السبت 9 يناير 2016 09:01 ص

قدمت الأزمة السعودية الإيرانية الأخيرة المزيد من الشواهد على أن سلطنة عمان تواصل التغريد خارج السرب الخليجي. كانت عمان صاحبة الموقف الأقل حدة ضمن مصاف الدول الخليجية والعربية التي قررت قطع علاقاتها مع طهران استجابة للموقف السعودي، كما في حالة البحرين، أو تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي واستدعاء السفراء كما في حالة كل من الإمارات وقطر. اكتفت عمان بإدانة التخريب الذي تعرضت له سفارة المملكة في طهران وقنصليتها في مشهد عبر بيان صادر عن وزارة الخارجية العمانية أكدت خلاله أن هذا التصرف «يعد مخالفة لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، والمواثيق والأعراف الدولية، التي تؤكد على حرمة المقار الدبلوماسية وحمايتها من قبل الدولة المضيفة».

خارج السرب

لم تكن هذه هي الواقعة الأولى التي تغرد فيها سلطنة عمان خارج السرب الخليجي خلال الأعوام الماضية. حيث بدت البلاد وكأنها تتلمس سياسة خارجية أكثر استقلالية. تعد سلطنة عمان أبرز المعارضين لمشروع الاتحاد الخليجي أو الكونفيدرالية الخليجية الذي طرحته السعودية عام 2011 في أعاقب انتفاضات الربيع العربي، وقد هددت بالانسحاب من مجلس التعاون على الإقدام على فكرة الاتحاد، كما أنها عطلت مشاريع اقتصادية خليجية، مثل مشروع الوحدة النقدية، خوفاً من الدخول تحت هيمنة خليجية أو سعودية، حتى إنها صارت تعرف في الأوساط الأكاديمية والصحفية بـ«العقدة العمانية». تقارب مسقط أمنها الوطني بشكل مختلف عن سائر دول الخليج، وبخاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران والاضطرابات داخل اليمن. رفضت عمان المشاركة في عملية عاصفة الحزم بقيادة السعودية وآثرت لعب دور تفاوضي عبر إجراء المزيد من المحادثات التي تنطوي على مشاركة جميع الأطراف المعنية بهدف التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار. تعتبر عمان نفسها الأكثر تضررا من الصراع القائمة في اليمن بسبب تأثير ذلك على أمن محافظة ظفار والتي تقع على الحدود التي تمتد بطول 187 ميلا بين الدولة العربية الخليجية وبين اليمن.

لا تقتصر الاستقلالية العمانية عن المواقف على موقفها من إيران وموقفها تجاه اليمن. تغرد سلطنة عمان بمفردها في سوريا أيضا. في أكتوبر/تشرين الأول الماضي قام وزير خارجية سلطنة عمان «يوسف ين علوي» بزيارة أثارت جدلا واسعا إلى سوريا حيث التقى خلالها برئيس النظام السوري «بشار الأسد». وقبلها كان نائب رئيس النظام السوري «وليد المعلم» قد زار مسقط في أغسطس/آب من نفس العام في أول استقبال رسمي لمسؤول في النظام السوري من قبل دولة خليجية منذ اندلاع انتفاضة الربيع العربي. وقد أثارت هذه العلاقات مع النظام السوري جدلا كبيرا في الأوساط الخليجية. وقد رفضت عمان أيضا الانضمام إلى التحالف الإسلامي الذي أعلنت عنه السعودية الشهر الماضي، واحتجت بأن الدستور العماني يمنع مشاركة الجيش خارج الحدود.

ووفقا لما تخبرنا به شواهد التاريخ، فإن الاستقلالية العمانية ليست وليدة اللحظة. عبر تاريخها، غالبا ما كانت عمان تميل إلى اتخاذ مواقف وصفت بأنها خارجة عن السرب العربي. على سبيل المثال، لم تقاطع مسقط الرئيس المصري الراحل، «أنور السادات»، بعد الاتفاق مع إسرائيل في كامب ديفيد، كما وقفت على الحياد خلال الحرب العراقية الإيرانية. وتمتعت عمان بعلاقات جيدة مع إيران منذ زمن نظام الشاه، حيث استعانت السلطنة بخدمات إيران في مواجهة ثورة ظفار. ورغم أن الثورة الإيرانية قد أثارت المخاوف لدى عمان أيضا، ما دفعها للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي الذي تشكل عام 1981 كاستجابة في جزء كبير منه للمتغيرات في طهران، إلا أنها قد آثرت التعامل مع هذه المخاوف بشكل مختلف.

العلاقات العمانية الإيرانية

تم رسم العلاقات الإماراتية العمانية منذ عهد الشاه في إيران في أوائل السبعينيات. قبل تولي السلطان «قابوس» الحكم في عام 1970، فإن الصراع الداخلي كان يمزق عمان. ما بين عامي 1850 و1950، كان هناك مركزان للقوى يحكمان عمان هما الإمامة الإباضية في الداخل والسلطنة على طول الساحل. وبحلول عام 1959، وبمساعدة الدعم البريطاني ، تمكن والد «قابوس» من سحق التمرد الذي شنته الإمامة الإباضية وترسيخ سيطرته على كامل البلاد، بما في ذلك الاحتياطيات النفطية المكتشفة حديثا في الداخل. في عام 1962، شنت مجموعة ماركسية متمردة تعرف باسم جبهة تحرير ظفار، عرفت فيما بعد باسم الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل، تمردا واسعا في البلاد، والذي نجحت السلطنة في هزيمته رسميا عام 1976  بدعم من البريطانيين والإيرانيين. اتخذت عمان موقفا محايدا في الحرب العراقية الإيرانية وقد استضافت مفاوضات إنهاء الحرب في عام 1988. كما لعبت دورا في تأمين إطلاق سراح أفراد البحرية الملكية البريطانية عام 2007 ، وثلاثة سياح أمريكيين اعتقلوا في إيران عامي 2010 و2011.

