الخميس 12 مايو 2022 08:43 م

ما هي الملفات التي تستهدفها زيارة أمير قطر "تميم بن حمد آل ثاني" إلى طهران؟ وما هي دلالة الزيارة في هذا التوقيت؟ تصدرت إجابة السؤالين اهتمامات مراقبي شؤون الشرق الأوسط خلال الساعات الماضية، وسط أنباء عن أولوية ملف "المفاوضات النووية" ودور قطري بارز في محاولة إحياء الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

ورفعت تطورات العلاقات الثنائية بين البلدين سقف توقعات المراقبين، إذ وقّعت إيران وقطر 20 اتفاقيةً، منذ زيارة الرئيس الإيراني "إبراهيم رئيسي" إلى الدوحة في  فبراير/شباط الماضي، من بينها اتفاقيات ستؤدي إلى تحقيق الجمهورية الإسلامية مكاسب من تنظيم قطر لكأس العالم.

وينص أحد الاتفاقات على تنازل البلدين عن متطلبات التأشيرة لمواطني البلدين، وتوسيع خطوط النقل عن طريق الجو والبحر، وإيجاد طرق عملية يمكن أن تجعل جزيرة كيش والجزر الإيرانية الأخرى والمناطق الحرة مستعدةً للعب دور خلال كأس العالم 2022.

وجاء حاضر تعزيز العلاقات الثنائية امتدادا لمسيرة 5 سنوات سعت خلالها قطر فعليا إلى علاقات أعمق مع إيران، وتحديدا منذ عام 2017، عندما فرضت السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصاراً على الدوحة في خطوة تم تفسيرها على أنها محاولة لإسقاط النظام الحاكم في الإمارة.

لم يكن أمام قطر آنذاك سوى المجال الجوي الإيراني لتحلّق طائرتها إلى دول العالم، وأدركت حينها أن الدول العربية المجاورة هي التي هددت استقرارها.

ولطالما تم تصنيف قطر على أنها حليف وثيق للولايات المتحدة، إذ تستضيف المقرّ الإقليمي للقيادة المركزية لوزارة الدفاع في قاعدة العديد، وتسمح بزيارات منتظمة لسفن البحرية الأمريكية، وساعدت واشنطن في إجلاء قواتها من أفغانستان، وتلعب دوراً محورياً في الإستراتيجية الأمريكية في استقلال أوروبا عن الغاز الروسي.

وإزاء ذلك، كان "الاتفاق النووي" في صدارة ملفات زيارة أمير قطر إلى طهران، وهو ما نقلته "رويترز" عن مصادرها، مشيرة إلى أن الأمير "تميم" يستهدف إعادة أطراف الاتفاق النووي إلى "أرضية وسطى جديدة" بعد تطورات وشت بتعثر الوصول لصيغة من شأنها إحياء الاتفاق.

فيما صورت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية الزيارة على أنها دليل على توسع إيران في العلاقات مع دول المنطقة.

وذكرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا"، الثلاثاء الماضي، أن لجنة المشاورات السياسية بين قطر وإيران، عقدت أول اجتماع لها، لبحث العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل دعمها وتطويرها، بالإضافة إلى عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وساطة مثمرة

ويرجح أغلب المراقبين أولوية ملف المفاوضات النووية لزيارة أمير قطر، وإن لم تستبعد باقي الملفات، استنادا إلى ما ربحته قطر من "دور استراتيجي" أدته في المفاوضات التي جرت قبل عامين بين الولايات المتحدة وحركة "طالبان" الأفغانية، وما تلاه من مساعدات كبيرة خلال عمليات الإجلاء التي تلت سيطرة طالبان على البلاد، في أغسطس/آب 2021، الأمر الذي وضع الدوحة في مكانة خاصة لدى واشنطن.

وتكتسب هذه المكانة زخما خاصة في الوقت الراهن، حيث دخلت مفاوضات فيينا النووية مرحلة الجمود؛ بسبب التداعيات التي أحدثها الغزو الروسي لأوكرانيا، حتى نقلت صحيفة "إسرائيل اليوم"، أواخر أبريل/نيسان الماضي، عن مسؤولين أن واشنطن باتت أقرب لإعلان فشل المفاوضات من أي وقت مضى.

وفي حال تمكن قطر من لعب دور وساطة مثمرة بين واشنطن وطهران، فسيكون ذلك تكرارا لما فعلته في مارس/آذار الماضي، حينما لعبت "دوراً غير معلن في مفاوضات الملف النووي الإيراني، وحاولت تهدئة الأوضاع بين واشنطن وطهران"، وفقا لما أوردته صحيفة "فايننشال تايمز".

ونقلت الصحيفة البريطانية عن مصادرها أن الدوحة بدأت وساطة مكملة لمحادثات فيينا بين الولايات المتحدة وإيران بطلب من البلدين، وأنها نقلت رسائل بينهما، وحاولت تهدئة مخاوف الإيرانيين المتعلقة باحتمال انسحاب أي إدارة أمريكية مقبلة من الاتفاق الجديد.

وفي هذا الإطار، جاء اعتبار صحيفة "ابتكار" الإيرانية زيارة أمير قطر إلى طهران وتزامنها مع زيارة أخرى لمنسق الاتحاد الأوروبي في المفاوضات النووية "إنريكي مورا" بمثابة "محاولة أخيرة لإنقاذ الاتفاق النووي".

