على مدار أيام، تشهد جزيرة الوراق بالعاصمة المصرية القاهرة، إحدى أكبر الجزر النيلية على نهر النيل، اشتباكات عنيفة بين الأهالي وقوات الأمن، في إطار مساعي الحكومة لنزع ملكيات المواطنين وإخلائها من السكان لصالح مشروع تحويل الجزيرة إلى منطقة تجارية وسياحية تحت مسمى "التطوير".

وبات سكان الجزيرة، ليل الأربعاء/الخميس، في هدوء حذر، بعد اشتباكات عنيفة مع قوات الأمن واعتقالات طالت نحو 23 من أهالي الجزيرة، قبل الإفراج عنهم لاحقا.

وتحاول السلطات المصرية تنفيذ خطط استثمارية في الجزيرة التي تبلغ مساحتها أكثر من ألف فدان، وتتوسط نهر النيل، وتحاذي محافظات القاهرة والقليوبية والجيزة، لكن الخطط الاستثمارية تشمل نقل عدد كبير من سكان الجزيرة إلى أماكن أخرى.

وأظهرت تسجيلات فيديو، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، مواجهات بين سكان جزيرة الوراق وقوات الأمن المصرية، واشتباكا بين السكان والمدرّعات، إذ راحوا يرمونها بالحجارة، فيما كانت هي تطلق صوبهم قنابل الغاز المسيل للدموع.

وأظهر أحد مقاطع الفيديو، رسالة من أحد الشباب المحتجين على اقتحام الجزيرة، وهو يقول لقوات الأمن: "روحوا لعيالكم قوللهم هدينا بيوت على ناس غلابة عشان ناخدها للي معاهم فلوس".

وحاول الأهالي منع السلطات من إجراء "مقايسات" لعدد من المنازل في منطقة (حوض القلامية) تمهيدًا لإخلائها، ما أوقع الاشتباكات مع قوات الأمن.

ويتعرض أهالي جزيرة الوراق، لضغوط مستمرة من السلطات المصرية، خلال الأشهر الماضية، من أجل إخلائها.

وحسب موقع "مدى مصر" (خاص)، فإن أحد قيادات الشرطة حاول إقناع الأهالي بإتمام عمليات القياس بدعوى أن تلك العملية تحفظ للأهالي حقوقهم في التعويض بعد هدم المنازل.

وشدد في الوقت نفسه، أن الهدم هو "أمر حتمي في كل الأحوال".

ونقل المصدر عن القيادة الشرطية، قوله: "إحنا جايين نصلح غلطة (16-7)"، في إشارة للاشتباكات بين الأهالي وقوات اﻷمن في يوليو/تموز 2017، والتي قُتل خلالها أحد السكان، فيما حُبس على ذمتها عدد من الأهالي، لا يزال 35 منهم يخضعون للمحاكمة.

وأثارت مشاهد القنابل المسيرة للدموع، غضب المصريين، الذين عبّروا عنه على منصات التواصل الاجتماعي.

من جانبها، أدانت أحزاب الحركة المدنية المصرية، الأربعاء، "اعتداء قوات الأمن على سكان جزيرة الوراق"، وانتقدت "الممارسات الأحادية من قبل السلطة"، وطالبت بـ"ضرورة الإفراج عن كل المحبوسين [بقضايا رأي] دون استثناء".

وقالت الأحزاب في بيان ختامي لاجتماعها، إنها "تابعت ببالغ القلق القرارات والإجراءات السياسية والاقتصادية التي تقوم بها السلطات في الآونة الأخيرة بدءا من تغيير وزاري لم تعلن أسبابه أو جدواه وانتهاء باعتداء قوات الأمن على سكان جزيرة الوراق وإلقاء القبض على عشرات من السكان بغرض تهجيرهم قسرا من بيوتهم".

وانتقد بيان الأحزاب "استمرار السلطات في بيع أصول الدولة لبعض البلدان الدائنة سدادا لقروض"، عدا أن هذه كلها تعتبر "ممارسات اُحادية من جانب السلطة تتنافى تماما مع ما يقتضيه المنطق من ضرورة انتظار نتائج الحوار الوطني".

وقالت الأحزاب إن البيع "ليس تفريطا في بعض من المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية فحسب، ولكن لا يحقق أية زيادة في حجم الناتج المحلي، وهذا من شأنه قد يؤثر على القرار السياسي والأمن القومي المصري".

وحذر البيان من أن هذه السياسات "تؤدي إلى مزيد من موجات متلاحقة من غلاء الأسعار في السلع والخدمات"، في وقت "لم تعد دخول المواطنين تكفي لشراء احتياجاتهم الأساسية".

يُذكر أن السلطات المصرية أجّلت إخلاء الجزيرة أكثر من مرة بعد تكرار المواجهات مع قوات الشرطة، التي أسفرت عن سقوط قتيل من سكانها عام 2017، وإصابة العشرات من المدنيين والشرطة واعتقال آخرين.

وآنذاك، صدرت أحكام قضائية بالسجن لمدد تتراوح بين 5 أعوام و25 عامًا بحق 35 من سكان الجزيرة بسبب الاشتباكات مع الشرطة، التي كانت تريد تنفيذ قرار بإزالة "التعديات".

وتحتل جزيرة الوراق موقعًا متميزًا في نهر النيل، ويسكنها نحو 100 ألف شخص يُوجَّه إليهم اتهامات "بالاستيلاء" على أراضي الدولة، وهو ما يرد عليه السكان بأنهم طالبوا مرارًا بتقنين أوضاعهم ولكن بلا جدوى، كما يتهمون السلطات بالسعي لانتزاعها وتحويلها إلى منطقة استثمارية.

وفي أبريل/نيسان 2018، قرر مجلس الوزراء المصري نقل تبعية الجزيرة إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة (الحكومية) تمهيدًا للبدء في تنفيذ مخطط لتنميتها وتطويرها بالتعاون مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

ووفق تقرير رسمي لمجلس الوزراء المصري، فإن الجزيرة التي تبلغ مساحتها ألف فدان وكانت أرضًا زراعية "جرى التعدي عليها منذ أكثر من 15 سنة، وتحويلها إلى منطقة سكنية عشوائية".

ويرفض معظم الأهالي ترك منازلهم، ويخشون من أن يكون الهدف من الإخلاء إقامة مشروع استثماري كبير، يتضمن أبراجًا وفنادق سياحية على حساب أراضيهم الزراعية.

المصدر | الخليج الجديد