الثلاثاء 16 أغسطس 2022 04:26 ص

تعد "مجزرة رابعة" في أغسطس/آب 2013 حدثا محوريا في مسار كافة اللاعبين في المشهد السياسي المصري، كما تعد نقطة تحول رئيسية في مصر ما بعد الانقلاب العسكري ضد الرئيس الراحل "محمد مرسي" في يوليو/تموز من السنة ذاتها.

وبعد مجزرة رابعة، احتاج المعسكر المناهض لـ "مرسي" إلى تبرير العنف ضد المتظاهرين، وبذلك مهد الطريق عن غير قصد لاستعادة السلطوية. في الوقت نفسه، لم يتنازل المتظاهرون عن مطالباتهم بالشرعية، وقد حال هذا دون تضامن شعبي أوسع مع القتلى في ميدان رابعة.

وقالت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، إن "817 متظاهراً على الأقل وربما أكثر من 1000 قُتلوا في الميدان في 14 أغسطس/آب 2013". ورسمت هذه المذبحة شكل الاحتجاجات في الفترة التي تلتها، حيث اعتبر "تحالف دعم الشرعية" أنه ضد جميع "قوى الانقلاب" بغض النظر عن الفروق بين مكونات هذا المعسكر.

وأظهرت الدراسات السابقة حول أحداث القمع العنيف والمذابح كيف يمكن ترجمة تأثيرها العاطفي إلى لحظات رمزية تعطي دافعا للنضالات الاجتماعية. على سبيل المثال، تركت مذبحة الفاشية في ساحة "فونتانا" في ميلانو عام 1969 علامة دائمة في الذاكرة الجماعية لليساريين الإيطاليين، وانتقلت إلى صدارة الخطابات اليسارية، ومثّلت التعبئة بعد المجزرة وموت "بينيلي" أثناء استجوابه من قبل الشرطة أثناء التحقيق حافزا للناشطين، فالموت يخلق أبطالا.

وفي سياق مماثل، انتقلت رابعة وضحاياها إلى قلب خطاب "مقاومة الانقلاب"، وأصبحت علامة يصعب إزالتها من العقل الجمعي لرافضي الانقلاب.

مجتمعات بديلة

بالنسبة للعديد من المتظاهرين في رابعة وميدان النهضة، لم تكن أسابيع الاعتصام أداة استراتيجية فحسب، بل مكّنت أيضًا من تنظيم مجتمعات بديلة نموذجية.

على وجه الخصوص، كان لاعتصام رابعة مع لوجستياته الداخلية المتطورة، والتمايز الوظيفي، ومشاركة العمل، والأنشطة المجتمعية، وهياكل الدعم الاجتماعي، طابعًا خاصا. وقد وصف العديد من المشاركين الاعتصام بأنه تجربة شخصية فريدة غيرت فهمهم للتضامن والحياة الهادفة.

وقد ترددت نفس الأوصاف التي أطلقها المتظاهرون للتعبير عن تجاربهم خلال الـ 18 يومًا في "ميدان التحرير" في عام 2011. بالتأكيد، لم يكن المعسكر المناهض للانقلاب تحالفًا متعدد الأيديولوجيات مثلما كان الوضع في التحرير خلال "الربيع العربي". لكن المكون الديني كان واضحا وقويا، لذلك كانت لخيام رابعة معنى أعمق في نفوسهم، حيث وفر الاعتصام فرصة لتجربة مثالية لمحاكاة الخطابات الإسلامية.

وخلال أكثر من 47 يومًا من "الرباط"، كان الناس مرتبطين بأكثر من مجرد مطلب سياسي مشترك، وكان ميدان رابعة العدوية والنهضة بمثابة مجتمع متكامل حاول التأثير في مسار التاريخ؛ عبر رفض الانقلاب الذي نفذه الجيش ضد رئيس منتخب.

ولم تكن الاعتصامات مأهولة فقط بالإخوان المسلمين وعائلاتهم، كما ادعى المعسكر المناوئ؛ فمثل التحرير، مثلت رابعة مدينة فاضلة تتخطى الطبقات والفئات العمرية والحدود التنظيمية.

تُظهر دراسة الملامح الاجتماعية والاقتصادية لأولئك الذين قُتلوا في فض رابعة، أن المشاركين في الاحتجاج جاءوا من أكثر من نصف مناطق البلاد، بما في ذلك الأجزاء الأكثر ازدهارًا وتحضرًا. بمعنى ما، لم يكن المعسكر مؤيدًا للإخوان بقدر ما كان مناهضًا للانقلاب.

تنوع المعتصمين

وتكشف الحوارات مع المشاركين في الاعتصامات وجود مجموعتين على الأقل من المعتصمين؛ تتضمن الأولى المؤيدين الفعليين لـ"مرسي"، وتتضمن الثانية مواطنين لم يكونوا بالضرورة مؤيدين له، لكنهم معارضين لطريقة الإطاحة به. 

ومن بين هؤلاء من يعتقد أن الرئيس السابق كان ينبغي أن يتنحى، ومنهم من يرى أنه كان يجب إقالته وفق أحكام الدستور.

ويمثل هذا التباين في الدوافع المناهضة للانقلاب اختلافًا كبيرًا عن تحالف 30 يونيو/حزيران الذي رحبت فصائله الرئيسية بالتدخل العسكري، ليس فقط للإطاحة بالرئيس ولكن أيضًا لإلغاء الدستور. ومن المؤكد أنه كان من مصلحة "تحالف دعم الشرعية" إظهار اعتصام رابعة باعتباره متنوع.

وفي الحقيقة، لعب أعضاء جماعة الإخوان دورًا رائدًا في معظم اللجان في الميدان، وشاركوا بشكل حاسم في الجهود اللوجستية اللازمة للتشغيل السلس لهذا النظام الاجتماعي الطوباوي (اشتراكي مثالي)، بما في ذلك توفير الضروريات الأساسية وتنظيم الأمان.

ومع ذلك، لم يشكل أعضاء الإخوان الرسميين سوى ما بين الربع إلى الثلث، كما أكد العديد من الذين تمت مقابلتهم ممن حضروا الاعتصامات. ولأسابيع، أصبح ميدان رابعة والنهضة "مختبرات اجتماعية"؛ حيث تفاوضت القوى المتنوعة المحسوبة على "تحالف دعم الشرعية"، وشكلت مجتمعها السياسي المثالي الجديد.

وانخرط المشاركون في نقاشات سياسية وأعمال ميدانية مثل تنظيف الشوارع وإعادة طلاء الجدران المحيطة وتوزيع الطعام وتنظيم النوبات الليلية. ويمكن القول إن دولة ما بعد الانقلاب وفرت لحظات من الإلهام لتشكيل هوية جماعية قوية تغلبت على الفروق السياسية بين الحركات المناهضة للانقلاب.

ومع فض الاعتصام، تحطم هذا المجتمع فجأة. ومع ذلك، استمر تماسك الحركة المناهضة للانقلاب وأعطى عنف السلطة مزيدًا من الإحساس بالهوية المشتركة خلال النضال اللاحق للمتظاهرين، لقد أصبحت صور المجازر الموضوع الرئيسي وسيطرت على أطر العمل الجماعي في المعسكر المناهض للانقلاب.

كما تسبب الفض في صدمة أخلاقية تجاوزت الحدود الجغرافية للميادين التي تمت مداهمتها. وعلى غرار جوانتانامو أو أبوغريب الذي أصبح رمزًا لانتهاكات حقوق الإنسان بدعوى الحرب على الإرهاب، أصبح ميدان رابعة رمزًا لسلطة غاشمة تسحق المدنيين بلا هوادة.

ولم تكن مجزرتا رابعة والنهضة بمثابة نقطة تحول للمتظاهرين المناهضين للانقلاب فحسب، ولكن أيضًا لخصومهم. وأصبح من الصعب على المتظاهرين أو خصومهم التراجع وتقديم تنازلات للطرف الآخر.

ولإضفاء الشرعية على حملته القمعية العنيفة، لجأ النظام إلى دعاية قومية تنافس خطاب الشرعية، وصنفت السلطات جماعة الإخوان المسلمين وحلفاءها بالإرهابيين، وصادرت ساحة الاحتجاج باعتبارها مجالًا لتحركات "الإرهابيين".

وجعلت مذبحة رابعة هذه الرواية العدوانية لا رجعة عنها، مما أدى إلى ترسيخ الاستقطاب السياسي، ومهد الطريق لاستعادة الحكم الاستبدادي.

المصدر | جانيس جوليان جريم/ ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد