الأربعاء 14 أبريل 2021 09:16 م

تتمثل القضية الخلافية الأكثر إلحاحا في العلاقات المتوترة بين تركيا والولايات المتحدة في رفض أنقرة التخلي عن منظومة الدفاع الجوي الروسية "S-400" التي حصلت عليها مؤخرًا رغم اعتراضات واشنطن التي تقول إن المنظومة الروسية تهدد أمن الناتو.

لكن عندما يتعلق الأمر بالشأن الأوكراني، فإن أنقرة وواشنطن تشهدان حاليًا لحظة توافق مثالية في مواجهة موسكو، كما تجلى في نتيجة اجتماع الرئيس الأوكراني "فولوديمير زيلينسكي" مع نظيره التركي "رجب طيب أردوغان"، في 10 أبريل/نيسان في إسطنبول.

وتجلى الموقف التركي بوضوح في الإعلان الذي ضم 20 بندا ووقعه الرئيسان وتضمن الدعو إلى إنهاء الضم غير القانوني وغير الشرعي للقرم (التي كانت خاضعة للعثمانيين سابقًا وهي موطن للتتار المسلمين) من قبل روسيا، كما تضمن الدعو إلى وقف احتلال دونباس في شرق أوكرانيا، والتي ينتشر فيها الانفصاليون الأوكرانيون المدعومون من روسيا.

وأعادت تركيا التأكيد على دعمها لعضوية أوكرانيا في الناتو في المستقبل القريب.

نوايا روسيا

ويأتي إظهار الدعم التركي لأوكرانيا في وقت حرج. فخلال الشهر الماضي، حشدت روسيا القوات والدبابات والمدفعية الثقيلة على طول حدودها مع أوكرانيا، فيما يعد أكبر حشد منذ هجومها عام 2014 عبر الوكلاء الأوكرانيين في دونباس.

وتسببت هذه التحركات في دق أجراس الإنذار في واشنطن ومقرات حلف الناتو في بروكسل، في وقت يحاول فيه القادة الغربيون تقدير النوايا الروسية.

فهل روسيا على وشك شن هجوم جديد والاستيلاء على المزيد من أراضي أوكرانيا؟ أم هل تختبر عزم إدارة "جو بايدن"، الذي يتخذ موقفا أكثر صرامة تجاه سوء السلوك الروسي مقارنة بـ"دونالد ترامب"؟

وهل تسعى موسكو إلى تخويف "زيلينسكي"، الذي ظل منذ فوزه الساحق بالسلطة في عام 2019 يقاتل للتغلب على النفوذ الروسي؟ أم أن ذلك تكتيك للحفاظ على اشتعال الصراع لضمان عدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو؟ (بما أن قواعد التحالف تنص على عدم منح العضوية للبلدان المتورطة في صراع).

بالرغم من تراجع احتمالات الهجوم الروسي على أوكرانيا، فإن تهديد الغزو يوفر نفوذًا روسيًا على كييف. وعلى عكس ضم شبه جزيرة القرم، التي تقدم ميزات مغرية للروس، فإن الاستيلاء على أرض دونباس التي مزقتها الحرب، لا يحظى بدعم داخل روسيا وسيحفز جولة جديدة من العقوبات الغربية المنهكة.

ومع ذلك، يقول الدبلوماسيون الغربيون إنه لا يمكن استبعاد إقدام موسكو علي عمل عسكري ويجب أن تؤخذ التحركات الروسية على محمل الجد.

توافق أمريكي تركي

وفي 9 أبريل/نيسان، أكدت وزارة الخارجية التركية أن الولايات المتحدة سترسل سفينتين حربيتين إلى البحر الأسود.

وسافر وزير الخارجية الأمريكية "أنتوني بلينكن"، ووزير الدفاع "لويد أوستن" إلى بروكسل يوم الإثنين الماضي، لمناقشة استراتيجية مشتركة مع زعماء الناتو. وتأتي الرحلة بعد دعوة أوكرانيا لاجتماع طارئ للناتو، حيث كان من المتوقع أن يشارك وزير الخارجية الأوكراني "ديميترو كوليبا".

وقال دبلوماسي غربي اشترط عدم ذكر هويته: "إن دعم تركيا لأوكرانيا مهم للغاية لأنه قادم من عضو مهم بالناتو لديه علاقة قوية مع روسيا".

وهناك اعتقادات بأن سبب رفض تركيا التخلص من "S-400"، هو القلق من رد الفعل الروسي الذي قد يتضمن ضربات موجعة في مناطق مثل إدلب أو حظر رحلات الطيران التي تحمل السياح الروس إلى تركيا كما فعل في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 عندما اسقطت تركيا طائرة مقاتلة روسية في سوريا.

أعلنت روسيا بالفعل أنها ستعلق الرحلات الجوية إلى تركيا في الفترة من 15 أبريل/نيسان إلى 1 يونيو/حزيران، ولكن ذلك بسبب الارتفاع الحاد في حالات "كورونا" في تركيا.

وتعتبر المصالح الروسية المهددة في أوكرانيا أهم بكثير من تلك في سوريا أو ليبيا، التي تنحاز فيهما أنقرة وموسكو إلى طرفين متضادين، لكنهما تديران خلافاتها بطرق تحافظ على علاقتهما وتدفع مصالحهما، لذلك، لم يكن مفاجئا أن "أردوغان" تلقى مكالمة هاتفية من "بوتين"، قبل يوم واحد من وصول "زيلينسكي".

بغض النظر عما قاله الزعيم الروسي عن أوكرانيا، فإن صياغة الإعلان المشترك بين كييف وأنقرة وضعت تركيا بحزم في معسكر الناتو، وقد تمكنت تركيا من الاستفادة من مزاياها الجيو-استراتيجية لتقديم مساعدة عاجلة.

كما أن أنقرة بدت أكثر مبادرة من ألمانيا، التي تعارض منح أوكرانيا "خطة عمل عضوية الناتو" لأنها لا ترغب في الوقوف بوجه روسيا.

سر التصدر التركي

أشار "ديميتار بيكيف"، وهو زميل في مؤسسة المجلس الأطلسي البحثية، إلى أن تركيا كانت دائما داعمة لأوكرانيا لأنها تحتاج إلى موازنة روسيا في البحر الأسود، لا سيما منذ ضم موسكو للقرم وحشدها للقوات، بما في ذلك نشر صواريخ "S-400".

وبالتالي لم يكن من المستغرب أن توثق تركيا وأوكرانيا علاقاتهما العسكرية منذ ذلك الحين. وتنتج أوكرانيا المحركات لطائرات "بيرقدار" المسيرة، التي أمالت الكفة لصالح حلفاء تركيا في ليبيا وناغورني قره باغ.

وتسمح الأجزاء الأوكرانية لتركيا بتصدير السلع العسكرية الخاصة بها دون قلق من تأمين تراخيص التصدير التي لم يعد بإمكانها الحصول عليها من الولايات المتحدة، منذ فرض الولايات المتحدة لعقوبات عليها بسبب استحواذها على منظومة " S-400".

وفي عام 2018، اشترت أوكرانيا 12 طائرة "بيرقدار" وخططت للحصول على المزيد، مما أثار أحاديث حول أمل "زيلينسكي" في تكرار" نصر أذربيجان على أرمينيا في ناغورني قره باغ بمساعدة الطائرات المسيرة التركية.

لكن هذا الأمر مبالغ فيه، فقد وصل "زيلينسكي" إلى السلطة بناء على تعهد بإيجاد حل دبلوماسي لصراع دونباس وهو يدرك جيدا أن الطائرات المسيرة التركية سيكون تأثيرها ضئيلا ضد روسيا، كما أنه لا يرغب في الدخول في صراع شامل ستكون آثاره مدمرة.

وفي مؤتمر صحفي مشترك مع "زيلينسكي"، دعا "أردوغان" أيضا إلى خفض التصعيد، وقال: "نعتقد أنه يجب حل الأزمة الحالية من خلال الوسائل السلمية والدبلوماسية، بناء على سلامة أراضي أوكرانيا والقانون الدولي".

وإذا تدهور الوضع، فلن يخاطر "أردوغان" بالدخول في الصراع بشكل مباشر، وقال "بيكيف": "انظر إلى ما حدث في عام 2014. استنكرت تركيا ضم شبه جزيرة القرم ولكنها رفضت الانضمام إلى العقوبات الغربية.

خلاصة القول أن تركيا ستقدم المساعدة من خلال بيع المعدات العسكرية إلى كييف، وتوفير المساعدة للتتار في القرم في المقاطعات خارج شبه الجزيرة. وستظل تدعم باستمرار توسع الناتو في البحر الأسود وفي غرب البلقان، لأن هذا يسمح بتطوير علاقات جيدة مع تلك البلدان دون أي تكلفة".

وقال الدبلوماسي الغربي: "إذا افترضنا أن سياسة روسيا إزاء تركيا تهدف إلى دق إسفين بين أنقرة وحلفائها في الناتو، فإن الدعم القوي لأوكرانيا يمثل انتكاسة لهذه السياسة".

المصدر | أمبيرين زمان - المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد