دروس التاريخ تكشف هشاشة التقارب الروسي الإيراني

الخميس 24 نوفمبر 2022 08:56 م

أدت عزلة إيران وروسيا عن المجتمع الدولي، مع مشاعر الكراهية المشتركة تجاه الغرب، إلى تقاربهما بشكل مطرد خلال العام الماضي؛ فقد صوت البلدان معًا في الأمم المتحدة وتعاونا في قضايا اقتصادية وختلفة، كما قدمت إيران طائراتها المسيرة "شاهد -136" إلى روسيا لمساعدتها في الحرب ضد أوكرانيا.

ولكن نظرًا لتاريخ العلاقات الإشكالية بين الدولتين على مدار القرنين الماضيين، فإن شراكتهما الحالية قد لا تستمر علي المدى الطويل.

ونظرًا لموقعها الجغرافي على مفترق طرق أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، كانت إيران في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين موضع تنافس بين بريطانيا العظمى (العازمة حينذاك على تأمين حدود مستعمرتها في الهند) وروسيا التي سعت لتوسيع حدودها إلى شمال إيران.

وسعى كل من البريطانيين والروس (فيما أطلق عليه اسم اللعبة الكبرى) إلى خلق مناطق نفوذ داخل إيران وحاولوا السيطرة على مواردها الطبيعية.

ومنذ عهد "بطرس الأكبر"، سعت روسيا إلى تأمين ميناء في المياه الدافئة وتطلعت إلى ساحل الخليج لهذا الغرض. ومع تحرك الروس جنوباً، أخذوا المزيد من الأراضي من إيران وتمكن تجارهم من الحصول على امتيازات خاصة في البلاد.

جاءت إحدى الأمثلة الصارخة على التدخل الروسي في إيران أثناء الثورة الدستورية الإيرانية (من عام 1905 إلى عام 1911)، ويفخر معظم الإيرانيين بهذه الثورة، التي تعتبر أول حركة دستورية في الشرق الأوسط سعت إلى تقييد القوة المطلقة للسلطة الملكية الحاكمة.

ولكن، اعتبرت الحكومة القيصرية في روسيا هذه الثورة تهديدًا لنظامها السياسي، وتعاونت موسكو مع عناصر رجعية في طهران لإخمادها.

وفي عام 1908، عمل العقيد "فلاديمير لياخوف" قائد لواء القوزاق الذي قادته روسيا في إيران، مع ملك "قاجار" الإيراني لقصف المجلس (البرلمان) في طهران وقمع النظام الدستوري الناشئ.

وبعد عام، سارت القوات المؤيدة للدستور من الأجزاء الشمالية والجنوبية من البلاد إلى طهران لاستعادة البرلمان والدستور، لكن الضغط الروسي أدى إلى حل المجلس مرة أخرى في عام 1911.

الشيطان الأصغر

بعد أن أزاحت ثورة أكتوبر/تشرين الأول الحكومة المؤقتة في عام 1917، رفضت الحكومة السوفيتية الجديدة (بقيادة البلاشفة) المعاهدات الروسية القديمة في محاولة لإظهار الصداقة تجاه إيران. ومع ذلك، سرعان ما عادت مخاوف موسكو الجيوسياسية لصبغ علاقتها مع طهران.

وبالاشتراك مع البريطانيين، غزا السوفييت إيران في عام 1941، وأطاحوا بالملك "رضا شاه"، كما ساعد الاتحاد السوفيتي في تشكيل حزب "توده" (الشعوب) الذي كان بمثابة قناة لنفوذ موسكو في إيران حتى تفككه بعد ثورة 1979.

وفي ظل حكومة الشاه "محمد رضا بهلوي" المنصّبة حديثًا، وافقت قوى الحلفاء على سحب قواتها من إيران بعد 6 أشهر من نهاية الحرب العالمية الثانية. وبينما التزمت القوات البريطانية والأمريكية بهذا الموعد النهائي، فإن الجيش الأحمر لم يفعل.

وفي ديسمبر/كانون الأول 1945 قبل بضعة أشهر من الموعد النهائي للانسحاب، ساعد السوفييت في إنشاء الجمهوريات الانفصالية في أذربيجان الإيرانية وكردستان الإيرانية، مما أثار أول توتر دبلوماسي في الحرب الباردة الوليدة.

وأدى مزيج من الضغط الأمريكي والدبلوماسية الحاذقة من رئيس الوزراء الإيراني "قوام السلطنة" (الذي وعد الكرملين بمنحه امتيازًا نفطيًا في الجزء الشمالي من البلاد) إلى انسحاب القوات السوفيتية من إيران في نهاية المطاف.

ومع ذلك، كان معظم الإيرانيين ينظرون إلى المكائد السوفيتية في حقبة ما بعد الحرب على أنها إهانة لسيادة البلاد وتركت بصمة دائمة على العلاقات الروسية الإيرانية.

وبعد الثورة الإيرانية عام 1979 وصعود "الخميني" إلى السلطة، خشي العديد من المراقبين وصناع السياسة في واشنطن من تحالف طهران بشكل أوثق مع الاتحاد السوفيتي نتيجة التوترات مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد ثبت أن هذه المخاوف لا أساس لها إلى حد كبير.

وبالرغم أن "الخميني" وصف أمريكا بأنها "الشيطان الأكبر" فقد أشار أيضًا إلى الاتحاد السوفيتي باسم "الشيطان الأصغر" وربما كان ذلك بسبب تدخل موسكو التاريخي في السياسة الإيرانية.

وبالرغم أن حزب "توده" شهد انتعاشًا قصيرًا بعد سقوط الشاه المناهض للشيوعية، إلا أن "الخميني" وأتباعه كانوا ينظرون إلى الحزب باعتباره طابورًا خامسًا ذا ميول سوفييتية وكانوا قساة في قمعه في السنوات التي تلت ذلك.

زواج ضرورة لا حب

في العصر الحديث، قد يرى النظام الإيراني مزايا تكتيكية للتحالف مع روسيا تحت حكم "فلاديمير بوتين"؛ فكلتا الحكومتان وجدتا أنهما معزولتان على الساحة الدولية (إيران لبرنامجها النووي وصواريخها الباليستية - وروسيا لغزوها أوكرانيا).

وتبنى زعماء كلا البلدين سياسات خارجية معادية للغرب لتعزيز شرعيتهم المحلية. ومع ذلك، فإن تودد طهران لموسكو لا يعكس مشاعر غالبية الشعب الإيراني، حيث يدرك الكثير من الإيرانيين خطورة التدخل الروسي في القرون الأخيرة.

ومن المحتمل أن يؤدي إمداد روسيا بالطائرات الإيرانية المسيرة والتقارير التي تفيد بأن الروس يقدمون الاستشارة للسلطات الإيرانية لمساعدتها في قمع الاحتجاجات الواسعة ضد النظام، إلى زيادة المشاعر المعادية لروسيا لدى الجمهور الإيراني.

ولم يتضح بعد ما إذا كان النظام الإيراني سيسقط بسبب الاحتجاجات. ومع ذلك، إذا سقط النظام أو تغيرت طبيعته السياسية - إما من خلال إصلاحات تهدف إلى تهدئة الغضب العام أو من خلال انقلاب - فيمكن للمرء أن يتوقع أن أي حكومة إيرانية جديدة ستنأى بنفسها عن الكرملين.

ويحمل التاريخ دروسًا مؤلمة للإيرانيين الذين يتطلعون إلى التعامل مع روسيا، وبغض النظر عن الأنظمة التي حكمت في موسكو أو طهران على مدى القرنين الماضيين، فقد كان هناك شئ ثابت: من الصعب الحفاظ على صداقة دائمة بين إيران وروسيا كما إنه يمكن تحطيمها بسهولة.

المصدر | جريجوري أفتانديليان/منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

العلاقات الروسية الإيرانية حرب أوكرانيا بوتين عقوبات