عرضت تركيا التوسط في أزمة أوكرانيا مع تصاعد مخاوف الناتو بشأن غزو عسكري روسي لأوكرانيا، ولكن يبدو أن المبادرة التركية لم تلق حماسا كافيا في موسكو وكييف.

ومن اللافت أن تركيا اتبعت سياسة مزدوجة فيما يتعلق بالخلاف بين الناتو وروسيا بشأن الأزمة الأوكرانية.

فمن ناحية، قدمت تركيا طائرات "بيرقدار TB2" لأوكرانيا ورفضت ضم روسيا لشبه جزيرة القرم كما دعمت بحماسة حصول أوكرانيا وجورجيا على عضوية الناتو رغم أن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" يرى أن توسع الناتو نحو الحدود الروسية خط أحمر.

ومن ناحية أخرى، عارضت أنقرة العقوبات الغربية على روسيا، وقال وزير الخارجية "مولود جاويش أوغلو" في اجتماع الناتو في ريجا في 1 ديسمبر/كانون الأول: "لا تعتقد تركيا أن العقوبات ستحل المشاكل".

وعلاوة على ذلك، فإن خط أنابيب الغاز "تورك ستريم" من روسيا إلى تركيا، والذي تم افتتاحه العام الماضي، يظهر استعداد أنقرة على التوافق مع استراتيجية روسيا لتنويع مسارات الطاقة عبر تجاوز أوكرانيا.

وبينما دعمت تركيا تشكيل قوة مشتركة بين الدول الواقعة على سواحل البحر الأسود في التسعينيات، فإنها تبدو متحمسة اليوم لخطط الولايات المتحدة لإنشاء قوة بحرية لحلف الناتو في المنطقة.

وساطة شائكة

وفي إطار حرص الرئيس التركي "رجب طيب ردوغان" على بداية جيدة مع نظيره الأمريكي "جو بايدن"، استثمر "أردوغان" الكثير في المعسكر المعادي لروسيا في الأشهر الأخيرة، مما جلب تركيا إلى عتبة محفوفة بالمخاطر قد تجر البلاد إلى حرب محتملة في البحر الأسود.

وفي ظل هذه الظروف، قال "أردوغان" في 29 نوفمبر/تشرين الثاني إنه مستعد للتوسط بين "بوتين" والرئيس الأوكراني "فولوديمير زيلنسكي"، مؤكدا أن أنقرة أرادت "أن يسود السلام" في المنطقة.

وفي تصريحات رفعت سقف التوقعات، قال وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" إن "أردوغان" و"بوتين" يمكن أن يناقشا عرض الوساطة في مكالمة هاتفية قادمة، والتي حدثت في نهاية المطاف في 3 ديسمبر/كانون الأول.

ومع ذلك، استبعدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية "ماريا زاخاروفا" أي وساطة تركية بشأن دونباس (وهي منطقة شرق أوكرانيا يتركز فيها الانفصاليون المؤيدون لروسيا) بحجة أن روسيا ليست طرفا في "الصراع المحلي" في أوكرانيا.

وبدلا من ذلك نصحت بأن يحاول "أردوغان" تشجيع السلطات الأوكرانية على التخلي عن خططها القتالية فيما يتعلق بدونباس وبدء تنفيذ اتفاقيات مينسك من خلال حوار مباشر مع ممثلي دونيتسك ولوجانسك".

وعلى نفس المنوال، اقترح المتحدث باسم الكرملين "ديمتري بيسكوف" أن يقوم "أردوغان" بالتحدث إلى "زيلنسكي" بدلا من "بوتين"، قائلا إن جهود الوساطة موضع ترحيب إذا كان بإمكان الرئيس التركي "استخدام نفوذه لتشجيع كييف على الامتثال لالتزاماتها" لإنهاء الصراع في دونباس بموجب الاتفاقات الحالية.

وتجلت رسالة مماثلة في بيان الكرملين بعد المكالمة بين "أردوغان" و"بوتين" في 3 ديسمبر/كانون الأول، حيث أكد "بوتين" أن كييف استمرت في جهودها المدمرة لتخريب اتفاقيات مينسك ومارست أنشطة استفزازية في منطقة النزاعات، بما في ذلك استخدام طائرات "بيرقدار" المسيرة.

رد فعل الجانب الأوكراني

وفي الوقت نفسه، حث وزير الخارجية الأوكراني "دميترو كوليبا" الناتو على تجهيز مجموعة من التدابير لردع غزو محتمل من قبل عشرات الآلاف من القوات الروسية التي احتشدت على الحدود الأوكرانية.

ولدى سؤاله عن عرض "أردوغان"، رحب "كوليبا" في وقت سابق بأي "جهد يمكن أن يساعد في وضع حد لهذه الحرب"، ومع ذلك، تحدث "زيلنسكي" عن ضرورة إجراء محادثات مباشرة مع روسيا في خطاب في البرلمان في 1 ديسمبر/كانون الأول، قائلًا: "الحرب في دونباس مستمرة منذ 8 سنوات عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، ويجب أن نعترف أن إيقاف الحرب يتطلب محادثات مباشرة مع روسيا".

مرر "أردوغان" رسائل في السابق بين "زيلنسكي" و"بوتين". وعلى سبيل المثال، سعى "زيلنسكي" في سبتمبر/أيلول للحصول على مساعدة "أردوغان" في إطلاق سراح السجناء الذين تحتفظ بهم روسيا.

الخطوط الحمراء الروسية

صحيح أن أنقرة عرضت التوسط، لكن دعمها لأوكرانيا جلب اتهامات روسية بأن أنقرة تغذي "المشاعر العسكرية" لدى كييف. لذلك فإن هناك تباعدًا حقيقيًا بين أهداف "أردوغان" وتوقعات "بوتين".

وقد طالبت موسكو بامتناع أنقرة عن الخطوات التي من شأنها تشجيع كييف على حل عسكري في دونباس، وبالتالي فإن ما سيسعد "بوتين" هو وجود دور تركي في إثناء كييف عن مغامرة عسكرية. ولكن من غير المرجح أن يتراجع "أردوغان" عن صفقات الدفاع مع أوكرانيا، وهو ما يشير إليه سعيه الحثيث لبيع الطائرات المسيرة إلى مناطق الصراع. وبالمثل، لا توجد علامة على أن "أردوغان" قد يغير وجهة نظره بشأن رؤية شبه جزيرة القرم كمنطقة أوكرانية تحت الاحتلال الروسي.

والأهم من ذلك أن الأزمة تتعلق بتوسع الناتو شرقًا، مما يعني أن المساومة الأساسية بالنسبة لروسيا يجب أن تكون مع إدارة "بايدن"، والتي يقال إنها تنظر في إرسال أسلحة إلى أوكرانيا، أما ثاني أولوية لها فيجب أن تكون مع أقطاب الاتحاد الأوروبي.

وردا على استراتيجية توسع حلف الناتو في المنطقة المجاورة لروسيا، بما في ذلك نشر أنظمة الدفاع الجوي في رومانيا وبولندا، قامت موسكو بالحشد العسكري في المناطق الحدودية، مع تدريبات عسكرية متكررة في حوالي 30 منطقة، بما في ذلك شبه جزيرة القرم والحدود الأوكرانية.

ومن المحتمل أن تكون مزاعم "زيلنسكي" الأخيرة بشأن مؤامرة انقلاب مدعومة من روسيا ضمن قائمة الإجراءات الانتقامية الروسية.

ورسم "بوتين" خطه الأحمر بوضوح. وإذا تحركت قوة عسكرية أوكرانية لاستعادة السيطرة الكاملة على دونباس أو تحرك الناتو لضم أوكرانيا، فإن هذا قد يثير شبح سيناريوهات التصعيد مثل أن تقوم روسيا بإرسال قوات للسيطرة على دونباس والاعتراف بجمهورية دونيتسك الشعبية أو جمهورية لوجانسك الشعبية أو حتى تكرار سيناريو شبه جزيرة القرم عن طريق ضم المنطقة.

وساطة مشروطة

سمحت التوترات الأوكرانية الروسية بترسيخ الدور التركي في استراتيجية الناتو بشأن البحر الأسود وصياغة علاقات استراتيجية مع أوكرانيا وبولندا، ولكن ذلك لم يتم بدون زيادة المخاطر في علاقات أنقرة مع موسكو. ومن غير المرجح أن تجعل هذه اللعبة "أردوغان" فائزا إذا حدث تصعيد في نهاية المطاف.

وخلال العقدين الماضيين، أسفرت استراتيجيات الصراع في حوض البحر الأسود عن توسع روسي، وهو ما تجلى في ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014. وفي وقت سابق، أسفرت محاولة جورجيا المدعومة من الغرب لاستعادة مناطقها الانفصالية من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن اعتراف موسكو بالاثنتين كدول مستقلة في عام 2008، كما أدت الاضطرابات الانتخابية في بيلاروسيا العام الماضي عن إزالة المسافة التي نأت بها مينسك عن موسكو في السنوات الأخيرة، وأصبحت بيلاروسيا الآن جارة مهددة لأوكرانيا على حدودها الشمالية.

باختصار، يمكن أن يقدر "بوتين" عرض وساطة "أردوغان" إذا عمل على كبح الجهود التركية لتعزيز القدرات العسكرية لأوكرانيا أو دفع كييف إلى الامتثال لاتفاقات مينسك.

و أجرى وزير الخارجية التركي محادثات مع نظيريه الأوكراني والروسي على هامش اجتماع منظمة الأمن والتعاون في ستوكهولم في 2 ديسمبر/كانون الأول في محاولة لتخفيف التوترات، ومن الملحوظ أنه أكد على أن "الامتثال لاتفاقيات مينسك أمر مهم".

ومع ذلك، فإن هذه الاتفاقات تحتوي على أحكام تسمح لروسيا بالتشكيك في دور تركيا. ففي أكتوبر/تشرين الأول على سبيل المثال، وجهت موسكو اتهامات لكييف بانتهاك اتفاقيات مينسك بعد أن أصدر الجيش الأوكراني فيديو يظهر طائرات مسيرة تركية، وهي تدمر مدفع "هاويتزر" كان الانفصاليون يستخدمونه في دونباس.

ويتضمن الاتفاق المعني، الذي تم التوصل إليه في سبتمبر/أيلول 2014 بعد فترة وجيزة من اتفاق وقف إطلاق النار، حظرا على طلعات الطائرات العسكرية بالقرب من خط التماس.

وكما أشار "لافروف" في ستوكهولم، فإن موسكو تريد تأكيدات بأن المعالم الموضحة في عملية مينسك والتي قادتها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا منذ 2014 ما زالت دون تغيير، بالإضافة إلى اتفاق أمني يعرقل توسع الناتو شرقا.

وربما تقدّر موسكو دور منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، لكن من الواضح أنها لا ترى تركيا كوسيط رئيسي في هذه القضية. ويبدو أن أبعاد الأزمة تتطلب قمة جديدة بين "بوتين" و"بايدن".

المصدر | فهيم تستكين - المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد