الثلاثاء 18 يناير 2022 03:28 م

أصر مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق مؤخرا على أن روسيا تشارك إسرائيل موقفها بأن إيران "قوة مزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط". وإذا كان هذا التأكيد يهدف إلى الضغط على موسكو أو طهران، فمن المحتمل أنه لم يحقق هدفه.

وربما يرى الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" أن سلوك إيران الإشكالي إما غير ذي صلة أو على الأرجح مفيد من الناحية الاستراتيجية. ويعد الهدف الأساسي لروسيا هو الدفاع عن مصالحها الأمنية، ولهذا الغرض فلديها علاقات دبلوماسية مع اللاعبين الرئيسيين في المنطقة، وجميعهم بارعون في إحداث المشاكل الجيواستراتيجية.

وإذا كان الحفاظ على هذه العلاقات يمثل تحديا، فإن الأحداث الأخيرة في الجوار المباشر لروسيا قد عقدت دبلوماسيتها في الشرق الأوسط. وتتمثل الأولوية القصوى لموسكو في ضمان ألا تشكل السياسات الداخلية للدول الـ14 التي تشترك معها في الحدود تهديدا لروسيا، وربما الأهم من ذلك كله، تهديدا لحكم "بوتين". وبالتالي، فإن الصراع المستمر مع الولايات المتحدة حول أوكرانيا، واحتجاجات أوائل يناير/كانون الثاني في كازاخستان، هي التي تستحوذ الآن على الجزء الأكبر من اهتمام موسكو.

وقد وصلت الهزات التي أحدثتها هذه الأحداث إلى الشرق الأوسط، وتأخذ جميع الدول الرئيسية ذلك في الاعتبار. وتشترك إيران وسوريا وإسرائيل وتركيا، وكذلك دول الخليج العربية، في أنهم جميعا يريدون الحفاظ على العلاقات مع موسكو بطرق تعزز نفوذها الدبلوماسي أو العسكري. وإذا كانت الصراعات الإقليمية المتصاعدة، خاصة بين إسرائيل وإيران، قد زعزعت هذا التوازن، فإن القنبلة الجيوستراتيجية الموقوتة الكبيرة تدق في أوكرانيا، وقد انفجرت قنبلة أصغر بالفعل في كازاخستان، وهو ما يختبر بالتأكيد قدرة روسيا وأصدقائها على العمل معا. وفي حين أن هذا الموقف يمثل اختبارا متعدد المستويات لـ"بوتين"، فلا ينبغي أبدا التقليل من قدرته على التوفيق بين عدة مواجهات.

هل يمكننا جميعا المضي قدما؟

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أعادت موسكو طرح اقتراح بشأن "مفهوم الأمن الجماعي لمنطقة الخليج الفارسي"، الذي كانت قد اقترحته بالفعل 3 مرات، كان آخرها في عام 2019. وفي تلك المرحلة، كانت الصراعات المتصاعدة في المنطقة، التي أثارها الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة وحملته "أقصى ضغط" ضد طهران، قد ضمنت فشل الاقتراح الروسي.

لكن انتخاب "جو بايدن" وفر حافزا لموسكو ليس فقط لإعادة إطلاق مقترحاتها الأمنية ولكن أيضا لعرض خدماتها كوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، وضمنيا بين إسرائيل وإيران. وأصر "فيتالي نومكين"، الباحث البارز الذي ساعد على ما يبدو في صياغة مفهوم موسكو للأمن الجماعي للخليج، على أن المنطقة "سئمت مما يحدث" ووصلت إلى "نوع من الجمود" الذي قد يفتح الباب أمام الدبلوماسية.

لكن جدية روسيا بشأن اقتراحها المتعلق بأمن الخليج أقل أهمية من المنطق الجيواستراتيجي الذي يحركها باتجاه هذا الاقتراح. وتعتمد قدرة موسكو على ممارسة نفوذها جزئيا على قدرتها على استعراض عضلاتها العسكرية أثناء استخدام علاقاتها مع دول متعددة للعب دور صانع السلام. ولأن هذا الدور يمنح روسيا نفوذا لا يمكن لواشنطن أن تضاهيه، فإن لدى موسكو الكثير لتكسبه من ضمان ألا يحد أي من أصدقائها من مجال مناوراتها على المسرح الدبلوماسي.

ولذلك فخلال محادثات فيينا، دعمت روسيا إيران بينما أعربت عن رغبتها في أن تبدي طهران بعض المرونة. وأثار هذا الجهد انتقادات من المتشددين في إيران، وجادل أحدهم بأن صورة كبير المفاوضين الأمريكيين "روبرت مالي" وهو يتحدث مع نظيره الروسي "ميخائيل أوليانوف" دليل على "مؤامرة" أمريكية روسية لتقويض المصالح الإيرانية.

وبالمثل ففي الشرق الأوسط نفسه، كانت روسيا حريصة على ضمان احتفاظ إيران بقوتها، وبالتالي قدرتها على تنفيذ هجمات بشكل مباشر أو من خلال وكلاء ضد قوات الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى في الوقت الذي حافظت فيه على تفاهم مع إسرائيل يمنح القوات الجوية الإسرائيلية فرصة لتنفيذ هجمات ضد أعدائها في سوريا.

لذلك ففي 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي عندما قصفت القاذفات الإسرائيلية مجمع حاويات في ميناء اللاذقية، حيث توجد لروسيا قاعدة بحرية، لم توجه موسكو انتقادات علنية لإسرائيل بالرغم من التهديد المحتمل الذي شكله الهجوم بالنسبة للقوات الروسية.

وربما لم يكن من قبيل المصادفة أن "بوتين" والرئيس الإسرائيلي "يتسحاق هرتسوج" تحدثا عبر الهاتف قبل أيام قليلة من الحادث. وتطرق حديثهما بالتأكيد إلى آلية "تفادي التضارب" التي صاغتها روسيا وإسرائيل في ظل حكومة رئيس الوزراء السابق "بنيامين نتنياهو"، وهو ترتيب تم تجديده عندما التقى رئيس الوزراء "نفتالي بينيت" بـ "بوتين" في سوتشي في 22 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وفي الواقع، يدرك جميع الفاعلين الرئيسيين في المنطقة جيدا أن "بوتين" يريد إظهار الحزم، مع إظهار أنه في الوقت نفسه زعيم مؤثر يسعى لمنع الأطراف المتنافسة في الشرق الأوسط من الصدام. لكن التحدي الاستراتيجي الآن هو أن تسير أهدافه بالتوازي دون أن تنفجر الأمور مع إيران أو إسرائيل أو تركيا.

التوترات الأمريكية الروسية في الشرق الأوسط وأوكرانيا

ويبدو أن نجاح موسكو على تحقيق التوازن بين المصالح المتضاربة لشركائها في الشرق الأوسط يتوقف جزئيا على قدرة روسيا على الحفاظ على شيء من الحماية من التهديدات الجيوستراتيجية التي تندلع في ساحاتها الخلفية العديدة ومناطق الصراع التي تنخرط فيها. لكن في الواقع، فإن الحماية هذه هشة للغاية؛ لأن روسيا تعتبر وجودها في الشرق الأوسط، وفي سوريا على وجه الخصوص، أمرا حيويا لمصالحها الجيواستراتيجية الأوسع.

وبصرف النظر عن تمكن موسكو من إرسال قاذفاتها إلى ليبيا، وبالتالي إظهار نفوذها في مسرح البحر الأبيض المتوسط، يبدو أن أحد أهداف القواعد الجوية التي تحتفظ بها روسيا في حميميم وطرطوس في سوريا هو توجيه خنجر استراتيجي نحو خاصرة الناتو في الجنوب. وهكذا، لم تنشر روسيا فقط قاذفات طويلة المدى من طراز "Tu-22M3" وصواريخ اعتراضية من طراز "MiG-31K" مع صواريخ تفوق سرعة الصوت في قاعدة حميميم الجوية، ولكن في 25 ديسمبر/كانون الأول نقلت موسكو أكثر من 20 طائرة ومروحية من تلك القاعدة إلى المطارات في الحسكة ودير الزور في الشرق.

وتخدم هذه الخطوة الغرض المزدوج المتمثل في دعم نظام "بشار الأسد" مع الإشارة إلى قدرة روسيا على جعل الحياة صعبة على "الناتو"، لا سيما بالنظر إلى مخاوف موسكو العامة بشأن التوسع المحتمل لحلف "الناتو" في دول أخرى وفي مقدمتها أوكرانيا. ومع اشتداد الصراع الأمريكي الروسي، أصبحت جهود أصدقاء روسيا المتنافسين في الشرق الأوسط لمنع أي حريق محتمل في أوكرانيا من الوصول إليهم أكثر صعوبة. وفي الواقع، تقدم تركيا وإسرائيل أمثلة معبرة عن مدى صعوبة هذا الوضع.

المعادلة الإسرائيلية الروسية السورية الإيرانية

وتقيم إسرائيل علاقات دبلوماسية وثيقة مع أوكرانيا. وتم الاحتفال بهذه العلاقة الرسمية التي استمرت 30 عاما خلال الاجتماع السنوي الثالث لـ"المنتدى اليهودي في كييف"، الذي عُقد عبر الإنترنت في الفترة من 15 إلى 16 ديسمبر/كانون الأول 2021. وكان عنوان الاجتماع، الذي حضره نحو 83 ألف مشاهد عبر الإنترنت في عام 2021، العلاقة بين الرئيس الأوكراني "فولوديمير زيلينسكي" ونظيره الإسرائيلي "يتسحاق هرتسوج".

وقد وقع الجانبان اتفاقية تجارية مهمة في يناير/كانون الثاني 2019. وتفيد التقارير أيضا أن علاقاتهما العسكرية قد تطورت وأن "زيلينسكي" أبدى اهتماما بشراء منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية.

ويتحفظ المسؤولون الإسرائيليون في الحديث عن تفاصيل محددة لتجنب استعداء موسكو. ومع ذلك، تم التأكيد على أهمية العلاقات الأوكرانية الإسرائيلية من خلال زيارة وزير الدفاع الأوكراني "أوليكسي ريزنيكوف" إلى إسرائيل في أوائل ديسمبر/كانون الأول 2021. وبينما لم يتم الإبلاغ عن تفاصيل مناقشاتهما، لاحظت موسكو بالتأكيد الاجتماع وربما تراقب علاقة إسرائيل الوثيقة بأوكرانيا.

ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن هناك تفاهما بين روسيا وإسرائيل على أن لا تنخرط إسرائيل في تحسين القدرات الدفاعية لأوكرانيافي المقابل أن تحد روسيا من مبيعاتها من الأسلحة لإيران. وفي أواخر عام 2019، أكد مستشار لـ"نتنياهو" أن روسيا ألغت صفقة بيع صواريخ مقترحة لإيران وأن إسرائيل ردت بالمثل بوعدها مرتين بعدم بيع أسلحة لأوكرانيا.

ومن المتوقع أن تتجنب الحكومة الإسرائيلية الحالية أي خطوات علنية قد توحي بتحسن كبير لعلاقاتها العسكرية مع كييف. ومع ذلك ففي عام 2019، ورد أن حكومة "نتنياهو" عرضت العمل كوسيط بين روسيا وأوكرانيا. ويجعل الصراع الأمريكي الروسي المتصاعد حول أوكرانيا يجعل من الصعب أن تحاول حكومة "بينيت" تجديد مبادرة "نتنياهو". لكن إذا فشلت روسيا وإدارة "بايدن" في الاتفاق بشأن أوكرانيا، فقد تجد موسكو نفسها فجأة أقل ميلا لكبح جماح إيران في سوريا، أو لدفع طهران لتقديم تنازلات في محادثات فيينا.

بطريقة أو بأخرى، تمهد الأزمة الأوكرانية لـ"رقصة" ثلاثية بين روسيا وإسرائيل وإيران.

تركيا وروسيا وسوريا وإيران

وبالرغم من التعقيد نفسه، فإن ملف سوريا مثال على المصالح الاستراتيجية التي خلقت احتكاكات بين أنقرة وموسكو وطهران، حتى مع استمرار الأطراف الثلاثة في عملية أستانا بقيادة روسيا للعمل على وضع دستور لسوريا.

ويتصور الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" مستقبلا يكون فيه للمواطنين السوريين نوعا من التعبير، ويعني هذا خلق مساحة للقادة الإسلاميين في محادثات الأمم المتحدة الجارية، غير المثمرة حتى الآن، حول تسوية سياسية بشأن سوريا.

لكن هذا ليس هدفا تشترك فيه موسكو وطهران، لا سيما إذا كان سيفتح الباب أمام قوات المعارضة السنية. ويتمحور وقف إطلاق النار الهش في محافظة إدلب حول الجهود المبذولة لاحتواء هذه الأهداف المتضاربة وهو الآن تحت الضغط بينما يحاول تنظيم "الدولة الإسلامية" إعادة تأكيد نفوذه.