ونقلت الصحيفة الإصلاحية عن الخبير في العلاقات الدولية "علي بيكدلي" إن الزيارات التي تستضيفها طهران هذه الأيام تهدف كلها لإحياء الاتفاق النووي، لكنه أشار إلى أن "تطورات الواقع الحالي تشير بأن إحياء الاتفاق النووي أمر بالغ الصعوبة والتعقيد".

وأضاف: "حتى لو تم إحياء الاتفاق النووي فإن مشاكل إيران مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية ستبقى قائمة، وما دامت طهران لا تغيّر نظرتها في التعامل مع واشنطن والغرب بشكل عام فإن المشاكل على صعيد الاقتصاد والسياسة الخارجية ستبقى على هذه الوتيرة".

أما المحلل السياسي "الناصر دريد" فيرى أن قطر من خلال المحاولة الوساطة في الملف النووي "تسعى لإثبات حضورها كلاعب إقليمي مهم لحل أزمات كبيرة"، لكنه استبعد قدرة الدوحة على تقريب وجهات النظر  بين الأمريكيين والإيرانيين، وفقا لما أورده موقع "الخليج أونلاين".

ولفت "دريد" إلى أن "الدوحة نفسها تدرك أنها ربما لن تتمكن من إنقاذ المفاوضات، لكنها مع ذلك تؤكد فرضية أنها تملك علاقات جيدة مع كافة الأطراف، وهو وضع نادر في الشرق الأوسط"، حسب قوله.

غير أن أولوية الملف النووي لا تلغي باقي ملفات الزيارة، خاصة في ظل المخاوف الغربية المتصاعدة من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على إمدادات الطاقة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، وخصوصاً الغاز المسال، والتي تمثل واحدة من أهم الملفات التي تتشارك فيها الدوحة وطهران حالياً.

وفي فبراير/شباط الماضي، ذكرت وكالة "بلومبرج" الأمريكية، في تقرير لها، أن "الغاز الإيراني قد يكون بديلاً للغاز الروسي"، مشيرة إلى أن "هذا الأمر ربما يدفع مفاوضات فيينا قدماً، خاصة أن طهران تمتلك ثاني أكبر احتياطي للغاز في العالم، وتتشارك مع قطر في حقل الشمال، الأكبر عالمياً".

كما أن الخلاف الجديد الذي بدأته إيران مع كل من الكويت والسعودية بشأن حقل الدرة النفطي، تزيد من احتمالات قيام الدوحة بمحاولة لتخفيف الاحتقان وتقريب وجهات النظر.

ويعوّل عديد المراقبين أيضا على تمديد الهدنة التي بدأت في اليمن، والبناء عليها لإنهاء الحرب المستمرة منذ 2015، وهو ملف يرتبط بشكل أساسي بموقف الرياض التي تدعم حكومة اليمن الشرعية، في مقابل موقف طهران التي تدعم الحوثيين الذين يسيطرون على غالبية الشمال اليمني، بما في ذلك العاصمة صنعاء.

ويرى "دريد" أن الدوحة ربما تنفتح على مثل هذه الملفات لاحقاً في حال نجحت في إحداث نجاح بشأن ملف إيران النووي، الذي يمثل أولوية الوقت الراهن.

رغبة متبادلة

وأيا كانت نتيجة الوساطة القطرية، فإن تطور العلاقات بين البلدين يؤشر إلى تقدير الدوحة للدور الذي لعبته إيران في كسر الحصار الذي تم فرضه عليها في 2017، ورغبتها الجادة في ترسيخ علاقاتها مع طهران بالتوازي مع تنامي علاقتها مع واشنطن.

وفي تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي"، في 4 مايو/أيار الحالي، ذكرت أن قطر تعمل على خلق توازن في علاقاتها مع إيران والولايات المتحدة، مشيرة إلى أن بعضا من دول الخليج العربية "اتجهت إلى تقليد نموذج السياسة الخارجية القطرية".

ونوهت المجلة الأمريكية إلى أن "قطر وإيران أدركتا أن هناك مصلحةً مشتركةً على الرغم من النزاع في بعض القضايا، وحينما تم فرض الحصار على الدوحة".

من هذه الزاوية يمكن قراءة مرافقة وفد سياسي واقتصادي رفيع المستوى لأمير قطر في زيارته إلى طهران، وهو ما أكدته وكالة "رويترز"، التي نسبت إلى مصادرها القول بأن متابعة الاتفاقات السياسية والاقتصادية التي تم التوصل إليها خلال زيارة الرئيس الإيراني "إبراهيم رئيسي" إلى قطر، أغسطس/آب الماضي، بين ملفات زيارة الأمير "تميم" إلى طهران.

وكانت هذه أول زيارة لدولة خليجية يقوم بها "رئيسي"، منذ تشكيل حكومته في أواخر أغسطس/آب الماضي، كما كانت الزيارة الأولى لرئيس إيراني إلى الدوحة منذ 11 عاما.

والشهر الماضي، أعلن "رئيسي" عن زيارة مرتقبة يقوم بها الأمير "تميم" لطهران، في "القريب العاجل"، لافتا إلى أنه "سيتم خلال هذه الزيارة اتخاذ "قرارات كبيرة" في سياق المزيد من تنمية العلاقات والتعاون بين البلدين في مختلف المجالات".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات