الأحد 7 أغسطس 2022 06:41 م

قبل أيام، استقبل الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" رئيس مجلس النواب الليبي في طبرق "عقيلة صالح" ونائب رئيس المجلس الرئاسي "عبدالله اللافي"، في العاصمة أنقرة، في تحوّل لافت للسياسة التركية تجاه الملف الليبي، بعد أكثر من عامين من إعطاء أنقرة الدعم العسكري للحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً.

وسعى "صالح" إلى الحصول على دعم للحكومة التي وافق عليها البرلمان في الشرق، مشيرًا إلى أن إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية على رأس أولوياتها، وأن دعم تركيا مهم لتحقيق السلام والاستقرار في ليبيا.

والتقى "صالح" رئيس البرلمان التركي "مصطفى شنطوب"، الذي أكد أن بلاده تتعامل مع ليبيا "ككلٍ لا ينفصل" ولم تميز بين المناطق، وقال إن "مجموعة الصداقة مع ليبيا" في البرلمان التركي تخطط لزيارة ليبيا، بما في ذلك الشرق.

وأبقت الصراعات على السلطة ليبيا منقسمة منذ أن أبرمت الأطراف المتحاربة صفقة لوقف إطلاق النار في عام 2020، وتركت البلاد بحكومتين متنافستين بعد أن فشلت خطط لإجراء الانتخابات نهاية العام الماضي. وفي مارس/آذار، عيّن البرلمان بقيادة "صالح" رئيسًا جديدًا للوزراء وهو "فتحي باشاغا"، لكن رئيس الحكومة المؤقتة المعترف بها دوليا في طرابلس "عبدالحميد دبيبة" رفض التنازل عن السلطة قبل إجراء الانتخابات. ولم يتمكن "باشاغا" من الانتقال إلى طرابلس بسبب المجموعات المسلحة الموالية لـ"الدبيبة".

وعُرف "صالح" برفضه لاتفاقين حاسمين وقعتهما "حكومة الوفاق الوطني" المنتهية ولايتها مع تركيا في عام 2019، حيث سمحت الاتفاقية الأولى بنشر القوات التركية لتدريب ودعم القوات الليبية، في حين رسّمت الاتفاقية الثانية الحدود البحرية بين البلدين مع سعي أنقرة لتقوية موقفها في النزاع حول غاز شرق البحر المتوسط. لذلك قد يكون ترحيب أنقرة بـ"صالح" بداية لإقناع البرلمان بالتصديق على الاتفاقات.

تغير الديناميات في ليبيا

نشأت دعوة تركيا لـ"صالح" ورحلته إلى أنقرة من تغير الديناميات في ليبيا؛ مما أجبر الأطراف على إعادة ضبط مواقفها. ولا ترغب تركيا في استمرار العداء مع شرق ليبيا بعد أن انخرطت الأطراف المتعارضة في محادثات حول تشكيل حكومة الوحدة وتوحيد المؤسسات الليبية بموجب خارطة طريق ناتجة عن الاتفاقية التي ترعاها الأمم المتحدة وتم توقيعها في جنيف في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2020.

وفي علامة على بداية جديدة، أنشأ النواب الأتراك في أبريل/نيسان 2021 مجموعة صداقة لتعزيز العلاقات مع نظرائهم الليبيين. وبعد ظهور حكومة منافسة في شرق ليبيا، سعت أنقرة إلى الحفاظ على مظهر الحياد في الأزمة.

وفي الواقع، لم يكن أي من المتنافسين مرفوضين بالنسبة لأنقرة، فقد كان "الدبيبة" حليفًا بالفعل، في حين أن "باشاغا" - الذي كان يعمل عن كثب مع تركيا عندما كان وزيرا للداخلية في طرابلس خلال معركة الدفاع عن العاصمة ضد هجوم قوات اللواء المتقاعد "خليفة حفتر" في عامي 2019 و 2020 - أثار الأمل في أن يساعد تركيا في التقارب مع الشرق.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، التقى سفير أنقرة في طرابلس "كنان يلماز" مع "صالح" في مدينة القبة شرقي ليبيا ودعاه لزيارة تركيا، وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، سافر "يلماز" إلى بنغازي معقل "حفتر" برفقة رجال أعمال أتراك.

وفي اجتماعاته هناك، ناقش "يلماز" عددًا من الأمور، بما في ذلك عودة رجال الأعمال الأتراك إلى شرق ليبيا لإنهاء المشاريع التي توقفت بسبب الحرب، وتنفيذ أعمال جديدة، وإعادة فتح القنصلية التركية في بنغازي، واستئناف رحلات الطائرات التركية إلى المدينة.

وفي يونيو/حزيران، قام "يلماز" بتسليم دعوة "شنطوب" الرسمية إلى "صالح"، وقال إن تركيا ترحب بزيارته للتباحث حول جميع القضايا التي تعد ضرورية للجانبين.

تركيا تعيد تشكيل سياساتها

ومع ذلك، فإن تقارب تركيا مع الشرق لا يعني أنها سحبت دعمها لـ"الدبيبة"، وهي الخطوة التي لو حدثت ستسهل دخول "باشاغا" إلى طرابلس والسيطرة على الحكومة.

وبالرغم أن تركيا لها أجندتها الخاصة في ليبيا، إلا أنها حرصت على أن تكون على وفاق مع الولايات المتحدة وبريطانيا. وكانت واشنطن تضغط من أجل الانتخابات دون الخوض في النقاش حول أي من الحكومتين هي الشرعية، وقال سفير الولايات المتحدة في طرابلس "ريتشارد نورلاند" بعد اجتماع مع وزير الخارجية الليبي الأسبوع الماضي: "الانتخابات الحرة والعادلة هي الوسيلة الوحيدة لتشكيل حكومة وطنية ذات شرعية".

وقال "محمد الجراح" مدير شركة الاستشارات "ليبيا ديسك" في مقابلة مع موقع "المونيتور"، إن مساعدي "صالح" أبلغوه أن مهمته في أنقرة كانت واضحة للغاية؛ وهي إقناع الحكومة التركية بدعم "باشاغا" والاعتراف به. وأضاف: "بالنسبة لصالح، إذا لم يتم تحقيق أي تقدم بشأن هذا الهدف، فلن يكون هناك تقدم بشأن أي ملف آخر، بما في ذلك المسار الدستوري أو الانتخابات".

وفي حين يبدو من غير المرجح أن توقف أنقرة دعمها لـ"الدبيبة" في الوقت الحاضر، فقد قال "الجراح": "أعتقد أن أنقرة واصلت الاعتراف بدبيبة ودعمه كورقة للمفاوضات والمساومة. لكن في وضعه الحالي، لا يمكن للدبيبة تقديم الكثير لتركيا، كما إن أنقرة مهتمة جدا بتطبيع العلاقات مع شرق ليبيا، ولا يمكن أن يقدم لها الدبيبة ذلك. ويعد باشاغا مؤهلا أكثر لتقديم انفراجة لتركيا في شرق ليبيا من خلال تحالفه مع صالح وحفتر".

لعبة "حفتر" المزدوجة

ما يزال من غير الواضح ما إذا كان حوار "صالح" مع أنقرة يحظى بمباركة "حفتر"، وكانت هناك تكهنات بأن الأخير عاد إلى خططه الخاصة بعد فشل "باشاغا" في تأمين السيطرة على طرابلس وضمان الوصول إلى خزائن البنك المركزي، كما تواترت أنباء عن تدهور العلاقة بين "صالح" و"حفتر".

وفي منتصف يوليو/تموز، أقال "الدبيبة" الرئيس المخضرم لشركة النفط الوطنية الليبية "مصطفى صنع الله"، وبعد ذلك أنهت قوات "حفتر" بسرعة حظرًا دام 3 أشهر على العديد من حقول ومحطات النفط. وادعت بعض وسائل الإعلام بأن "صدام" نجل "حفتر" وممثلي "الدبيبة" أبرموا سراً صفقة للإطاحة بـ"صنع الله" وإعادة فتح محطات النفط، ومن شأن ذلك أن يجعل دعم "حفتر" لـ"باشاغا" محط تساؤل.

وردا على سؤال حول موقف "حفتر" من رحلة "صالح" إلى أنقرة، قال "الجراح": "الأمور غير واضحة. يلعب حفتر لعبته الخاصة مؤخرًا بعيدًا عن التحالف مع باشاغا وصالح. لقد أبرم حفتر والدبيبة صفقة بشأن شركة النفط الوطنية، لكن ليس من الواضح ما إذا كانت ستترجم إلى صفقة سياسية أكبر. بعبارة أخرى، لا يزال حفتر في تحالف سياسي مع باشاغا وصالح، لكنه أيضًا يجري بعض التعاون والصفقات مع الدبيبة. إنها لعبة مزدوجة".

التوازن العسكري على الأرض

أما بالنسبة للتوازن بين الميليشيات في طرابلس، فقد كانت هناك تحولات لصالح "باشاغا"، لكن بما أن "الدبيبة" هو الذي يسيطر على صنابير المال، فهو يحتفظ بولاء المجموعات التي تدفع لها وزارة الداخلية.

وفي 21-22 يوليو/تموز، هزت طرابلس اشتباكات بالأسلحة الثقيلة بين "قوة الردع ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة" بقيادة "عبدالرؤوف كارة"، والحرس الرئاسي بقيادة "أيوب أبوراس"، الذي كان يسمى "كتيبة ثوار طرابلس"، ويعد ذلك جزءا من الصراع المتكرر بين كتائب طرابلس على السيطرة والنفوذ، ويمكن استغلاله سياسيا لاستقطاب القوتين لصالح هذا الطرف أو ذاك.

وأدى القتال إلى توسيع "قوة الردع" لمنطقة نفوذها، وفيما أكد زعيم الحرس الرئاسي على الولاء لـ"الدبيبة"، فإن "قوة الردع" لم تعلن عن التزامات. ويعتقد البعض أن "باشاغا" قد يستغل الاشتباكات لتأمين دعم عسكري في طرابلس، خاصة من"قوة الردع".

وتمت إقالة وزير الداخلية "خالد مازن" - وهو مساعد سابق لـ"باشاغا" - لفشله في إيقاف القتال، كما تم اتهام "لواء 444"، التابع لوزارة الدفاع  بالانحياز إلى "قوة الردع" بدلاً من محاولة وقف الاشتباكات، فيما تم نشر قوات من مدينة الزنتان الموالية لـ"أسامة جويلي"، وهو قائد عسكري يدعم "باشاغا".

يُذكر أنه في يونيو/حزيران شهدت طرابلس أيضًا اشتباكات مماثلة بين ميليشيا تدعم "باشاغا" وأولئك الموالين لـ"الدبيبة".

المصدر | فهيم تستكين/ المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد