الجمعة 18 مارس 2022 06:16 م

قبل أيام، زار الرئيس الإسرائيلي "إسحاق هرتسوج" أنقرة بدعوة من الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان". وتعد هذه أول زيارة رفيعة المستوى يقوم بها مسؤول إسرائيلي إلى تركيا منذ عام 2008. وتأتي الزيارة في ظل سعي دول الشرق الأوسط لإعادة هيكلة تحالفاتها مع تحويل الولايات المتحدة تركيزها إلى مكان آخر.

وتوترت العلاقات التركية الإسرائيلية منذ وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى السلطة في تركيا قبل عقدين من الزمن، لكن "أردوغان" اعتبر زيارة "هرتسوج" نقطة تحول في علاقتهما الاقتصادية والسياسية. باستثناء بعض الاحتجاجات في إسطنبول وأنقرة، كان هناك القليل من المعارضة السياسية لهذه الزيارة.

وبالرغم أن إسرائيل لا تزال غير محببة لدى الرأي العام في تركيا، يبدو أن معظم الأتراك يركزون بشكل أكبر على الظروف الاقتصادية المتدهورة والصعوبات التي تواجههم في تلبية احتياجاتهم. لذلك يحرص "أردوغان" على إصلاح علاقات تركيا مع دول الشرق الأوسط الأخرى حتى يتمكن من إعادة التركيز على الاقتصاد وإطلاق حملته الانتخابية الرئاسية لعام 2023.

وخلال زيارة إلى أبوظبي الشهر الماضي، أكد "أردوغان" أنه يعمل على إعادة العلاقات الطبيعية مع إسرائيل ومصر. ويبدو أنه حريص على عكس سياسته الخارجية على مدى السنوات الـ 15 الماضية، والتي كادت تجعل تركيا دولة منبوذة في المنطقة.

ولم تكن العلاقة بين تركيا وإسرائيل متوترة دائمًا، حيث كانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل في عام 1949 ورحبت أنقرة برئيس الوزراء "ديفيد بن جوريون" في عام 1958. وعلى مدى عقود، كان التعاون العسكري بمثابة العمود الفقري للعلاقات التركية الإسرائيلية. وقد ساعدت التكنولوجيا الإسرائيلية تركيا على إطلاق برنامجها الناجح للطائرات بدون طيار بعد أن أوقفت الولايات المتحدة المساعدة التقنية.

كما حافظ رئيس الوزراء التركي "نجم الدين أربكان"، الذي أسس حزب "الرفاه" الإسلامي، على علاقات وثيقة مع إسرائيل. وفي عام 1996، وقّع "أربكان" اتفاقية تعاون عسكري مع إسرائيل لتحديث طائرات مقاتلة تركية من طراز "إف-4" ودبابات "إم60". كما سمحت تركيا لسلاح الجو الإسرائيلي باستخدام مجالها الجوي للقيام بمهام تدريبية. وفي عام 2007، سمحت تركيا للطائرات الإسرائيلية بدخول مجالها الجوي لتدمير محطة نووية سورية غير مكتملة. لكن العلاقات بين البلدين خرجت عن مسارها في النهاية.

وفي عام 2005، زار "أردوغان" إسرائيل للقاء رئيس الوزراء "أرييل شارون" الذي رحب به في ما أسماه الإسرائيليون "عاصمتهم الأبدية". لكن "أردوغان" قرر لاحقًا الانفتاح على المنطقة العربية وتعزيز علاقات تركيا الاقتصادية معها. وفي حين أن "أربكان" تمكن من القيام بذلك دون استعداء إسرائيل، فإن الانتفاضات العربية شجعت "أردوغان" على تبنى فكرة العثمانية الجديدة لإحياء مجد تركيا الإمبراطوري وجذب إعجاب العرب والمسلمين.

ولم ينس الإسرائيليون مشادة "أردوغان" مع "شيمون بيريز" في عام 2009 خلال منتدى "دافوس" الاقتصادي، حيث انسحب الرئيس التركي من الاجتماع بعد أن شن الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية ضد غزة. وعاد البلدان إلى تطبيع العلاقات في عام 2016 بعد 8 سنوات من التوتر بشأن الأوضاع في الأراضي الفلسطينية.

بعد ذلك بعامين، طردت تركيا السفير الإسرائيلي في أعقاب مقتل 60 متظاهرا فلسطينيا حاولوا اقتحام حدود غزة مع إسرائيل. وعندما قامت إسرائيل والإمارات بتطبيع العلاقات بينهما قبل عامين، هددت تركيا بتعليق العلاقات مع الإمارات، بحجة أنها باعت الشعب الفلسطيني. ووعد "أردوغان" حينها بعدم التخلي عن الفلسطينيين، بينما كان يعمل على فتح فصل جديد في العلاقات مع إسرائيل.

لكن جهود "أردوغان" لم تحقق نجاحًا يذكر، حتى إن بعض المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين اعتبروا تركيا عدواً فعلياً. وفي عام 2020، اعتبر الجيش الإسرائيلي والموساد أن تركيا تمثل تحديًا استراتيجيًا، وتهديدًا أكبر من إيران. ووصف المدير العام السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، "ألون ليل"، العلاقة الإسرائيلية التركية بأنها "عداء متبادل"، قائلاً إن هناك انعدام ثقة تام في ظل قيادة "أردوغان".

وبالرغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت" أشاد بجهود "هرتسوج" لإعادة العلاقات مع تركيا، إلا أنه يفضل اتباع نهج بطيء وحذر. وفي عام 2013، انتقد "بينيت" اعتذار "نتنياهو" لتركيا بشأن حادث أسطول مرمرة عام 2010 والذي قتل خلاله الكوماندوز الإسرائيلي 9 ناشطين أتراك. ولمدة عامين قبل ترك منصبه في يونيو/حزيران 2021، كان "نتنياهو" أيضًا حذرًا من محاولات "أردوغان" لتطبيع العلاقات.

وأدى انتخاب "جو بايدن"، الذي انتقد "أردوغان" خلال الحملة الرئاسية، إلى تسريع جهود تركيا لكسر عزلتها. لكن الرئيس التركي كان عازما بالفعل على ذلك قبل مجيء "بايدن". ففي ظل الأزمة الاقتصادية المؤلمة التي بدأت قبل جائحة "كورونا"، تشتد حاجة تركيا إلى شركاء اقتصاديين.

والعام الماضي، بدأ "أردوغان" بجدية المصالحة مع الإمارات والمغرب والسودان، وهي 3 دول عربية وقعت معاهدات سلام مع إسرائيل. وتعد هذه التحركات جزء من خطة تركيا لإعادة هيكلة المنطقة بعد انسحاب الولايات المتحدة.

كما قدمت الحرب في أوكرانيا فرصة لتركيا. فمنذ بداية الأزمة، كرر "أردوغان" التأكيد على أن تركيا هي أفضل وسيلة لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا. ومع سحب إدارة "بايدن" دعمها لمشروع خط أنابيب شرق البحر المتوسط، والذي كان من المفترض أن ينقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر قبرص واليونان، انتعشت آمال "أردوغان" في أن تكون تركيا وإسرائيل شريكين مهمين في مجال الطاقة.

وقد حضرت هذه القضية - بالإضافة إلى القضايا الدفاعية التي عززت العلاقات بينهما في التسعينات - في المحادثات بين "أردوغان" و"هرتسوغ". (بالرغم أن دور "هرتسوج" في السياسة الإسرائيلية رمزي في الغالب، ولا يمكنه أن ينجز أكثر من التذويب الأولي للجليد بين البلدين).

وستكون الطاقة، ولا سيما موارد الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط​، قضية رئيسية لتركيا في السنوات المقبلة. وقد اكتسبت هذه القضية مكانة بارزة  في السياسة الخارجية التركية مع تصاعد الخلافات حول ترسيم الحدود البحرية مع مصر وقبرص واليونان. وتعد هذه القضية حاسمة للتنمية الاقتصادية لتركيا، ولهذا السبب تحتاج إلى تعزيز علاقات عمل جيدة مع إسرائيل ومصر. ومع ذلك، أوضحت إسرائيل مؤخرًا أن تحسين العلاقات مع تركيا لن يحدث على حساب علاقاتها مع اليونان وقبرص.

وتأتي العلاقات مع الولايات المتحدة في قلب تحولات السياسة الخارجية التركية، حيث يحتاج "أردوغان" إلى إنهاء العزلة السياسية لأنقرة لكنه لا يستطيع تطبيع العلاقات بشكل كامل مع دول المنطقة دون استعادة العلاقات مع الولايات المتحدة والتي تراجعت منذ عهد "باراك أوباما". ويعتقد "أردوغان" أنه يستطيع تأمين الدعم الأمريكي من خلال الانفتاح على إسرائيل بسبب الشراكة الوثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

يدرك "أردوغان" أن السياسة تتعلق بالمصالح وليس العواطف أو الصداقات. وبالرغم من ازدرائه لإسرائيل، لكنه على استعداد لإصلاح العلاقات معها إذا كان ذلك سيجعله مقبولًا لدى إدارة "بايدن" ويعطي دفعة للاقتصاد التركي وبالتالي يحسن فرصه في الفوز بالانتخابات المقبلة.

ومع ذلك، يبدو أن "أردوغان" يتصرف بحذر أيضا، فقد دعا "هرتسوج" اليساري، الذي يؤمن بحل الدولتين، إلى لقاء شخصي بدلاً من "بينيت" اليميني القومي المتطرف الذي يعد معادياً للدولة الفلسطينية. ويعرف "أردوغان" أن الإسرائيليين لن يستمعوا إليه، لكنه لا يريد أن تعرقل القضية الفلسطينية الحلول البراجماتية المتعلقة بمصالح بلاده والمستقبل السياسي لحزبه.

وفي تعامله مع إسرائيل، لطالما فصل "أردوغان" الأيديولوجية عن الأعمال التجارية. على سبيل المثال، بعد حادثة مرمرة واصلت شركة شحن مملوكة لنجل "أردوغان" نقل البضائع بين الموانئ التركية والإسرائيلية. وحتى خلال سنوات التوتر الدبلوماسي، نمت العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وزادت التجارة التركية الإسرائيلية من 3.4 مليار دولار في عام 2008 إلى 8.5 مليار دولار في عام 2021 ومن المتوقع أن تتجاوز 10 مليارات دولار في عام 2022.

لقد طورت إسرائيل علاقات قوية مع أنقرة قبل وقت طويل من وصول "أردوغان" إلى السلطة، ومن المؤكد أنها ستواصل متابعة هذه الروابط خاصة بعد خروجه من السلطة. وترى إسرائيل أن وقت "أردوغان" ينفد، ومن غير المرجح أن يحصل على فرصة أخرى لتحدي إسرائيل سياسياً.

المصدر | هلال خشان | جيبولتكال فيوتشرز – ترجمة وتحرير الخليج الجديد