وكان السلطان «قابوس» هو أول زعيم خليجي يزور إيران في أعقاب انتخاب الرئيس الإيراني «حسن روحاني» أغسطس/آب عام 2013، حيث التقى خلال الزيارة بالمرشد الإيراني الأعلى «آية الله على خامنئي».  وقد قام «روحاني» برد الزيارة في مارس/أذار 2014 حين زار عمان في أول زيارة لدولة من دول التعاون الخليجي كرئيس.

قامت إيران برعاية عدة لقاءات بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين في مسقط إبان المفاوضات بشأن البرنامج النووي. ومع هذه التشابكات السياسية المعقدة للعلاقات العمانية الإيرانية فإنها لا تخلو من بعد اقتصادي أيضا. سعت عمان لشراء الغاز من إيران، وقد وقع البلدان مذكرة حول التعاون في مجال النفط والغاز عام 2005، شملت التطوير المشترك لحقل غاز «كيش» الإيراني وحقل «هنجام» المشترك، فضلا عن بناء خط أنابيب لتصدير الغاز من إيران إلى عمان. ولكن صعوبات بشأن عملية التسعير قد عطلت دخول المذكرة موضع التنفيذ. وتشير مصادر إلى أن البلدين يسعيان إلى إعادة التفاوض بشأن خط أنابيب الغاز، حيث تأمل عمان أن تكون مركزا لتصدير الغاز الإيراني. من ناحية أخرى، فقد أشارت إيران سلفا إلى سعيها للاستثمار في قطاع البتروكيماويات عبر إنشاء ميناء متكامل ومنطقة اقتصادية في الدقم وسط عمان. إلا أن التعاون الاقتصادي العماني الإيراني لا يزال يواجه الكثير من العقبات. ولا يزال حجم التبادل التجاري بين البلدين محدود نسبيا إذ يقدر بـ877  مليون دولار، في حين أن هناك 259  شركة إيرانية مسجلة لممارسة النشاط التجاري في سلطنة عمان.

على المستوى العسكرى، تجري المناورات العسكرية البحرية بشكل دوري بين البلدين. آخرها المناورات البحرية في مضيق هرمز في ديسمبر/كانون الثاني الماضي. وتشمل المناورات العمليات البحرية والتحليق وجزء من العمليات تجري على الساحل.

بلا قيود

تدرك عمان أنها مقبلة على مرحلة حاسمة في ظل حلة الضبابية التي تكتنف مشهد خلافة السلطان «قابوس بن سعيد». المسؤولون العمانيون قلقون من احتمالية اندلاع التمرد في ظفار من جديد في أعقاب رحيل السلطان «قابوس»،  كما إنها عمان تخشى من استغلال المسلحين لفترة الاضطراب السياسي المنتظرة في التسلل إلى أراضيها. لذا فإنها تفضل عدم التورط بشكل مباشر كطرف في أزمات المنطقة، وبخاصة في اليمن، والحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف.

لا يبدو أن سلطنة عمان تحمل نفسها بقيود الالتزام التقليدي ضمن إطار مجلس التعاون الخليجي، يكفي أنها الدولة الخليجية الوحيدة التي هددت علنا بالانسحاب من المجلس. العلاقات العمانية الإيرانية تمثل جزءا من المقاربة العمانية لقضايا أمنها القومي وغير قابلة للتفريط بحال. وفي نفس الوقت فإن عمان تسعى للاستفادة من مزايا البقاء ضمن إطار دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة المعضلة الاقتصادية المتفاقمة في ظل انخفاض أسعار النفط.

على الجانب الآخر، لا يبدو أن المملكة العربية السعودية تعول كثيرا على اصطفاف مسقط إلى جانبها في مواجهتها المشتعلة ضد طهران. كانت عمان منذ سنوات عضوا هامشيا إلى حد كبير من دول مجلس التعاون الخليجي، وكانت أول الدول التي انسحبت من مشروع العملة الخليجية الموحدة في عام 2007. وحتى في الخلافات الخليجية الداخلية، مثل واقعة سحب السفراء الخليجيين من قطر في عام 2014، فقد بدت السلطنة على هامش الطاولة.

تتجاهل السعودية في أغلب الأحيان مواقف مسقط، على أمل أن تحتاج إليها كبوابة خلفية للمناورة حال تعقدت الأمور في ملفات المنطقة المتشابكة. في نوفمبر/تشرين الأول الماضي، التقى كل من وزيري الخارجية السعودي والعماني لمناقشة الأزمة في اليمن، وقد أكدا أن الرياض ومسقط قد اتفقتا على النظر إلى الأمام وتجاوز انكسارات الماضي. ويبدو أن السعودية ربما تضطر إلى الاستفادة من دور مسقط الحيادي في اليمن في مساعيها للوصول إلى تسوية سياسية مع تعثر العملية العسكرية.

قد تمثل سياسات مسقط المستقلة مصدر إزعاج كبير للسعوديين، ولكنها بالنسبة لهم، على الأقل في الوقت الراهن، لا تزال تحمل العديد من الفرص.