لماذا تعد أوروبا الخاسر الأكبر من الحرب في أوكرانيا؟

الأربعاء 30 نوفمبر 2022 02:53 م

تتمتع النرويج بواحد من أفضل أنظمة الحكم في العالم، كما أن لديها أيضًا أكبر صندوق للثروة السيادية في العالم (بأكثر من تريليون دولار)، علاوة على ذلك فإن لديها ثروة هائلة من الغاز يتم تصدير الكثير منها إلى أوروبا.

صحيح أن النرويج معروفة بميلها للسلم، وأنها غير متورطة في الحرب في أوكرانيا، لكنها أصبحت من بين أكبر المستفيدين من هذه الحرب، كما أنها تحاول تعزيز هذه المكاسب بهدوء. ومن المتوقع أن يجلب الغاز إيرادات للنرويج تقدر بمليارات الدولارات هذا العام، وهو رقم يرتفع بشكل مطرد.

وفي ظل المحادثات بين الروس والأمريكيين بشأن أوكرانيا، يظهر أن المستفيد الرئيسي في هذا الصراع يقع بعيد جدًا عن ساحة المعركة؛ حيث تجني الولايات المتحدة مكاسب جيوسياسية واقتصادية وعسكرية وسياسية غير المسبوقة، دون إرسال جندي واحد أو إطلاق طلقة واحدة.

ولكي تحافظ الولايات المتحدة على قيادتها (في ضوء تصاعد التنافس مع قوة عظمى أخرى هي الصين) كانت بحاجة إلى استعادة هيمنتها على العالم الغربي وفرض الانضباط فيه. وتم تحقيق ذلك الآن، حيث وضع الجميع أنفسهم تحت المظلة الأمريكية - سواء كان ذلك بحماسة أم لا - بدءًا من أوروبا، التي دفنت تطلعاتها للاستقلال.

عقود الطيران والغاز

تحمي الولايات المتحدة الدول الغربية تحت مظلة الناتو؛ وهي المنظمة التي كانت تتعرض لانتقادات قوية، واعتبر الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" أنها "ميتة إكلينيكيًا" منذ وقت قريب، لكن الحرب الأوكرانية أعادت تأهيل الناتو في نظر الجمهور الغربي.

وعززت التوترات الدولية التي أنشأتها الحرب مبيعات الأسلحة في جميع أنحاء العالم، وهي الأسلحة التي تشترى من الولايات المتحدة بالطبع. ووعدت واشنطن بمساعدات عسكرية بمليارات الدولارات لأوكرانيا، ولكن لا شك أن الأمريكيين سيضمنون أن يحصلوا على حصة الأسد لأنفسهم من خلال عقود الأسلحة، كما سيتم تزويد الأسلحة الأمريكية بوفرة لعملاء آخرين للولايات المتحدة.

وفي مجال الطيران، تم الإعلان عن عقود كبرى بعد فترة وجيزة من غزو روسيا، من بينها شراء ألمانيا لما يصل إلى 35 طائرة "F-35A"، وهو عقد يحتمل أن تكون قيمته أكثر من 8 مليارات دولار. وتخطط كندا أيضًا لشراء  88 طائرة "F-35" بتكلفة حوالي 15 مليار دولار، في حين أعلنت فنلندا في أواخر العام الماضي عن طلب 64 طائرة بتكلفة حوالي 10 مليارات دولار.

وفي الوقت نفسه، اجتاحت العديد من الدول الأوروبية حمي حقيقية من عمليات شراء الأسلحة من جميع الأنواع. فقد أعلنت ألمانيا عن إنشاء صندوق خاص بقيمة 100 مليار دولار لترقية جيشها، وسيشمل هذا بلا شك شراء الأسلحة والمعدات، وينتظر مصنعو الأسلحة الأمريكيون الطلبات.

وحققت الولايات المتحدة أيضًا معجزة بفضل الحرب في أوكرانيا، حيث استبدلت الغاز الروسي الرخيص بالغاز الأمريكي باهظ الثمن. فقد تضاعفت صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى أوروبا في النصف الأول من عام 2022، وتجاوز جميع الصادرات في عام 2021.

وأدى هذا الموقف إلى سلسلة من الاضطرابات الكبيرة في أوروبا؛ وأصبحت التوترات السياسية والاجتماعية غير محتملة، وخسرت النخب السياسية التقليدية أرضيتها مع نمو قوة الشعبويين. وأدت هذه الآليات الاجتماعية السياسية إلى سلسلة من ردود الفعل التي يصعب السيطرة عليها.

فقدان الحكم الذاتي والهوية

تشير هذه التطورات بقوة إلى أن الخاسر الأكبر في هذه الحرب (بعد أوكرانيا نفسها) سيكون أوروبا. ومن خلال انحيازها طواعية للولايات المتحدة، تفقد أوروبا كلاً من استقلالها وهويتها. وتريد الدول الأوروبية تجنب نقد حاميها الأمريكي، لكن الوضع أصبح صعبًا للغاية لدرجة أن القادة الأوروبيين أصدروا مؤخرًا تنبيهًا.

ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أشار "ماكرون" إلى أن منتجي الغاز الأمريكيين كانوا يفرضون أسعارًا على العملاء الأوروبيين أعلى عدة مرات من تلك المفروضة على العملاء الأمريكيين. وذهب وزير المالية الفرنسي "برونو لو ماير" إلى أبعد من ذلك، حيث تجرأ على التصريج بأن "الصراع في أوكرانيا يعزز الهيمنة الاقتصادية الأمريكية والضعف الأوروبي".

لكن هذا الخطاب، الذي كان يهدف إلى التأثير على الرأي العام الفرنسي، لا يمكن أن يخفي الواقع المر الذي يحمل مخاطر الركود والتضخم وصعود الشعوبية والانقسامات.

ونظرًا لعدم قدرتها على التأثير على مسار الأحداث، سيتعين على أوروبا إطاعة "الأخ الأكبر" الأمريكي، لكن الخلافات تتصاعد بشأن مسألة الغاز.

وإذا كانت أوروبا هي الخاسرة في حرب أوكرانيا، فإن ألمانيا هي الضحية الرئيسية لها؛ إذ إنه بصفتها المحرك الاقتصادي للقارة، أصبحت ألمانيا المركز الفعلي لأوروبا. وكشفت أزمة أوكرانيا عن نقاط ضعف ألمانيا، ويبدو أنها متجهة إلى الركود. وإذا حدث هذا، فيمكن أن تنزلق أوروبا بأكملها.

المقاومة الروسية للصدمة

يبقى أن نرى تأثير الحرب على أوكرانيا وروسيا. بالنسبة لموسكو، فإن النتائج متباينة؛ فعلى الرغم من قوة الجيش الروسي، لم يتمكن من القيام تنفيذ عملية سريعة وفرض شروطه على أوكرانيا على الفور. وقد أدى غزوه إلى تعزيز التقارب بين أوكرانيا والناتو، وأظهر حدود العمل العسكري، حتى لو كان بقوة كبيرة.

وتخاطر روسيا أيضًا بوقوع انفصام دائم عن أوروبا، سيكون ها مكلفًا، لكنه سيسمح لروسيا بالمراهنة أكثر على عمقها الاستراتيجي في آسيا، والتحول نحو الصين والهند، وهما القوتان الاقتصاديتان الرئيسيتان في القرن الجديد؛ بالإضافة إلى المراهنة على خاصرتها الجنوبية، حيث توجد القوى الصاعدة تركيا وإيران.

لكن روسيا تحملت الصدمة في المجال الذي كانت تعتبر هشة فيه؛ وهو الاقتصاد. ورغم العقوبات المتتالية التي فرضتها الدول الغربية، تعافت العملة الروسية، وتزايدت الإيرادات الخارجية بالرغم من انخفاض حجم صادرات الغاز، وتوقع صندوق النقد الدولي انكماشًا في الناتج المحلي الإجمالي لروسيا بنسبة 3.4%، بعيدًا عن التنبؤات السابقة بالانهيار الاقتصادي التام. ولا يأخذ هذا في الاعتبار مكاسب روسيا من الأراضي في شرق أوكرانيا.

في النهاية، ستكون أوكرانيا الخاسر الأكبر في هذه الحرب؛ فبعد خسارة شبه جزيرة القرم في عام 2014، فقدت أراضٍ جديدة، بينما تجد نفسها في وضع العداء والتهديد المستمر من جارتها.

كما تعاني أوكرانيا من العواقب التقليدية للحرب: فقدان الأرواح، وتدمير البنية التحتية والنسيج الاجتماعي، وتشريد السكان، وعسكرة الحياة الاجتماعية والسياسية، وانتشار الأسلحة، والاعتماد على دول الأجنبية، وما إلى ذلك.

في الوقت الحالي، تتمتع أوكرانيا بدعم حيوي من الدول الغربية، يجعل من الممكن إخفاء الأضرار الداخلية الهائلة، لكن التكلفة مرعبة بالفعل. وتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش اقتصاد أوكرانيا بنسبة 35% هذا العام، مع تقدير الأضرار التي سببتها الحرب بمئات المليارات من الدولارات. ولن تغير خطابات الحرب البطولية هذا الواقع.

المصدر | عابد شريف | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

حرب أوكرانيا أوروبا ألمانيا أزمة الغاز الولايات المتحدة روسيا الناتو عقوبات اقتصادية مبيعات أسلحة

استياء أوروبي من تربح الولايات المتحدة جراء حرب أوكرانيا