الأربعاء 6 يوليو 2022 08:41 م

في 23 يونيو/حزيران، تم تكليف "نجيب ميقاتي" مرة أخرى بتشكيل الحكومة اللبنانية بعد أكثر من شهر على انتخابات تشريعية أتت بكتل غير متجانسة إلى البرلمان.

وحصد "ميقاتي"، رئيس الحكومة الحالي 54 صوتاً من أصوات النواب (128) خلال استشارات أجراها رئيس الجمهورية، ميشال عون، بينها دعم كتلة نواب "حزب الله"، القوة السياسية النافذة في البلاد.

وخسر "حزب الله" وحلفاؤه الأكثرية في البرلمان بعد الانتخابات النيابية التي جرت في مايو/أيار، لكن لم يحصل أي فريق على أكثرية مطلقة. وشهد البرلمان للمرة الأولى دخول 13 نائباً جديدا منبثقين من الحركة الشعبية الاحتجاجية التي جرت في خريف 2019 ضد الطبقة الحاكمة والأداء السياسي المتسم بالفساد والتسويات. ويتألف البرلمان حاليا من كتل غير متجانسة.

وامتنع 46 نائبا، بينهم مستقلون وكتلة "حزب القوات اللبنانية" المعارضة المؤلفة من 19 نائباً، عن تسمية أحد. واختار آخرون بينهم كتلة "حزب الكتائب" المعارض (4 نواب) وكتلة "الحزب الاشتراكي" بزعامة الزعيم الدرزي "وليد جنبلاط" (معارضة - 8 نواب) السفير السابق "نواف سلام".

كما امتنعت كتلة التيار الوطني الحر، حزب رئيس الجمهورية، (17 نائبا) عن تسمية مرشح. واختار معظم النواب الـجدد المستقلون الذين يطلق عليه اسم (التغييرين) "نواف سلام".

وبعد انتهاء لقاءاته مع الكتل النيابية، التقى "عون" رئيس مجلس النواب "نبيه بري"، وأعلنت الرئاسة إثر ذلك اسم رئيس الحكومة المكلف.

وبذلك يكون "ميقاتي" حصل خلال المشاورات على أقل عدد من الأصوات مقارنة بأي مرشح آخر لرئاسة الوزراء منذ عام 1990. ومع ذلك، قدم تشكيلة حكومية في 30 يونيو/حزيران، ولا يزال يأمل في اعتماد الحكومة الجديدة قريبا.

وحاول "ميقاتي" تجنب الصداع من خلال إجراء بعض التغييرات على حكومته المؤقتة. ومع ذلك، إذا أردنا الحكم من خلال الجهود السابقة، ما لم ييسر الرئيس "عون" عملية التشكيل من خلال عدم إعطاء الأولوية لمصالح صهره "جبران باسيل"، فإن أي أمل في التوصل إلى نتيجة سريعة يعد أمرا غير واقعي، لعدة أسباب.

أولاً، ستستمر أي حكومة يتم تشكيلها حتى الانتخابات الرئاسية فقط حيث سيتم تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات. لذلك، فإن الدافع لتشكيل حكومة أقل إلحاحًا مما هو عليه في العادة، نظرًا لحقيقة أن الحكومة المؤقتة يمكن أن تستمر في إدارة شؤون البلاد في هذه الفترة القصيرة نسبيًا.

ثانياً، في حين أن الحكومة الجديدة لن تستمر سوى بضعة أشهر إذا تم تشكيلها بسرعة، فإنها ستتولى صلاحيات الرئاسة بعد انتهاء ولاية الرئيس "ميشال عون" إذا لم يكن هناك اتفاق على خليفة.

وفي الوقت الحالي، من المحتمل جدًا عدم وجود مثل هذا الاتفاق. لهذا السبب يعتبر "باسيل" دور حزبه في الحكومة المقبلة مصدرًا مهمًا للضغط الذي يمكن أن يسمح له بخلافة "عون"، أو التأثير في اختيار من يخلفه بشكل كبير. لذلك، من المؤكد أن المفاوضات ستكون صعبة للغاية.

ويدرك "ميقاتي"، وهو سياسي محنك، هذا الواقع جيدا وسوف يتفاوض بجد لإضعاف "باسيل" في أي حكومة جديدة. بدوره، فإن "باسيل" لم يدعم "ميقاتي" في المشاورات لتعيين رئيس للوزراء، وسيسعى لعرقلة عملية تشكيل الحكومة إذا لم يحصل على ما يريده. 

وكرئيس، يجب على "عون" أن يوقع مراسيم بالموافقة على أي حكومة جديدة، لذلك قد يحاول تغيير اختيارات "ميقاتي" للوزراء من خلال رفض التوقيع إذا كان "باسيل" غير موافق.

ثالثًا، ستواجه الحكومة المقبلة خيارات صعبة وسط المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لمساعدة لبنان على الخروج من أزمته الاقتصادية. ووفقًا للاتفاقية التي وقعها لبنان مع صندوق النقد الدولي في أبريل/نيسان الماضي، يجب على البنك المركزي "التركيز على إعادة بناء احتياطياته من العملات الأجنبية والحفاظ على سعر صرف موحد حسب السوق لتحسين عمل القطاع المالي".

ومع ذلك، يواصل البنك المركزي اليوم التدخل في الأسواق، حيث تم إنفاق أكثر من ملياري دولار في الأشهر الستة الماضية، وفقًا لمحافظ البنك "رياض سلامة". وسيكون إنهاء التدخل مكلفًا سياسيًا، حيث من المرجح أن تنخفض قيمة الليرة اللبنانية أكثر، مما سيؤدي إلى استياء شعبي كبير. وهذا هو السبب في أن العديد من الأحزاب السياسية قد تكون مهتمة بالبقاء خارج الحكومة.

ويمكن أن يقلل ذلك الضغط لتشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن. في غضون ذلك، يبدو أن إحدى أولويات "باسيل" هي موافقة "ميقاتي" على عزل "سلامة" من منصبه حيث وجّه "باسيل" اتهامات لـ"سلامة" بترك قيمة الليرة تنخفض لتشويه سمعة "عون".

ويستخدم "باسيل" حملته ضد "سلامة" لتحسين صورته، حيث يعتبر الكثيرون أن "سلامة" هو حامي النظام المالي الفاسد الذي عجل بالانهيار الاقتصادي في لبنان.

بدوره، قال "سلامة" إن التحقيق القضائي ضده من قبل قاضٍ مقرب من "عون" و"باسيل" له دوافع سياسية. وتسبب "مصير" سلامة في انقسام عميق في الطبقة السياسية، وهو ما سيقوض أيضًا الإجماع على تشكيل حكومة جديدة.

أخيرًا، قد يتم تقليل الزخم المطلوب لتشكيل حكومة بسرعة حيث تنتظر جميع الأطراف مزيدًا من الوضوح على المستوى الإقليمي. وكانت هناك تقارير تفيد بأن المحادثات السعودية الإيرانية سيجري استئنافها في الدوحة، وهناك دفعة جديدة لإحياء الاتفاق النووي مع إيران، بعد زيارة منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي "جوزيب بوريل" إلى طهران هذا الشهر. وإذا نجحت هذه المفاوضات، فقد تتأثر الديناميكيات المحلية اللبنانية بشكل إيجابي مما قد يسهل انتخاب رئيس.

ولطالما تأثر النظام السياسي في لبنان بالعلاقات بين الأطراف الإقليمية الرئيسية. وعندما تنقسم المنطقة تظهر الانعكاسات السلبية في لبنان. وعندما يكون هناك انسجام إقليمي نسبي، تميل الأحزاب اللبنانية إلى الاصطفاف. وهذه المرة، أصبحت الصفقة الإقليمية أكثر أهمية من أي وقت مضى، حيث تكافح القوى السياسية اللبنانية لتنفيذ إصلاحات مكلفة سياسياً بطلب من صندوق النقد الدولي.

وإذا توفر دعم إقليمي، يمكن التخفف من تأثير هذه الإصلاحات وبالتالي تخفيف السخط الاجتماعي.

ربما لكل هذه الأسباب، هناك جدل مستمر حول ما إذا كان من الأفضل إبقاء حكومة تصريف الأعمال التي يقودها "ميقاتي"، لكنه سيظل غير قادر على تنفيذ الإصلاحات اللازمة في قطاع الكهرباء، حيث يستمر "باسيل" في الهيمنة على وزارة الطاقة.

ويرغب "باسيل" في استخدام نفوذه على الوزارة لتأمين أهدافه السياسية، ولكن أيضًا للاحتفاظ بملف النفط والغاز المربح، في وقت تتوسط فيه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل للتوصل إلى اتفاق حول الحقل البحري المتنازع عليه.

وكل هذا يجعل تشكيل الحكومة خلال فترة قصيرة ليس صعبا فحسب، بل غير محتمل أيضا. وتعد الانتخابات الرئاسية هي الأولوية الآن، وستعتمد النتيجة إلى حد كبير على نتائج المحادثات الإقليمية. وحتى تتضح هذه النتائج، سيبقى لبنان في حالة انسداد.

المصدر |  مهند الحاج علي/ كارنيجي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد