توازن تدريجي.. هكذا تدير دول الخليج سياستها تجاه أفغانستان تحت حكم طالبان

السبت 26 نوفمبر 2022 01:35 م

كيف توازن "مقايضات" التعامل مع حركة طالبان؟ في إطار الإجابة عن هذا السؤال، سلط الباحث الزائر في مركز "تريندز" للبحوث والاستشارات بأبوظبي، الباحث المساعد في مركز تحليلات دول الخليج، "ليوناردو جاكوبو ماريا مازوكو"، الضوء على دلالات السياسات المعتمدة لدى دول الخليج إزاء تطورات الأوضاع في أفغانستان.

وذكر "مازوكو"، في تحليل نشره بموقع "منتدى الخليج الدولي"، أن عودة طالبان للاستيلاء على حكم أفغانستان وعمليات الإجلاء المكثفة للقوات الدولية أسفرا عن تغيير بالمشهد السياسي في أفغانستان بشكل كبير، ما دفع دول الخليج إلى إعادة التفكير بسرعة في سياستها، ومراجعة ما أقدمت عليه في الماضي.

ففي عام 1996، عندما سيطرت طالبان على العاصمة الأفغانية كابل للمرة الأولى، أعلنت السعودية والإمارات اعترافًا دبلوماسيًا سريعًا بحكم الحركة، لكن دول الخليج بدت، بعد 25 عامًا، محجمة عن أن تكون أول الدول كسرا للجليد مع طالبان، واختارت بدلاً من ذلك نهج الانتظار والترقب.

وبينما تم نقل معظم السفارات الأجنبية من أفغانستان، في أعقاب عودة طالبان إلى السلطة، حافظت بعض دول الخليج، خاصة السعودية وقطر والإمارات، على موطئ قدم دبلوماسي في البلاد.

وبسبب التوتر من مخاطر انتشار العنف عبر الحدود الأفغانية والتأثير السلبي على الظروف الأمنية غير المستقرة في آسيا الوسطى، امتنعت دول الخليج عن قطع العلاقات تمامًا مع حكم طالبان.

ونظرًا لموقعها الحرج في قلب آسيا الوسطى، فإن ضمان الاستقرار والأمن في أفغانستان هو شرط مسبق وحاسم لنجاح أي محاولات خليجية للمشاركة بشكل أكبر في ديناميكيات القوة بالمنطقة، حسبما يرى "مازوكو".

ورغم أن دول الخليج بعيدة عن التوصل إلى سياسة مشتركة تجاه أفغانستان، لكنها تشترك جميعًا في الاهتمام بالتخفيف من البؤس الإنساني للسكان، وتعطيل جهود الجماعات الإرهابية المتطرفة لإنشاء ملاذات في البلاد، ومنع التوترات الداخلية الأفغانية من الانتشار في بلدان المنطقة.

وبناءً على هذه المخاوف المتبادلة، يبدو أن دول الخليج توصلت بشكل غير رسمي إلى إجماع على بعض قواعد الاشتباك التي يجب الالتزام بها عند التعامل مع طالبان.

وفي حين أن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع طالبان لا يزال غير مطروح على الطاولة، إلا أن سلوك دول مجلس التعاون الخليجي يشير أيضًا إلى أن إبعادا مفتوحا للحركة إلى حد جعلها منبوذة ليس خيارًا قابلاً للتطبيق.

ومن هذا المنطلق، يشير "مازوكو" إلى أن دول الخليج "قد تتبنى سياسة تجاه أفغانستان تربط بعناية بين التفاعلات البراجماتية في المبادرات القائمة على المشاريع (الاقتصادية)، وبين الإدانات (السياسية) الصارمة لسلوك طالبان الراديكالي.

قطر ومكتب الدوحة

ورغم قواعد الإجماع، التي تحدث عنها التحليل، لكن "مازوكو"، يرى أن كلا من "قطر والإمارات والسعودية" شكلت مقاربتها الفردية الخاصة تجاه "المستنقع الأفغاني" حسب تعبيره.

فمنذ عام 2013 ، عندما افتتحت طالبان مكتبًا سياسيًا في الدوحة، حصلت قطر على مقعد في الصف الأول بمعضلة أفغانستان، وبفضل دورها الحاسم كميسر لاتفاق 2020 بين الولايات المتحدة وطالبان ودعمها اللوجستي الحيوي لجسر الإجلاء الجوي، بعد الاستيلاء الحركة على السلطة في أغسطس/آب 2021، برزت قطر كواحدة من أكثر اللاعبين نفوذاً في لعبة القوة الأفغانية.

وساعدت قطر في تحقيق ذلك من خلال اتصالاتها الإيجابية نسبيًا مع حكام أفغانستان الجدد، فبعد سيطرة طالبان على كابل، وحسم مصير الحكومة السابقة، كان مسؤولو السياسة الخارجية القطرية البارزون صريحين في حث المجتمع الدولي على مضاعفة الجهود الإنسانية وعدم السماح بأن تصبح أفغانستان دولة منبوذة.

وبسبب ضعف قدرتها على التحرك بحرية خارج أفغانستان بسبب حظر التأشيرات، الذي تفرضه الأمم المتحدة، تواصل طالبان الاعتماد بشكل كبير على مكتبها السياسي في الدوحة لدعم نشاطها الدبلوماسي.

ويشير "مازوكو"، في الإطار ذاته، إلى اجتماع ممثلين عن الولايات المتحدة وطالبان بالدوحة، في في أكتوبر/تشرين الأول 2022، وهو الاجتماع الذي طغى عليه اغتيال الولايات المتحدة لزعيم تنظيم القاعدة "أيمن الظواهري" في إحدى ضواحي كابل، ما أدى إلى تكهنات بأن طالبان قد آوته.

وقدم وجود مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى في ذلك الاجتماع، مثل نائب مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "ديفيد كوهين" والمسؤول الاستخباراتي رفيع المستوى في طالبان "عبدالحق وثيق"، مؤشرا على أن "التعاون في مكافحة الإرهاب هو الذي دفع في المقام الأول المحادثات بين الولايات المتحدة وطالبان"، حسبما يرى "مازوكو".

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2022، لجأ مسؤولو طالبان إلى المكتب السياسي في الدوحة لتنظيم اجتماعات مع مسؤولين دوليين، بينهم "روزا أوتونباييفا"، الممثلة الخاصة للأمم المتحدة في أفغانستان.

ورغم أن هذه الاجتماعات تشير إلى أن قطر لا تزال قناة طالبان المفضلة للتفاعل مع العالم الخارجي، إلا أن الحركة قدمت مؤشرا أيضًا على اهتمام متزايد بتنويع شركائها وتوسيع نطاق وصولها الخارجي إلى ما وراء محاوريها التقليديين.

الإمارات والتعاون اللوجستي

من هنا يقرأ "مازوكو" قرار طالبان بتشغيل الإمارات لمطار كابول الدولي ومنشآت طيران أخرى في جميع أنحاء البلاد، واعتبر ذلك دلالة على رغبة الحركة الإسلامية في تحرير توسعها الخارجي من "محور قطر - باكستان".

وأشار إلى أن الانخراط في تعاون لوجستي بين طالبان والإمارات قد يمنح الحركة الأفغانية بعض الحرية لتعزيز نفوذها بعد سنوات من العلاقات المتوترة، إذ سبق أن قطعت أبوظبي علاقاتها بالحركة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية وغزو التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أفغانستان في أكتوبر/تشرين الأول 2001.

ومنذ ذلك الحين، برزت القوات الإماراتية بين الشركاء الأمنيين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط باعتبارها الجيش العربي الوحيد الذي شارك في عمليات قتالية في أفغانستان.

وبالإضافة إلى المسار العسكري، لطالما كانت الدبلوماسية الإنسانية عنصرًا حاسمًا في سياسة الإمارات تجاه أفغانستان، إذ قدمت أبوظبي القروض والمنح لدعم المبادرات في قطاعات البنية التحتية والتعليم والإسكان.

ووفقًا لتقارير المساعدات الخارجية السنوية للإمارات، فقد قامت الدولة بضخ أكثر من 500 مليون دولار إلى أفغانستان في شكل مساعدات إنسانية بين عامي 2010 و2020.

وخلال مهمة إنسانية لفتح دار للأيتام في ولاية قندهار، دفعت الإمارات أكبر عدد من القتلى في أفغانستان، ووسط زيارة لمحافظ الولاية في يناير/كانون الثاني 2017، استُهدف فريق دبلوماسي إماراتي بهجوم تفجيري.

وبينما نفت طالبان تورطها في تفجير قندهار، أعلنت مسؤوليتها عن انفجارين آخرين في كابل أسفرا عن مقتل العشرات من المسؤولين الأفغان والمدنيين، ما أثار الشكوك حول أهداف الحركة من العلاقة مع أبو ظبي، وعمق كراهية العديد من الإماراتيين لها.

وعندما تصاعدت عمليات الإجلاء من أفغانستان بعد عودة طالبان إلى السلطة، واصلت الإمارات تقديم المساعدة اللوجستية للقوات والمدنيين الأفغان الذين تم نقلهم جواً خارج البلاد.

السعودية.. الفيل الغائب

أما السعودية، فشبه "مازوكو" ثقل دورها في أفغانستان بأنه "فيل" لجأ إلى نهج "انتظر وانظر" في التعاطي مع شؤون أفغانستان، مشيرا إلى أن العلاقات الأفغانية السعودية تعود إلى أواخر السبعينات، عندما برزت الرياض كممول رئيسي لمقاومة المجاهدين ضد السوفييت.

وعندما تحولت جهود تحرير أفغانستان إلى حرب أهلية مريرة بين أمراء المجاهدين، رسخت السعودية دعمها لحركة طالبان، التي كانت آنذاك حركة دينية حديثة الولادة تتميز بوعدها بإنهاء العنف في البلاد وتطبيق الشريعة على مستوى البلاد.

ولعدة سنوات، اتسمت العلاقات بين طالبان والسعودية بمد وجزر، لكن العلاقات بينهما انهارت في أواخر التسعينات عندما رفضت طالبان التوقف عن إيواء المنتسبين لتنظيم القاعدة في أفغانستان وتسليم "أسامة بن لادن".

لكن فراغ السلطة، الذي ظهر بعد الغزو العسكري بقيادة الولايات المتحدة لأفغانستان، أسفر عن ظهور ساحة معركة جديدة للصراع على السلطة بين خصمين إقليميين، هما السعودية وإيران، إذ تدخلت القوتان بشكل كبير في الديناميكيات السياسية للبلاد من خلال حشد الموارد المالية الضخمة ورعاية المشاريع في القطاعات الرئيسية، وخاصة البنية التحتية والتعليم الديني.

ومع تولي قطر فعليًا زمام المحادثات الأفغانية، فقدت السعودية اهتمامها بالشؤون الأفغانية تدريجيًا، وهو ما يعزوه "مازوكو" إلى اتجاه ولي عهد المملكة، الأمير "محمد بن سلمان" إلى "تركيز الطاقات المالية والدبلوماسية للبلاد على الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية".

ورغم أن العلاقات السعودية الإيرانية دخلت مرحلة خفض التصعيد بشكل خجول، العام الماضي، فإن احتواء الطموحات الإيرانية في آسيا الوسطى كان تقليديًا أحد المحركات الرئيسية للسياسة السعودية تجاه أفغانستان.

 وفي حين أن المزيد من التقارب بين طهران وكابل غير مرجح في أعقاب عودة طالبان إلى السلطة، لكن الهجمات الإرهابية المستمرة التي تستهدف مجموعة الهزارة العرقية، ذات الغالبية الشيعية، في أفغانستان، قد تدفع إيران إلى تكثيف انخراطها في البلاد لحماية أقلية كانت تاريخياً قريبة من المعسكر الإيراني.

ويؤكد "مازوكو" أن الرياض لن تسمح للنفوذ الإيراني المتنامي في أفغانستان بالمرور دون رادع، لكنه يرى أن الأدوات التي ستستخدمها لمواجهة تجاوزات طهران لا تزال غير مؤكدة.

وإزاء المعطيات السابقة، يرى "مازوكو" أن عزلا دائما لطالبان ليس خيارًا قابلاً للتطبيق في نظر دول الخليج، كما أن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الحركة ليس ممكناً سياسياً في ظل الظروف الحالية.

ولذا أبدت دول الخليج اهتمامها بترك بعض قنوات الاتصال مفتوحة مع طالبان لمعالجة العديد من القضايا الأمنية والإنسانية، وعلى رأسها مراقبة الشبكات الإرهابية التي لا تزال مختبئة في ملاذات بجميع أنحاء أفغانستان، وكبح تجارة تهريب المخدرات، وتقديم المساعدات للسكان المنكوبين.

وهنا يشير "مازوكو" إلى أن طالبان "ليست جديدة في مغازلة قوى إقليمية وعالمية مختلفة في نفس الوقت من أجل كسب الدعم الدولي"، فمنذ بداية الحركة، في منتصف التسعينات، لعبت على وتر التناقضات الدولية والإقليمية بمهارة لاكتساب ثقل سياسي وزيادة درجة استقلاليتها.

إلى أي مدى إذن ستصبح دول الخليج متورطة أكثر في المستقبل السياسي لأفغانستان؟ يظل السؤال مفتوح الإجابة في رأي "مازوكو"، الذي نوه إلى أن "الفراغ الأمني ​​الذي خلفه انسحاب القوات الأمريكية وسعي طالبان للاعتراف الدولي والشرعية يمثلان ظرفا مواتيا لمزيد من الانخراط الخليجي في أفغانستان".

لكن الباحث الزائر في مركز "تريندز" يشير، من ناحية أخرى، إلى أن العديد من "نقاط الاحتكاك" لاتزال تحتاج إلى معالجة قبل استكشاف فرص المزيد من تعاود دول الخليج مع طالبان، من بينها أزمة الثقة بين تلك الدول والحركة الإسلامية.

وطالما أن أفغانستان لم تتحول إلى نقطة انطلاق للجماعات الإرهابية المتطرفة العابرة للحدود، والوضع الأمني في أفغانستان غير متدهور بشكل كبير، فمن غير المرجح أن تأخذ سياسة دول الخليج تجاه طالبان منعطفًا مفاجئًا عن مسارها الحالي القائم على التوازن التدريجي.

المصدر | منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

الخليج السعودية الإمارات طالبان أفغانستان قطر إيران

ماذا تعني دولة طالبان لسياسة دول مجلس التعاون الخليجي؟