الأربعاء 21 سبتمبر 2022 02:43 م

22 سبتمبر... هل هو موعد تعويم الجنيه المصري؟

هناك قرار غير معلن بعدم تضحية البنك المركزي بما تبقى من احتياطي أجنبي متراجع.

المركزي المصري لم يعد يتدخل بشكل قوي في سوق الصرف مدافعاً عن قيمة الجنيه!

المؤكد أن تعويماً رابعاً للجنيه على الأبواب وثمة ما يشبه الاتفاق على خفض قيمة الجنيه مقابل تمرير قرض طلبته الحكومة ولم تكشف عن قيمته بعد.

مارس البنك المركزي أحيانا سياسة القبضة الحديدية على البنوك فألزمها بإعلان سعر غير واقعي للدولار وتعامل معها كوحدات عسكرية تتلقى التعليمات وتنفذها.

*   *   *

لا أحد يفهم ما يدور بدقة في سوق الصرف الأجنبي في مصر، حيث صعود متواصل لسعر الدولار مقابل الجنيه، صعود لا يجد من يكبحه رغم مخاطره الشديدة على الاقتصاد، وخاصة أسعار السلع، ثم هبوط آمن وناعم وليس حاداً للجنيه لبعض الوقت، يعقبه صعود ثم تراجع ثم صعود.

وفي ظل هذا التذبذب الملحوظ في قيمة العملة المحلية يمارس البنك المركزي المصري سياسة الغموض، وهذا حقه، فالبنوك المركزية لا تكشف عادة عن مواعيد وأساليب تدخلاتها في سوق الصرف الهادفة لضبط السعر وكبح المضاربات إلا بعد التدخل الفعلي، وأحياناً لا تعلن حتى لا يأخذ المضاربون ردود فعل عكسية وسريعة تمثل ضغطاً شديداً على العملة المحلية وتزيد من ضعفها.

المؤكد هنا أن البنك المركزي المصري لم يعد يتدخل بشكل قوي في سوق الصرف مدافعاً عن قيمة الجنيه، بل ربما لم يتدخل من الأصل ضاخاً للدولار في شرايين البنوك خلال الفترة الماضية لتلبية احتياجات عملائها.

وأن هناك قراراً غير معلن بعدم تضحية البنك بما تبقى من الاحتياطي الأجنبي المتراجع، وأنه كفى ما جرى في السنوات الأخيرة، إذ جرى استنزاف مليارات الدولارات من الاحتياطي مقابل إثبات قيادات مصرفية نظرية واحدة للسلطة الحاكمة هي أن الجنيه قوي ويستأسد أمام الدولار.

وأن المؤشرات الاقتصادية تدفع الجنيه إلى الصعود، وأننا "ضحكنا" على الصندوق بحسب تلك القيادات حينما سمحنا بفقدان الجنيه 70% من قيمته عقب التعويم الكامل في 2016، وها نحن بعدها نتدخل في السوق بشكل إداري ونسترد ما فقدته العملة المحلية بعد أن حصلنا على قرض الـ12 مليار دولار، وأن تقديرات الصندوق لقيمة الجنيه كانت خاطئة حسبما كان يردد هؤلاء في الأبواب المغلقة.

كان هذا هو الخداع الكبير الذي تعرّضنا له خلال السنوات الماضية من قبل بعض القيادات المصرفية حاولت ليً الحقائق وتجميل القبيح، وأنه بدلاً من ترك الجنيه لقوى العرض والطلب، راح هؤلاء يمارسون ضغوطاً على البنوك لعدم زيادة سعر الدولار، رغم أن المؤشرات الاقتصادية والتدفقات النقدية كانت تدفع في الاتجاه الهبوطي للعملة المحلية، خاصة بعد هروب 22 مليار دولار من الأموال الساخنة في الربع الأول من العام الجاري.

بل ومارس البنك المركزي في بعض الأوقات سياسة القبضة الحديدية على البنوك حينما ألزمها بالإعلان عن سعر محدد وغير واقعي للدولار تضعه على شاشاتها، وجرى التعامل مع البنوك على أنها وحدات عسكرية تتلقى التعليمات بالتليفون صباح كل يوم، وتنفذها على الفور دون نقاش، وليست مؤسسات محترفة تدير الأموال والنقود بمهنية عالية ولصالح عملائها ومساهميها.

المؤكد هنا أيضاً أن هناك تعويماً رابعاً للجنيه المصري على الأبواب، وأن هناك ما يشبه الاتفاق على خفض قيمة العملة المصرية مقابل تمرير القرض الذي طلبته الحكومة والتي لم تكشف عن قيمته حتى الآن.

والمؤكد أن تكرار سيناريو نوفمبر/تشرين الثاني 2016 وارد وبقوة، وهو التعويم المطلق للعملة، لكن السيناريوهات الأخرى لا تزال مطروحة ومحتملة، ومنها التعويم المدار، حيث يتدخل البنك المركزي في حال حدوث مضاربات غير مبررة على العملة المحلية قد تؤثر سلباً على السوق وتدفع التضخم إلى أعلى.

قبل إطلاق صافرة التعويم الرابع للجنيه الذي من المتوقع أن يكون بعد يوم غد الخميس 22 سبتمبر/أيلول، وعقب انعقاد اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي الذي يبحث اتجاهات سعر الفائدة، يجب أن تكون كل الجهات المسؤولة جاهزة لتبعات هذه الخطوة الخطيرة على المواطن والاقتصاد.

وألا تترك الحكومة وقبلها البنك المركزي المضاربين يعبثون بسوق الصرف ويحددون السعر الجديد للدولار حسب مصالحهم الشخصية وأرباحهم المستهدفة، وألا تترك التجار الجشعين يفرضون سطوتهم على الأسواق، وأن يتم تلبية احتياجات المواطن من السلع الرئيسية وبسعر يتناسب مع قدرته الشرائية.

كما يجب على السلطات المسؤولة أن تحدد بدقة الدروس المستفادة من التعويم السابق للجنيه؛ وهل ستشهد البلاد تعويماً أخر في سنوات لاحقة، ومع كل أزمة اقتصادية يحدث تعويم جديد، وبعدها تعويم خامس وسادس إلى ما لانهاية؟ أم نضع يدنا على المشكلة ونحدد حلولها؟

الحلول تبدأ من تقييد الاقتراض الخارجي والاستيراد الترفيهي، وترشيد الإنفاق، والتوقف عن هدر المال العام، وعدم الاعتماد على الأموال الساخنة في تدبير احتياجات النقد الأجنبي، والاهتمام بالإنتاج والاستثمار المباشر باعتباره المدخل الرئيسي لعلاج أزمات عدة منها البطالة، والتضخم، والحد من الواردات، وعلاج ندرة النقد الأجنبي.

* مصطفى عبد السلام كاتب صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد