الجمعة 16 سبتمبر 2022 05:12 ص

تونس: تجهيل المسؤول عن الأزمات

أنهى قيس سعيّد كل الأسس الممكنة لحوكمة ديمقراطية للبلاد وضمان عدم تحوّلها إلى سلطة مطلقة، كما حال مجمل البلدان العربية.

تستمر الأزمة السياسية الكبيرة التي أدخل الرئيس قيس سعيّد البلاد بها منذ 26 يوليو 2021 بتسلّطه، بالتدريج، على كافة سلطات الدولة.

وفاة قرابة 600 شاب هذا العام في محاولتهم الهرب من بلادهم والسفر إلى أوروبا، لكن هذه المرة مدفوعين بمآسي الفقر والإحباط واليأس.

تجهيل المسؤول عن الأزمات احتيال سياسي فاضح لإبعاد الأسئلة عن المشاكل الحالية الواضحة التي تعانيها تونس ليغرقها في قضايا قديمة مختلف عليها.

اختار جزء مهم من النخبة التونسية كالاتحاد التونسي العام للشغل التواطؤ، بشكل صريح أو ضمني، مع الدكتاتورية الصاعدة، لأسباب ركيكة، تتوسل الأيديولوجيا.

ترتبط موجة اللجوء الكبيرة بأزمة اقتصادية إذ بلغ تضخم الأسعار أعلى مستوى منذ 3 عقود فيما تتخبط السلطات في إقناع منظومات مالية دولية بإقراضها لإنقاذها من الإفلاس.

* * *

دفعت الأزمات الكبيرة في تونس عشرات آلاف المواطنين لركوب مخاطر الهجرة عبر البحر في رحلات غير مأمونة العواقب بقوارب مكتظة بالحالمين بالوصول إلى أوروبا، وقد وصل إلى إيطاليا وحدها 13500 شخص، بينهم 2600 قاصر، و640 امرأة، و500 أسرة، وخسر 570 تونسيا أرواحهم في تلك المغامرة الفظيعة.

ترتبط موجة اللجوء الكبيرة هذه، بالطبع، بالأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، حيث بلغ تضخم الأسعار أعلى مستوى منذ ثلاثة عقود، فيما تتخبط السلطات في طريقة لإقناع المنظومات المالية الدولية بإقراضها لتسديد الرواتب وإنقاذ الدولة المهددة بالإفلاس.

تستمر أيضا الأزمة السياسية الكبيرة التي أدخل الرئيس قيس سعيّد البلاد بها منذ 26 تموز/يوليو العام الماضي بتسلّطه، بالتدريج، على كافة سلطات الدولة، ومنذ تعليقه سلطات الحكومة، وإغلاقه البرلمان بالدبابات العسكرية، كرّر السيناريو مجددا مع مجلس القضاء الأعلى، منهيا بذلك كل الأسس الممكنة لحوكمة ديمقراطية للبلاد، ولضمان عدم تحوّلها إلى سلطة مطلقة، كما هو الحال في مجمل البلدان العربية.

يبدو هذا السيناريو الكئيب أمرا لا رادّ له، حتى الآن، فرغم أشكال النضال التي تقوم بها قطاعات سياسية وازنة في تونس، وعلى رأسها «جبهة الخلاص الوطني»، التي تضم أحزابا وحراكات عديدة مناصرة للديمقراطية، فإن جزءا مهما من النخبة التونسية اختارت التواطؤ، بشكل مباشر أو غير مباشر، مع الدكتاتورية الصاعدة، لأسباب ركيكة، تتوكأ، بشكل رئيسي، على الأيديولوجيا.

الممثل الأكبر لهذا الاتجاه هو «الاتحاد التونسي العام للشغل»، الذي تثمّن سلطات قيس سعيّد دوره الكبير هذا في إفشال إمكانية توحّد القوى السياسية والنقابية لإعادة الديمقراطية، وتجزيه على ذلك مقابلات مع رئيسه نور الدين الطبوبي في قصر قرطاج، أو بالموافقة على مطالبه الأخيرة بزيادة الأجور 3.5%، وهي زيادة يستحقها موظفو وشغيلة تونس بالتأكيد.

لكنّ كرم الرئيس، في الوقت الذي تكاد فيه المالية العامة للبلاد أن تنهار، هو مكافأة سياسية لـ«الاتحاد التونسي العام للشغل» أكثر مما هو استجابة لمطالب قطاعات اقتصادية شعبية واسعة، والدليل الدامغ هو عدد التوانسة الكبير الساعين للهروب من البلد.

إحدى الألعاب السياسية الجديدة لتجهيل المسؤول عن الأزمات الحالية في البلاد، وتحريك البوصلة إلى مكان آخر، تتمثل في ما قامت به فاطمة المسدي، النائبة السابقة في البرلمان التونسي عن حزب «نداء تونس» الذي أسسه الرئيس التونسي السابق الباجي قائد السبسي، التي وجهت اتهامات إلى قيادات في «حركة النهضة» اعتبرتها مسؤولة عما سمّته «ملف التسفير إلى سوريا»، وهو ملف قديم تشكلت لجنة برلمانية برئاسة النائبة المذكورة للتحقيق فيه، وقام السبسي حينها بحلّها بعد ظهور خلافات سياسية حادة بين الأحزاب اليسارية والإسلامية حوله.

من المثير للسخرية أن تقوم المسدي، والسلطات التونسية من ورائها، بإعادة إحياء هذا الملفّ السياسي المعقّد لحوادث حصلت قبل أكثر من عشر سنوات، تتعلق بسفر شبان تونسيين، مدفوعين بأحلام (وأوهام) الثورات العربية حينها، بعضهم لقتال النظام (وبعضهم الآخر للقتال معه)، في الوقت الذي تُعلن فيه الأنباء عن وفاة قرابة ستمئة شاب آخر في هذا العام في محاولتهم الهرب من بلادهم والسفر إلى أوروبا، لكن هذه المرة مدفوعين بمآسي الفقر والإحباط واليأس.

تريد هذه القضية المُستعادة إذن تجهيل المسؤول عما يحصل في البلاد من أزمات سياسية واقتصادية، ومطاردة أحزاب وحركات يستهدفها ذلك المسؤول نفسه، ويعمل، بجد واجتهاد، على إقصائها من المشهد السياسي.

تبدو هذه العملية نوعا من الاحتيال السياسي الفاضح الذي يريد إبعاد الأسئلة عن المشاكل الحالية الواضحة التي تعانيها تونس ليغرقها في قضايا قديمة مختلف عليها.

المصدر | القدس العربي