الأحد 24 أبريل 2022 06:37 م

منذ نشأتها، تمتعت الإمارات بعلاقة قوية مع الولايات المتحدة، ولا يزال هذا هو الحال بغض النظر عن التوترات الحالية مع إدارة الرئيس "جو بايدن". وكانت أمريكا من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة الخليجية فور إنشائها في ديسمبر/كانون الأول 1971، وتم إرسال السفير "ويليام أ" ليمثل سفارتها عام 1974.

ومنذ ذلك الحين، تتمتع الدولتان بعلاقة ثابتة وقوية. وارتفعت التجارة الثنائية إلى 23 مليار دولار. والأهم من ذلك، شاركت الإمارات في العمليات العسكرية التي قادتها أمريكا في الكويت وأفغانستان وصربيا والعراق، وكذلك في مهمة "الناتو" التي قادتها في ليبيا.

ويضاف إلى ذلك، تعاون أمني عميق بشأن مكافحة الإرهاب يتراوح من تبادل المعلومات الاستخبارية إلى جهود مكافحة التطرف.

ويتناقض تاريخ العلاقات القوية مع الخطاب الحالي السائد في الولايات المتحدة، فقد شهدت العلاقات الثنائية أزمة بسبب تجاهل الإمارات لـ "بايدن" وإظهار تضامنها مع روسيا، ويمكن القول أن العلاقات تشهد حاليا اختبارا حقيقيا.

  • كيف وصلت العلاقة إلى هذه النقطة؟

شهدت العلاقة بين البلدين صعودا وهبوطا بشكل عام، لكن التوترات الحالية منبعها الولايات المتحدة أكثر من الإمارات. وكان هناك تحول استراتيجي مع ظهور سياسة "التوجه نحو الشرق" منذ عهد الرئيس السابق "باراك أوباما".

وتهدف هذه السياسة إلى مواجهة صعود الصين، وتعني بالنسبة للعديد من المسؤولين والمحللين السياسيين في الولايات المتحدة الابتعاد عن الشرق الأوسط، والحد من التكاليف والأعباء المرتبطة بالبصمة الأمنية الكبيرة.

وسرعان ما تمت ترجمة ذلك في السياسات الأمريكية المحلية والخارجية، بما في ذلك السماح ببذل جهود مضاعفة لتحقيق الاستقلال في مجال الطاقة، وإدخال تدابير تقشف لميزانيات وزارة الدفاع إلى الحد الذي اعتبر فيه مقال في "ذي أتلانتيك" أن "أوباما" هو "رئيس التقشف".

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، نظرت دول الخليج العربية إلى إبرام خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران عام 2015، دون التشاور مع مجلس التعاون، على أنه محاولة لتقليص حجم التدخل الأمني الأمريكي ​​في الشرق الأوسط.

واعتبرت هذه الدول أن اقتصار المفاوضات على البرنامج النووي تضييعا لفرصة مهمة لتقييد الأنشطة المزعزعة للاستقرار التي تقوم بها الميليشيات المدعومة من طهران.

وكان قبول مشاركة وكلاء إيران في محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، بما في ذلك قوات الحشد الشعبي في العراق، وغض الطرف عن حشد طهران لحركات شيعية مثل لواء زينبيون من باكستان، وفرقة فاطميون من أفغانستان، لمحاربة التنظيم في سوريا، علامة على تحول في الهيكل الأمني ​​يعكس حرية أكبر في الحركة بالنسبة للميليشيات المدعومة من إيران.

لكن الأدوار المثيرة للولايات المتحدة امتدت إلى أبعد من ذلك، حين سمحت لروسيا بتولي ملف سوريا بدلا من فرض منطقة حظر طيران، ولم يكن الدافع فقط تقليص الفاتورة الأمنية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولكن إعادة هيكلة كبرى للمسؤولية الأمنية انتهت بمنح كل من روسيا وإيران دورا جديدا في المنطقة.

وكان أكثر ملف مثير للجدل، هو موقف الولايات المتحدة من هجوم الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وتحرك الحوثيين بسرعة من احتلال صنعاء إلى مهاجمة عدن وتهديد السعودية، واستمرت السفارة الأمريكية في العاصمة اليمنية في العمل حتى منتصف فبراير/شباط 2015 قبل إغلاقها.

واعتبر البعض استمرار فتح السفارة لمدة شهر بعد استيلاء الحوثيين على العاصمة بمثابة توفير الشرعية للحوثيين. وكان هذا بمثابة خروج كبير عن "عقيدة كارتر" والالتزام الأمريكي تجاه مجلس التعاون الخليجي بين الرئيس "فرانكلين روزفلت" والملك "عبدالعزيز آل سعود" على متن السفينة "يو إس إس كوينسي" عام 1945.

ودعمت إدارة "أوباما" التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن كوسيلة لتأسيس مبدأ "تقاسم الأعباء" في الأمن الإقليمي. وربما كان تحرك إدارة "بايدن"، في يونيو/حزيران 2021، لسحب صواريخ "باتريوت" من السعودية في الوقت الذي تواجه فيه هجمات الطائرات بدون طيار ورشقات صاروخية، آخر مسمار في نعش "عقيدة كارتر".

وربما كان تعامل إدارة "بايدن" مع السعودية هو الجانب الأكثر إرباكا وإضرارا في العلاقات بين مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة. وفي حين أن الرئيس الأمريكي كان مضطرا للرد على مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" نتيجة وعوده الانتخابية، بدا أن الإدارة تسمح لوسائل الإعلام والكونجرس برد فعل لمنع أي جهد جاد لإعادة بناء العلاقة.

وغذى التوتر في العلاقات السعودية الأمريكية فكرة أن الولايات المتحدة لم تعد تأخذ علاقتها مع المملكة أو التزاماتها الأمنية تجاه الخليج على محمل الجد. وإلى أن بدأت أسعار النفط في الارتفاع، لم يكن مجلس التعاون الخليجي من أولويات "بايدن" الذي كانت سياسته في الشرق الأوسط تتمحور حول خطة العمل المشتركة الشاملة.

في غضون ذلك، بحثت الإدارة الأمريكية إمكانية رفع الحرس الثوري من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية من أجل تسريع عودة النفط الإيراني إلى السوق، في ظل رفض السعودية والإمارات التجاوب مع المطالب الأمريكية وإصرارهما على الالتزام باتفاقية "أوبك+".

  • صراع الطلب العالمي

ومع ذلك، لا تقتصر التغييرات على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، فهناك تحولات جوهرية تحدث للنظام العالمي. وأدى النظام أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، إلى العولمة التي تبنتها روسيا والصين. واستثمرت دول الخليج بشكل كبير في هذه العولمة. وتستند خطط التنمية ما بعد النفط إلى الترابط الاقتصادي العالمي. ومع ذلك، فإن هذا النظام العالمي المترابط مهدد بشكل خطير.

ويعيد رد إدارة "بايدن" على الغزو الروسي لأوكرانيا النظام العالمي ثنائي القطب الذي انتهى في التسعينيات. ويرسل الاستخدام الحالي للعقوبات ومصادرة الأصول وتجميد ممتلكات الشركات والأفراد وأقاربهم إشارات تنذر بالسوء إلى كل من يؤمن بالاستثمار الأجنبي والاقتصاد العالمي المترابط. وبالنسبة للكثيرين، فإن إدارة "بايدن" تعيد عقارب الاقتصاد المعولم إلى الوراء 35 عاما.

وقد آمنت الإمارات، مثل العديد من البلدان الأخرى، بالعولمة وصاغت هيكلها الاقتصادي والدبلوماسي بالكامل على أساس الشرايين المفتوحة للتجارة والتمويل وتدفقات الأفراد وتبادل البيانات. ومن طيران الإمارات إلى موانئ دبي العالمية إلى "اتفاقيات إبراهيم"، تعتمد السياسات الإماراتية على النظام العالمي الذي أنشأته الولايات المتحدة.

وتمثل العودة إلى حقبة الحرب الباردة اضطرابا كبيرا، وهذا جزء من سبب تجميد الإمارات لمناقشاتها بشأن شراء مقاتلات "إف-35" الأمريكية؛ لأن جزءا من السعر يتعلق بتداعيات العودة إلى نظام ثنائي القطب من حيث ضرورة تحديد معسكر واضح للأصدقاء والأعداء، وهو ما يتعارض مع الطريقة التي تنظر بها الإمارات إلى العلاقات الاقتصادية.

وبالرغم أن المواجهة الحالية مع روسيا، فإن تداعياته تمتد إلى الصين، كما كان الحال مع قضية شبكة الجيل الخامس من "هواوي" وما تمثله من خطر على الاتصال العالمي.

  • احتمالات التغيير

وكانت إحدى النتائج الرئيسية لـ"اتفاقيات إبراهيم" إعادة تقييم مصفوفة التهديد. وفتح تحول إسرائيل من "عدو" إلى "صديق" آفاقا جديدة في العلاقة بين تل أبيب ودول الخليج الرئيسية، حتى تلك التي لم توقع على الاتفاقات، ويشمل ذلك زيادة التعاون في استخدام المجال الجوي والتدريبات العسكرية والمشاركة الثقافية.

وتعد الاتفاقات علامة على أن الأشياء يمكن أن تتغير وأن الخيارات التي كان يعتقد سابقا أنها مستحيلة أو صعبة للغاية ربما تصبح ممكنة مع اختلاف القيادة والرؤية.

ويمكن لإدارة "بايدن" أن تجد فرصة في الأزمة بين الولايات المتحدة وبعض دول الخليج لإعادة تقييم العلاقة على غرار الاتفاقية بين "روزفلت" والملك "عبدالعزيز"، مع الأخذ في الاعتبار التغيرات في المصالح الوطنية والمشهد العالمي.

وقد يؤدي ذلك إلى إعادة تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة ودول الخليج لتحديد ما إذا كانوا حلفاء أم مجرد شركاء. وحاليا، لا يوجد هيكل تحالف أمني حقيقي بين الطرفين بالرغم من تمركز القيادة المركزية والأسطول الخامس للولايات المتحدة في الدول الخليجية.

ويجب أن يأخذ هذا التحالف أو الشراكة بعين الاعتبار التخطيط المستقبلي لكل من الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي. وبالنسبة للإمارات، فقد بدأت في تحديد أجندة لمدة 50 عاما تتضمن قضايا تتعلق بالذكاء الاصطناعي والعالم الرقمي.

وتعد هذه تطلعات مشتركة بين جميع دول الخليج، بالرغم من الاختلاف في الأولويات وسرعة التنفيذ. ومن أجل علاقة مستدامة لهم معها، فيجب أن تكون مبنية على خيال مشترك بشأن المستقبل.

ولتسهيل إعادة صياغة العلاقات، يمكن للولايات المتحدة ودول الخليج استخدام نموذج عملية "تي-20" التي جمعت المؤسسات البحثية الرائدة في دول مجموعة العشرين لصياغة توصيات بشأن السياسة المناسبة.

ويمكن للمؤسسات في كل من الولايات المتحدة ومجلس التعاون أن تجتمع بانتظام لتطوير أجندة مشتركة للأعوام الـ 50 القادمة، والتي قد تصبح أساسا لتطوير إما تحالف أو شراكة والتزامات واضحة لإضافة المزيد من العمق الاستراتيجي والوضوح إلى العلاقة.

لقد تم استثمار الكثير في علاقة عميقة الجذور بين دول الخليج والولايات المتحدة، وسيكون من المكلف لكلا الطرفين التخلي ببساطة عن هذه العلاقة.

المصدر | محمد بحرون/معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد