزج باسم تركيا، معتبراً أن الطائرات المستخدمة تعود لأوكرانيا وأن تركيا غير مسؤولة عن آلية استخدامها.

كذلك، شدد رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية "فخر الدين ألطون"، في وقت سابق على أن التعاون الدفاعي بين تركيا وأوكرانيا غير موجه ضد روسيا، بحسب "بلومبيرج".

وبينما شكك محللون عسكريون في السابق في قدرة "بيرقدار" على لعب أي دور في مواجهة واسعة بين الجيشين الروسي والأوكراني بسبب تفوق الأنظمة الدفاعية الروسية، إلا أن المسيرات تركية الصنع تمكنت من توجيه ضربات مؤلمة للجيش الروسي وأثبتت مجدداً تفوقها العسكري في المعارك.

وقد يفتح تفوق "بيرقدار" الباب أمام غضب روسي أكبر تجاه تركيا التي باعت أوكرانيا هذه المسيرات، وقد تطيل أمد الحرب، لكن على الجانب الآخر قد تعزز دور أنقرة كوسيط بين البلدين، له علاقات قوية مع طرفي الحرب، تمكنه من استضافة المفاوضات بين موسكو وكييف، وحقن الدماء، واستعادة الاستقرار في المنطقة الملتهبة.

المصدر | الخليج الجديد