ويشير قصف روسيا لأهداف بالقرب من إدلب مطلع الشهر الجاري إلى احتمال اشتعال الصراع بين موسكو وأنقرة، وهو أمر قد يحدث إذا استجمع تنظيم "الدولة الإسلامية" قوته من جديد. وسوف تتفاقم هذه التوترات بسبب خلافات أنقرة المفتوحة مع موسكو على عدة جبهات. فقد دعمت تركيا مطالب أوكرانيا بشأن شبه جزيرة القرم وعارضت ضم روسيا لتلك المنطقة في عام 2014. والأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لموسكو هو أن تركيا تدعم عضوية أوكرانيا في "الناتو".

وأثارت بيع تركيا طائرات بدون طيار "تي بي 2" لأوكرانيا غضب موسكو التي تدرك أن هذه أن الطائرات ساعدت أذربيجان على الانتصار على القوات الأرمينية في حرب "ناغورني قره باغ" العام الماضي. وبالنظر إلى هذه المخاوف، فإن الطلب الذي قدمه وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو"، في ديسمبر/كانون الأول، بأن تتخذ روسيا نهجا أكثر اعتدالا تجاه النزاع الأوكراني لا بد أنه أثار قلق موسكو.

وقال "جاويش أوغلو": "لكي يتم قبول أي اقتراح يجب أن يكون مقبولا من كلا الجانبين.. قدمت روسيا بعض الطلبات لكن يسعى الناتو للحصول على نفس النوع من الضمانات من روسيا". وأضاف: "إذا كان لدى روسيا أي توقعات معينة من تركيا فيما يتعلق بتخفيف التوترات بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، فإن تركيا ستدرس الأمر".

وجاءت هذه التصريحات بعد نحو أسبوعين من محادثة هاتفية بين "بوتين" و"أردوغان" التي سبقتها تصريحات من متحدث باسم الكرملين بأن الوساطة التركية قد تكون مفيدة لكن في ظل ظروف معينة. وذكر المتحدث أنه "إذا كان أردوغان قادرا على استخدام نفوذه لتشجيع كييف على البدء في الامتثال لالتزاماتها بموجب حزمة تدابير مينسك واتفاقيات باريس، فسيتم الترحيب بالوساطة. باختصار، رسالة موسكو هي أنه ما لم تدعم أنقرة الموقف الروسي، فإن أي عرض تقدمه تركيا للوساطة سيتم رفضه بشكل قاطع.

و من غير المرجح أن يتخذ "أردوغان"، الذي يتعرض لضغوط هائلة في الداخل في أعقاب الأزمة الاقتصادية المتصاعدة، خطوات من شأنها إثارة عداوة موسكو. ولكن كما هو الحال مع إسرائيل، جعلت الأحداث في أوكرانيا علاقة تركيا مع روسيا، وضمنيا مع إيران، أكثر صعوبة. ويعد التحدي الذي يواجه "أردوغان" هنا هو تجنب الوقوع في خطأ قد يندم عليه.

ضبط نغمة المحادثات الأمريكية الروسية

وقد تعتمد جهود تركيا وإسرائيل وإيران لإدارة العلاقات مع موسكو (والعكس صحيح) في النهاية على المحادثات الجارية بين البيت الأبيض والكرملين بشأن أوكرانيا. وسوف تعقّد مطالب روسيا بأن تتخلى إدارة "بايدن" عن أي خطة لضم أوكرانيا إلى "الناتو" أي محاولة للتوصل إلى حل وسط، وهو ما أكده تصريح وزير الخارجية "أنتوني بلينكن" الأخير بأن طلب موسكو غير مقبول لدى الولايات المتحدة وشركائها في "الناتو".

وفي غضون ذلك، سيكون للصراع الأوكراني آثار في الشرق الأوسط وفيينا. ويمكن لموسكو أن تستنتج أن مخاطر الفشل في فيينا كبيرة للغاية، وبالتالي ستواصل محاولة إقناع طهران بالتراجع عن بعض مطالبها. ولكن إذا أصبح الوضع في أوكرانيا أكثر سخونة، فقد تكون روسيا غير راغبة في دفع إيران نحو حل وسط.

ولدى موسكو، التي صورت نفسها منذ وقت ليس ببعيد على أنها صانع سلام في الشرق الأوسط، مساحة أقل بكثير الآن للاستفادة من علاقاتها مع خصومها في المنطقة. ويبدو أن الدرس الذي تعلمته هنا هو أنه حتى لو لم تعد الولايات المتحدة تمتلك النفوذ الذي كانت تتمتع به ذات يوم في المنطقة، فإن مسار العلاقات الأمريكية الروسية يظل حيويا لآفاق السلام في الشرق الأوسط والمناطق المضطربة الأخرى من العالم.

المصدر | دانييل برومبرج - المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد