الأربعاء 15 يونيو 2022 10:40 م

تم تعليق مفاوضات إحياء الاتفاق النووي في فيينا بين إيران والأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بالإضافة إلى ألمانيا لأسابيع.

وتتفق جميع الأطراف على أن معظم القضايا تم حلها وأن هناك مسودة اتفاق جاهزة للتوقيع. وبينما قال "إنريكي مورا"، منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إنه لا يزال هناك عدد قليل من القضايا العالقة، فإن أهم عقبة أمام اختتام المفاوضات هي رفض واشنطن إزالة الحرس الثوري الإيراني من القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية الأجنبية.

وعلى عكس صورتهم في الإعلام الغربي كقوة سياسية موحدة ومتمسكة بعدم إزالة الحرس الثوري من قائمة الإرهاب الأمريكية، فإن المتشددين الإيرانيين لديهم في الواقع انقسامات عميقة بين صفوفهم، وقد تعمقت أكثر بسبب عدم الكفاءة الاقتصادية لإدارة الرئيس "ابراهيم رئيسي".

وخلال "حملته" للرئاسة، وعد "رئيسي" بأن إدارته ستعمل بسرعة على خفض التضخم ومعدل البطالة، ورعاية الفقراء، وبناء مليون منزل جديد كل عام.

وبعد 10 أشهر من وصول "رئيسي" إلى السلطة، أصبح الاقتصاد الإيراني في وضع أسوأ مما كان عليه العام الماضي في هذا الوقت، بالرغم أن إيران تصدر الآن 1.2 مليون برميل يوميًا من النفط، أي نحو ضعف الكمية التي كان يجري تصديرها العام الماضي. علاوة على ذلك، فإن عائدات الصادرات أكبر بكثير اليوم؛ حيث كان سعر السوق في عام 2021 حوالي 65 دولارًا للبرميل؛ بينما تحوم الأسعار الآن حول 120 دولارًا.

وفيما يتعلق بالاتفاق النووي، يمكن تقسيم المتشددين في إيران إلى مجموعتين.

تتكون المجموعة الأولى من "الرافضين" الذين يعارضون الاتفاق، حتى أن البعض دعا إلى الخروج من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. ومن بين هؤلاء، "سعيد جليلي" كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين في عهد الرئيس السابق "محمود أحمدي نجاد"، وقد تم استبعاده عندما بدأت الولايات المتحدة وإيران التفاوض سرا في عمان عام 2012.

وقبل عدة أشهر، كتب "جليلي" رسالة من 200 صفحة إلى المرشد الأعلى "علي خامنئي" يحثه فيها على ترك الاتفاق بالكامل، وتخصيب اليورانيوم بنسبة 90% أو أعلى، بما يتجاوز عتبة صنع قنبلة نووية، ثم استخدام ذلك كورقة رابحة في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة.

 ومن بين الآخرين في هذه المجموعة، "حسين شريعتمداري"، مدير تحرير صحيفة "كيهان" اليومية المتشددة، و"جواد كريمي قدوسي"، القائد السابق لميليشيا "الباسيج" التابعة للحرس الثوري.

وتعارض مجموعة من المتشددين الشباب نسبيًا، والذين يبرزون أنفسهم على أنهم "ثوار"، أي تعامل مع واشنطن. وقد هاجموا الرئيس السابق "حسن روحاني" ووزير خارجيته "محمد جواد ظريف"، لتفاوضهما على الاتفاق النووي والتوقيع عليه.

ومن بين الأعضاء البارزين في هذه المجموعة "وحيد جليلي"، الأخ الأصغر لـ"سعيد"، والذي يشغل الآن منصب نائب مدير شبكة إذاعية وتليفزيونية وطنية يسيطر عليها المتشددون.

ومن المفارقات أن كبير المفاوضين الحالي "علي باقري كاني" كان هو نفسه أحد أشد منتقدي الحكومة السابقة والاتفاق نفسه. ويلومه الكثيرون في إيران على تأخير المفاوضات بين إدارتي "رئيسي" و"بايدن" العام الماضي، والآن لفشله في اختتام المفاوضات.

وتتكون المجموعة الثانية من "محافظين براجماتيين" و"متشددين نسبيًا" ممن يعتقدون أن العودة إلى الاتفاق تخدم مصالحهم بشرط إيجاد طريقة لحفظ ماء الوجه تحميهم من هجمات المجموعة الأولى، وعلى رأس هذه المجموعة وزير الخارجية "حسين أمير عبداللهيان".

وقبل الشروع في مبادرة سياسية سواء كانت محلية أو دولية، يفضل المتشددون في إيران إلقاء "شائعات" أو "بالونات اختبار" من أجل قياس رد فعل الجمهور، وكذلك ردود فعل خصومهم من الفصائل السياسية.

وبدا أن "عبداللهيان" يفعل ذلك منذ فترة عندما قال في مقابلة: "دعا كبار المسؤولين في الحرس الثوري وزارة الخارجية إلى فعل كل ما يجب من أجل المصالح الوطنية لبلدنا، وقالوا إذا وصلت المحادثات إلى نقطة تتعلق بالحرس الثوري، فلا ينبغي أن تكون عقبة أمام المفاوضات".

بعبارة أخرى، كان "عبداللهيان"، وهو دبلوماسي محافظ محترف، يلمح إلى أن مسألة إزالة الحرس الثوري من قائمة الإرهاب لا ينبغي أن تمنع طهران وواشنطن من إبرام اتفاق للعودة إلى الاتفاق. وقد ردت المجموعة المتشددة الأولى بغضب على موقف الوزير، وطالب "شريعتمداري" بتفسير هذه التصريحات.

وبالرغم أن "عبداللهيان" بدا وكأنه يتراجع، إلا أنه لا يزال يدعو بهدوء إلى سياسة خارجية أكثر مرونة واعتدالًا، خاصة فيما يتعلق بالمفاوضات النووية. وعندما تحدث مؤخرًا في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، قلل من أهمية المناقشات المتعلقة بتصنيف الحرس الثوري وأدان الغزو الروسي لأوكرانيا، وهو ما كان مفاجئًا بالنظر إلى العلاقات الوثيقة بين المتشددين وموسكو.

وشدد كل من "ظريف" و"روحاني" مرارًا وتكرارًا على أن الاتفاق المبدئي الذي تفاوضوا عليه مع إدارة "بايدن"، العام الماضي، كان يشمل إزالة الحرس الثوري من قائمة الإرهاب. وإذا كان هذا صحيحًا، فستكون إدارة واشنطن هي التي تتراجع عن وعودها السابقة، وتفوّت مرة أخرى فرصة للتوصل إلى اتفاق مع طهران من شأنه أن يقلل التوترات في الشرق الأوسط.

وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت المدن الإيرانية عدة مظاهرات ضد عجز الحكومة عن معالجة الوضع الاقتصادي المتدهور. ومع ذلك، فإن الطبقة الوسطى (المحرك الرئيسي التغيير) بقيت إلى حد كبير في منازلها بسبب المخاوف من أن تؤدي التوترات المتصاعدة إلى مصير مشابه لمصير سوريا وليبيا.

ولكن إذا تمت استعادة الاتفاق، وبدأ الاقتصاد في التعافي، وانخفضت التوترات بين طهران وواشنطن، فمن المرجح أن تنضم الطبقة الوسطى إلى الدفع من أجل نظام سياسي أكثر تمثيلا في إيران.

المصدر | محمد السحيمي/ ريسبونسبال ستيتكرافت – ترجمة وتحرير الخليج الجديد