الخميس 23 يونيو 2022 06:57 م

يُعد تطور القوة العسكرية أحد أهم التغيرات الجيوسياسية التي تحدث في العالم اليوم. وطوال القرن العشرين، كانت القوة العسكرية الحاسمة حكرا على الدول الكبيرة، حيث كانت الآلات والمعدات العسكرية تُحكم سيطرتها على ساحة المعركة، وهو ما تطلّب بالضرورة إنتاج هذه الآلات وتوفير المواد التي تغذيها والذخائر التي تستخدمها من خلال إنشاء المصانع المعقدة واستهلاك كميات هائلة من المواد الخام.

وتطلب ذلك بدوره أعدادًا كبيرة من العمال، وبالتالي توفير السكن والطعام الذي يحتاجه هؤلاء العمال. وكان وجود اقتصاد ضخم ضروريًا لإنتاج أعداد كبيرة من السفن والطائرات والدبابات وجميع أنواع العتاد في زمن الحرب. بالإضافة إلى توفير الضروريات الأساسية للحياة، والحفاظ على الروح المعنوية الوطنية، كما ينبغي أن يقوم به الاقتصاد بطبيعة الحال خارج زمن الحرب.

وكما هو معروف، فإن ساحات القتال هي الثقوب السوداء لاستهلاك الموارد. فرغم أنه بإمكان أي دولة أن تصنع الطائرات أو الدبابات أو ترسل رجالا للقتال، إلا أن من ينتصر في الحروب هو من يمكنه صناعة أعداد هائلة من الطائرات والدبابات، حتى يستطيع استبدال تلك الطائرات والدبابات التي دمرها العدو بأخرى جديدة واستكمال القتال، ناهيك عن القدرة على تجديد التدفق البشري للجيوش باستمرار لتعويض الخسائر في أرواح الجنود على جبهات القتال.

ولم تستطع الدول الصغيرة الدخول في حرب طاحنة وممتدة لأنها كانت تفتقر إلى الموارد اللازمة للقيام بذلك. إذن، كان تعريف القوة العظمى دولة ذات تعداد سكاني كبير ونظام زراعي يضمن إمدادها بالغذاء خلال الحرب، بالإضافة إلى حيازتها للموارد المعدنية التي تمكنها من تسليح قواتها. وبالنظر إلى الوفيات والأضرار التي يمكن أن يلحقها العدو، كان مفتاح القوة العسكرية هو حجم السكان والموارد.

ومن الناحية المثالية، كان يجب أيضًا أن تكون المساحة شاسعة، بحيث لا يعني انتصار العدو في منطقة واحدة انتصارًا في جميع المناطق. وبنفس القدر من الأهمية، كانت الدول الناجحة في زمن الحرب بحاجة إلى الخبرة الفنية، حيث كانت الحاجة إلى التخطيط وتصميم وبناء الطائرات والسفن الحربية والدبابات، وكانت تلك التصميمات بحاجة إلى تحديث مستمر، استجابة للتطورات التقنية للعدو. وهذا يعني ضرورة أن يكون لدى القوى العظمى آنذاك أعداد كبيرة من الفنيين النادرين بطبيعة الحال.

وبعد الحرب العالمية الثانية، كان لدى الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي فقط القدرة على الدخول في حرب كقوة عظمى (انضمت إليهم الصين لاحقًا). وقبل الحرب العالمية الثانية، كان من الممكن اعتبار القوى الأصغر، مثل ألمانيا أو المملكة المتحدة أو فرنسا أو اليابان، قوى عظمى أيضًا لكن ذلك تغير تماما مع نتيجة الحرب.

وفي السنوات اللاحقة، كان هناك تطور كبير في تكنولوجيا الدفاع. كان من الضروري في يوم من الأيام إحضار دبابة تزن 40 طنًا على بعد 2000 ميل لإيصال 40 أو 50 رطلاً من المتفجرات إلى موقع العدو. والجدير بالذكر أن أول هجوم لقاذفة قنابل بريطانية كان غير دقيق، لدرجة أن الألمان لم يتمكنوا من معرفة ماهية الأهداف التي كان يريد البريطانيون استهدافها.

ولم يكن بإمكان السفن أن ترى أبعد من حد الأفق، حيث يمكن أن يكون أسطول العدو متربصاً، وكان لابد من إطلاق طائرات خاصة لرؤية عمق العدو. ومن المفارقات، أنه كلما كان النظام الذي تستخدمه أكثر بدائية زادت الموارد المطلوبة للحفاظ عليه وتشغيله، وكلما زاد تطوره انخفض معدل استنزاف الموارد.

على سبيل المثال، كان ظهور القمر الصناعي مفيدا في توفير معلومات مهمة عن مواقع العدو، وبالتالي تمكين أنظمة التوجيه الداخلية الآلية للذخائر من تنفيذ ضربات شديدة الدقة. وقد ظهرت أقمار صناعية تنتمي لفئات جديدة أكثر تطورا. ونتيجة لهذه الدقة، فإن القوات تحتاج إلى عدد أقل من الذخيرة. وفي نفس الوقت، ينتقل تركيز القوى البشرية من ساحة المعركة النشطة إلى إدارة الذكاء واستحداث المزيد من التقنيات بسرعة أكبر. ولم تعد الحرب تتطلب عددًا هائلاً من السكان، كما أنها لا تتطلب استهلاكًا هائلاً للمواد الخام. وبالطبع، كان لذلك عواقب جيوسياسية كبيرة.

وأصبح بإمكان الدول الصغيرة وحتى الصغيرة جدًا أن تشن حربًا، لا سيما ضد الجيوش النظامية من الطراز القديم التي تفتقر إلى الدقة ومدى الاستهداف الواسع الذي تتمتع به الفئات الجديدة من تلك الدول.

فقد تحولت هذه الدول الصغيرة من الاعتماد على العمق إلى الاعتماد على الوقت. وكلما زادت مساحة الدولة، زادت المناطق التي يجب أن تنتشر فيها القوات والموارد العسكرية. وفي نموذج الحرب الناشئ، كلما زاد الوقت المتاح للرد على الأخطار، زادت الفعالية. إنه ليس تطورًا واحدًا بقدر ما هو مجموعة من التطورات، من الاستخبارات الفضائية إلى الأسلحة الموجهة ذاتيًا بعيدة المدى إلى الأنظمة الآلية المضادة للصواريخ. ويمكننا أن نرى هذا التطور بشكل أوضح في إسرائيل.

لقد اعتمد الجيش الإسرائيلي في البداية على أسلحة فرنسية ثم أمريكية، لكنه أصبح يمتلك الآن قدرات محلية يمكنه بيعها للآخرين (وهذه من المفارقات العجيبة). وهذه القدرات مصمَّمة باعتبار أن تعريض القوات للخطر هو أمر ممكن حدوثه، لكنه لابد أن يكون نادر الحدوث؛ خصوصاً في ظل استخدام الأدوات غير المأهولة كعنصر مهيمن في الاستراتيجية العسكرية الحديثة.

ويمكن رؤية مثل هذه الاستراتيجيات أيضاً في أماكن أخرى من العالم، مثل الإمارات وسنغافورة. ونتيجة لذلك، تمتع كل منهما بسلطة سياسية دولية تتجاوز بكثير ما كان متوقعًا خلال الحقبة السابقة.

وبفضل التقنيات الجديدة، تستطيع القوى الصغيرة من الظهور بمظهر قوى بكثير. ويعد التقنيون أهم العناصر في هذه الجيوش، حيث يحافظون على الأنظمة البرمجية ويقومون بترقيتها. ويظل هؤلاء جزءا بسيطا فقط من القوى البشرية التي يتحدث عنها التعريف القديم للقوى العظمى. بالطبع، لا تزال الجيوش المأهولة لا غنى عنها لكن التحول إلى أسلوب فكري جديد فيما يخص الاستراتيجية العسكرية يجري على قدم وساق.

وبالرغم أن التكنولوجيا الجديدة لم يتم اختبارها على نطاق واسع وبالتالي لم يثبت فعاليتها في النزاعات الكبرى بعد، إلا أن التطور يحدث بسرعة ويعني ذلك أن تعريف القوة العظمى يجب أن يتغير.

لقد توقعت روسيا هزيمة أوكرانيا باستخدام أسلحة قديمة. لكن ذلك لم يحدث، على الأقل حتى الآن. لذلك على روسيا أن تطور جيشها، وهو الأمر الذي ينبغي أن تقوم به القوى العظمى الأخرى إذا أرادت أن تواصل هيمنتها.

باختصار، لم يعد حجم القوات عنصرا حاسما في الحروب، وبالتالي أصبح بإمكان الدول الصغيرة أن تصبح قوى عظمى، حاسمة وخطيرة.

المصدر | جورج فريدمان | جيبوليتكال فيوتشرز - ترجمة و تحرير الخليج الجديد