الأحد 12 يونيو 2022 09:03 ص

مع فصل عدد من كاميرات المراقبة لنشاطها النووي، فإن إيران تخاطر بتوجيه ضربة نهائية لمحادثات فيينا المأزومة، ومن شأن ذلك أن يزيد من مخاطر حدوث صراع سري أو حتى مباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك احتمال حصول طهران على الأسلحة النووية.

وفي 8 يونيو/حزيران الجاري، أبلغت إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها تفكك معدات 27 كاميرا فيديو تستخدمها الأمم المتحدة لمراقبة البرنامج النووي الإيراني. ورداً على ذلك، حذر المدير العام للوكالة "رافائيل جروسي" من أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لاستعادة الكاميرات في الأسابيع الثلاثة إلى الأربعة المقبلة، فإن هذا سينهي أي أمل في إنقاذ الاتفاق النووي المعروف رسميًا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.

وجاء إعلان إيران في 8 يونيو/حزيران بعد يوم من موافقة مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية المؤلف من 35 عضوًا على قرار ينتقد فشل إيران في تفسير آثار اليورانيوم التي تم اكتشافها في مواقع غير معلنة في البلاد.

وقبل تصويت مجلس إدارة الوكالة، قالت إيران إنها أوقفت اثنتين من كاميرات المراقبة وأعلنت أيضًا أنها بدأت في تثبيت أجهزة طرد مركزي "IR-6" المتقدمة (أكثر موثوقية وذات قدرة وكفاءة أعلى من الأجيال الأقدم من أجهزة الطرد المركزي الإيرانية) في منشأة "نطنز" لتخصيب الوقود تحت الأرض.

تعزيز تخصيب اليورانيوم

يأتي أحدث تصعيد بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية في الوقت الذي تظل فيه المحادثات النووية في فيينا متوقفة، ومع اقتراب طهران من الوصول إلى كمية كبيرة من اليورانيوم عالي التخصيب. وقد توقفت الجولة الثامنة التي كان يفترض أنها "النهائية" من المحادثات النووية في 11 مارس/آذار بعد أن طلبت روسيا ضمانات خاصة من الغرب بأن العقوبات المرتبطة بأوكرانيا لن تؤثر على علاقتها مع إيران.

وقالت روسيا إن مخاوفها هدأت بعد أسبوع واحد فقط من ذلك، لكن التوقف تزامن أيضًا مع تسريبات في وسائل الإعلام الغربية بأن إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" تستعد لإزالة الحرس الثوري الإيراني من القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية الأجنبية، وهي أحد المطالب الإيرانية الرئيسية لاستئناف الامتثال للاتفاق النووي.

وحفزت هذه التقارير رد فعل عنيف في واشنطن وقادت البيت الأبيض للتخلي عن هذه الخطوة في النهاية. وفي الأشهر الثلاثة التي تلت ذلك، استمرت إيران في مراكمة اليورانيوم المخصب إلى المستويات التي يراها الغرب وإسرائيل خطيرة.

وفي 6 يونيو/حزيران، قال "جروسي" في مؤتمر صحفي إن إيران على بعد أسابيع قليلة فقط من الحصول على كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، أي أنها تقترب من نسبة 90% اللازمة لصنع أسلحة نووية.

تجنب التصعيد

على المدى القصير، ستسعى الولايات المتحدة إلى تجنب تصعيد التوترات لأنها تواجه العديد من التحديات المحلية والخارجية. وسيحاول البيت الأبيض تأجيل أي تصعيد لأطول فترة ممكنة، حيث يتعامل بالفعل مع العديد من الأزمات الأخرى، بما في ذلك الحرب المستمرة في أوكرانيا والاقتصاد المحلي الذي يعاني من تضخم قياسي تغذيه ارتفاع أسعار النفط، بالإضافة إلى رغبة أوسع في التركيز بعيدًا عن الشرق الأوسط لمواجهة الصعود الجيوسياسي الصيني.

وعارض أحد كبار المسؤولين الأمريكيين توصيف "جروسي" الأخير للوضع وتحذيره من أن المحادثات النووية يمكن أن تنهار في غضون أسابيع، قائلاً إن تقديم إيران لمزيد من المعلومات سيعيد المفاوضات إلى المسار الصحيح. وتتوافق تصريحات المسؤول مع التغيير في الرسائل الأمريكية الكلية فيما يتعلق بإلحاح المحادثات النووية منذ فبراير/شباط.

وخلال الجولة الأخيرة من المفاوضات قبل أن تتوقف، قال المسؤولون الأمريكيون مرارًا وتكرارًا إنه إذا لم يتم الوصول إلى صفقة لإحياء الاتفاق النووي بحلول نهاية فبراير/شباط (تم مد الموعد لاحقًا إلى مارس/آذار)، ستحتاج الولايات المتحدة إلى اللجوء إلى خيارات أخرى.

ولكن مع حلول أواخر فبراير/شباط، فشل المفاوضون في التوصل إلى اتفاق وتزامن ذلك مع الغزو الروسي لأوكرانيا. ومنذ ذلك الحين، أسقط المسؤولون الأمريكيون إلى حد كبير وضع موعد نهائي محدد للمحادثات، ومن المحتمل أن يتجنبوا حصر أنفسهم في زاوية تجبرهم على التصرف بشكل معين.

وستحاول إيران أيضًا تجنب التصعيد على المدى القريب بينما ستستخدم بعض الخطوات المثيلة كورقة نفوذ لإعادة القوى العالمية إلى طاولة المفاوضات.

المنطقة على صفيح ساخن

لكن إذا لم يتم استئناف المحادثات بسرعة، فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من انعدام الأمن الإقليمي، بالإضافة إلى تزايد خطر حدوث صراع سري أو حتى مباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ولا يمكن أن تتحمل المحادثات كثيرًا من التأجيل في ظل خطر الانزلاق لأزمة نووية، خاصة مع مراكمة طهران ليورانيوم يقترب من مستوى صناعة أسلحة، وتثبيتها للأجهزة طرد مركزي "IR-6" (مما سيسارع من مراكمة مخزونها النووي)، وجعل أنشطتها النووية أكثر غموضًا من خلال إجراءات مثل إغلاق كاميرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية (والتي ستزيد من المخاوف الغربية والإسرائيلية بشأن نواياها النووية).

ولن يؤدي الغموض النووي المتزايد في إيران، إلى جانب عقود من عدم الثقة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، إلا إلى موافقة إسرائيل على المزيد من المهام السرية - وربما مهام أكثر جرأة وعلنية - بهدف تقويض البرنامج النووي الإيراني، وكذلك برامج الصواريخ أو الطائرات المسيرة.

وحتى الولايات المتحدة قد تضطر إلى التفكير في توسيع نشاطها السري أو حتى تنفيذ ضربات عسكرية تستهدف البرنامج النووي الإيراني. ومن المؤكد أن إيران ترد على هذه الإجراءات بطرق غير متكافئة مختلفة يمكن أن تصعّد الأمور أكثر، بما في ذلك من خلال هجمات صواريخ أو طائرات مسيرة أكثر عدائية ينفذها الوكلاء الإقليميون أو هجمات إلكترونية تستهدف البنية التحتية الحيوية.

 وينبغي الإشارة إلى أن  التصعيد الكبير للتوترات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل سيزيد فقط من احتمال أن تصبح طهران دولة نووية، مما يعني تهديدًا أكبر للاستقرار الإقليمي. لقد رأت إيران من قبل كيف أن المخاوف من وقوع "حرب نووية" دفعت الولايات المتحدة وحلف الناتو إلى تجنب المشاركة المباشرة في الصراع الروسي الأوكراني.

وتخضع إيران لعقوبات هائلة منذ أكثر من عقد من الزمان، بغض النظر عن فترة الراحة القصيرة بين عامي 2016 و 2018 عندما تم تنفيذ الاتفاق النووي. وفي حين أن العقوبات الشاملة على صادرات النفط الإيرانية أضرت باقتصادها وأدت إلى جولات متكررة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة، فربما ترى السلطات الإيرانية أنه أصبح بإمكانها الصمود أمام العقوبات بشكل دائم دون إثارة اضطرابات اجتماعية كبيرة تهدد استقرار النظام.

علاوة على ذلك، فإن العقوبات تمكّن الحكومة الإيرانية من شيطنة الغرب وتبرر امتلاك أسلحة نووية أمام الشعب.

إذا انهارت محادثات فيينا وأدى ذلك لمزيد من الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد برنامج إيران النووي والصاروخي (مع استمرار العقوبات الواسعة) فقد تستنتج إيران فقط أنه ينبغي عليها تطوير أسلحة نووية. ويعني ذلك أن تصعيد التوترات يعزز فقط استراتيجية التحوط النووي لدى إيران.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد