الثلاثاء 1 مارس 2022 11:41 ص

لقد كنت مخطئًا قبل عدة أسابيع عندما توقعت أن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" لا يريد غزو أوكرانيا، بل يريد فقط أن يعالج الغرب مخاوفه الأمنية في أوروبا الشرقية. ومن الواضح الآن أنه يريد تحويل البلاد بأكملها إلى رهينة أخرى مثل بيلاروسيا، وربما ضمها رسميًا إلى روسيا في غضون بضع سنوات.

ويبقى ما يستطيع "بوتين" تحقيقه عسكريا سؤالا مفتوحا، وبالرغم أن كييف تقع بالقرب من الحدود وهو ما سهل على القوات الروسية الوصول إليها في اليوم الثاني من القتال، لكن أوكرانيا بلد كبير ومكتظ بالسكان، وقد اكتشفت الولايات المتحدة مدى صعوبة إخضاع هذه الدولة.

وبغض النظر عن النتيجة العسكرية والسياسية للغزو، فإن هذا الحدث سيمثل نقطة تحول للنظام الدولي وسيفتح الفصل التالي في القصة التي بدأت مع انهيار الشيوعية في 1989.

ونتجاهل اليوم حقيقة أن كلا من عصبة الأمم والأمم المتحدة لم يكن الهدف منهما تنظيم الحروب بين الأعداء، ولكن لإيجاد بدائل للحرب. وكان التفاوض والتحكيم والمصالحة البدائل المفضلة في عصر العصبة، لكنها فشلت عندما رفض اليابانيون قبول توصيات العصبة بشأن منشوريا، وعندما تحدى "موسوليني" العصبة وهدد بفرض عقوبات اقتصادية بعد مهاجمة إثيوبيا.

وكان الرئيس الأمريكي "هاري ترومان" يأمل في أن تقوم الأمم المتحدة بتسوية النزاعات سلميًا بعد عام 1945، لكن كان علينا أن ندرك بعد بضع سنوات أن الخلافات بين القوى العظمى تجعل ذلك مستحيلًا.

وفي عام 1950، سمح مجلس الأمن الدولي بالفعل بالحرب تحت قيادة أمريكية لوقف العدوان الكوري الشمالي، فقد كان المندوب السوفيتي يقاطع جلسات المجلس عندما اندلعت الحرب. وأقنع هذا الهجوم الولايات المتحدة بأنها تواجه اتحادًا سوفييتيًا توسعيًا عدائيًا بشكل لا يمكن إصلاحه، وأنه يتعين عليها الاعتماد على التحالفات والقوة العسكرية لإيقافه.

وكان "جورج بوش" الأب هو الرئيس في عام 1990 عندما غزا "صدام حسين" الكويت بينما كانت الإمبراطورية السوفيتية تنهار. ونجح "بوش" في دفع مجلس الأمن بأكمله (بما في ذلك الاتحاد السوفياتي والصين) إلى دعم الحرب لإخراج "صدام" من الكويت. ومع ذلك، فإن كلاً من المحافظين الجدد في حزبه وقادة السياسة الخارجية في إدارة "كلينتون" لم يأخذوا هذا كدليل على أن نموذج الأمم المتحدة الأصلي يمكن أن ينجح، بل بالأحرى أن الولايات المتحدة يمكن أن تستخدم قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية لضمان أي نتيجة تريدها في أي مكان في العالم.

كان هذا هو موضوع كتاب الأمين العام للأمم المتحدة "بطرس بطرس غالي" في عام 1999. وفي نفس العام، استخدمت الولايات المتحدة، غير القادرة على تأمين الدعم الروسي أو الصيني في مجلس الأمن هذه المرة، الناتو لخوض حرب ضد يوغوسلافيا في كوسوفو. وبعد 4 سنوات، ذهبنا إلى العراق بدون أي دعم تقريبًا من الأمم المتحدة على الإطلاق.

وفي هذا الوقت، كانت إدارة "جورج بوش" الابن تؤكد على حقها في مهاجمة أي دولة تطور أسلحة تهدد الأمن القومي الأمريكي. وبالرغم أن "باراك أوباما" عارض حرب العراق، فقد دعم تغيير النظام في كل من ليبيا وسوريا دون تفويض من الأمم المتحدة، وكانت النتائج تتراوح من مختلطة إلى كارثية.

لقد رفض "فلاديمير بوتين" النظام "أحادي القطب" منذ البداية، وتجلى ذلك في مواقفه في جورجيا وشبه جزيرة القرم، والآن كل أوكرانيا. وقد استخدم "بوتين" القوة من جانب واحد لفرض أمر واقع. وحاليا، لا تواجه الولايات المتحدة والناتو غزو أوكرانيا عسكريًا، لكنهما يريدان إجبار روسيا على الانسحاب تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الصارمة.

في الواقع، إنهم يراهنون على أن عصر العولمة خلق سيطرة على المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية يستحيل معها أن تتحدى دولة إرادتهم، خاصة إذا اقترن ذلك بمقاومة أوكرانية حازمة.

وإذا نجح هذا التكتيك، فسوف يبرر اعتقاد الولايات المتحدة أنه يمكنها فرض إرادتها في جميع أنحاء العالم بهذه الوسائل. وإذا لم يحدث ذلك، فسنواجه قوتين متنافستين كبيرتين -روسيا والصين- اللتان ترفضان صراحة العديد من مبادئنا وقيادتنا واللذين قد يستخدمون القوة العسكرية في أي وقت لتحقيق أهدافهم. وإذا فرض "بوتين" سيطرته على أوكرانيا، فستكون دول البلطيق الهدف المنطقي التالي، بينما سيصبح التهديد الصيني لتايوان أكثر حدة.

ما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة، إذا فشلت القوة الاقتصادية، سيعتمد على الحقائق العسكرية. ولا يمكن احتلال دول البلطيق بسهولة من قبل الروس لأنها صغيرة بما يكفي لجعل دفاع الناتو عنها ممكنا. من ناحية أخرى، أصبحت تايوان الآن معرضة بشدة لهجوم صيني وقد تتكبد الولايات المتحدة خسائر بحرية كارثية في محاولة إيقافه.

وفي الوقت نفسه، فإن احتمال نشوب صراع جديد بين القوى العظمى سيحمل معه احتمال حدوث استخدام متبادل للسلاح النووي.

تدعي الولايات المتحدة أنها تمثل الجبهة المدافعة عن مبادئ القانون الدولي واحترام الحدود واحترام حق الشعوب في اختيار حكومتها. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة نفسها انتهكت تلك المبادئ لأسباب مختلفة عدة مرات.

وبالطبع، سيكون العالم الذي حلم به رؤساء مثل "ويلسون وودرو" و"فرانكلين روزفلت"، والذي قبلت فيه جميع الدول هذه المبادئ، عالمًا أفضل. ومع ذلك، ليس من الواضح أنه في عالم يضم ثلاث قوى عسكرية عظمى، يمكن لإحدى تلك القوى إجبار الآخرين على اتباعها.

هذه هي القضية التي على المحك الآن بسبب هذه الأزمة، وإذا استولى "بوتين" على أوكرانيا فسنضطر إلى مواجهة عالم جديد من منافسة القوى العظمى والتهديدات المستمرة بالحرب.

المصدر | ديفيد كايزر - ريسبونسبل ستيتكرافت – ترجمة وتحرير الخليج الجديد