هل نجح السيسي في إعادة مصر إلى مكانتها بين دول العالم؟

الاثنين 5 ديسمبر 2022 09:56 ص

رغم المعارضة بوجه الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، وسجل مصر المريع في انتهاك حقوق الإنسان، والإخفاقات في ملف سد "النهضة"، والوضع الاقتصادي المتردي، وفقدان هامش المناورة في القضايا الخليجية، إلا أن القاهرة استعادت أيضا بعضا من نفوذها الضائع خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع دول الغرب وروسيا والصين، وجاء ذلك مدفوعا بحوافز قدمتها إما عبر مشتريات السلاح أو منح الاستثمارات. 

هكذا خلصت دراسة لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، قالت إن سجلّ السياسات المصرية في ليبيا وإثيوبيا شهد تفاوتا ملحوظا، قبل أن تعود مصر كلاعبٍ إقليمي رئيسي مستغلة موقعها الإستراتيجي وروابطها الإقليمية وسلكها الدبلوماسي المخضرم لدفع مصالحها الإقليمية والدولية قدما.

وتعتبر الدراسة أنّه على الرغم من مجموعة النجاحات التي حقّقتها السياسةُ الخارجية المصرية في عهد "السيسي" واستعادة مصر بعضا من نفوذها، تستمرّ المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المحلية في عرقلة تطلّعات مصر وطموحها في تأدية دورٍ أوسع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقالت الدراسة إن أحد العوامل التي سمحت لمصر باستعادة نفوذها إلى حدّ ما هو استراتيجية المزج بين القوة الناعمة والقوة الصلبة؛ حيث كثّف "السيسي" من إنفاقه على الدفاع، وأصبحت مصر ثالث أكبر مستورد للأسلحة في العالم بين العامين 2016 و2020.

ولفتت إلى أنه وراء شراء الأسلحة غرضٌ مزدوج، أولا تحديث المعدات والعتاد العسكرية القديمة، وثانيا الاستفادة من عمليات الشراء لكسب دعم الشركاء الدوليين على غرار فرنسا وألمانيا.

ليبيا

شكّلت ليبيا تحدياً رئيسيا لـ"السيسي" في مجالَي الأمن والسياسة الخارجية، وسط تخوفات من تصدير الحرب الأهلية، وامتدادها إلى أراضيها.

وأمام ذلك، دعمت مصر بقوة المشير "خليفة حفتر" في وجه حكومة الوفاق الوطني، وساندته في "عملية الكرامة" التي أطلقها بهدف استعادة العاصمة طرابلس والتي باءت بفشلٍ ذريع.

ومع تدخل تركيا في الصراع، ثارت مخاوف القاهرة، ليخرج "السيسي" في سبتمبر/أيلول 2020 ليعلن أن خطَّ "سرت–الجفرة" بمثابة "خط أحمر”، مشدِّدا على أهمية أمن مصر القومي.

وفي اعترافٍ لتبدّل الوضع على الأرض، غيّرت مصر سياستها في ليبيا، وتراجعت عن دعمها المطلق لـ"حفتر"، واعتمدت مقاربةً أكثر براجماتية من خلال تبديل موقفها، لتعلن تأييدها إطلاق حوار مع حكومة الوفاق الوطني، وخليفتها حكومة الوحدة الوطنية برئاسة "عبدالحميد الدبيبة".

قبل أن تعود مصر من جديد، لتأييد حكومة "فتحي باشاغا"، مع نهج أكثر تصالحا مع مختلف الأطراف، خشية عودة الاشتباكات واتّساع رقعتها، مع استقبال الرئيس الجزائري "عبدالمجيد تبون" لـ"الدبيبة"، في إشارةٍ إلى دعم الجزائر له في وجه "باشاغا".

شرق المتوسط

وليس بعيدا عن ليبيا جاء اكتشاف حقل ظهر للغاز في البحر المتوسط عام 2015، ووجود مرافق معالجة الغاز الطبيعي المسال في إدكو ودمياط، ليجعل مصر مركزا للطاقة.

وسعيا لتحقيق هذا الهدف، تعاونت مصر مع اليونان وقبرص الرومية وإسرائيل تعاونا وثيقا أكان بشكلٍ ثنائي أم متعدد الأطراف، لتتقارب هذه البلدان في إطار استراتيجية ثلاثية لتصدير الغاز مع اليونان وإسرائيل لتعزز طموح مصر بأن تصبح مركزا إقليميا للغاز.

وسعت مصر إلى تأسيس منتدى غاز شرق البحر المتوسط، وتمّ التوقيع عليه في حفلٍ عبر الإنترنت في سبتمبر/أيلول 2020، باستثناء تركيا.

وفيما تمكنت مصر من توثيق علاقاتها مع اليونان وقبرص الرومية في الحوض الشرقي للبحر المتوسّط، لم ينطبق ذلك على العلاقات المصرية التركية، التي توترت عقب الإطاحة بالرئيس المصري الراحل "محمد مرسي" عام 2013، وازدادت سوءا عندما وقّعت تركيا على اتفاق حول الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني الانتقالية في ليبيا.

ولاحقا، أدركت تركيا عزلتها المتنامية فغيّرت مقاربتها في الحوض الشرقي للبحر المتوسّط بالتماشي مع التوجّه الإقليمي نحو التهدئة، وخفّفت من حدّة التوتّر مع عددٍ من البلدان، ومن ضمنها مصر.

سد النهضة وإثيوبيا

تعتبر الحكومة المصرية سد النهضة الإثيوبي الكبير، مسألةً أساسية؛ نظرا للأهمية التي يكتسبها نهر النيل بالنسبة إلى المياه والأمن الغذائي المصريين.

وبعد تسلّم "السيسي" مقاليد السلطة، عُقدت الجولةُ الأولى من المفاوضات مع إثيوبيا والسودان عام 2015، وصدقوا على "إعلان مبادئ"، قبل أن تواصل إثيوبيا بناء السد، ليظهر الخلاف بين البلدين ومعهما السودان للعلن في 2019.

وبوساطة الولايات المتحدة والبنك الدولي، دعت مصر للتعاون مع إثيوبيا بهدف وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق يضمن مصالح الجميع، وقطعت المفاوضات شوطا كبيرا، وكانت الولايات المتحدة على وشك الإعلان عن توسّطها في إبرام اتفاق يضع حداً للصراع، لكن عندما تمّ عرض الاتفاق النهائي الذي يضمن حق إثيوبيا في استخدام مياه نهر النيل، رفضته إثيوبيا.

أُجريت المفاوضات بعد ذلك عبر وساطة منظمة الوحدة الأفريقية، إلّا أنّ أديس أبابا أعلنت أنّ المرحلة الأولى من ملء السدّ قد أتمّت.

ولم تتّخذ مصر أي خطوات مهمة ضد إثيوبيا، واقتصر ردّها على استنكار ملء السدّ من دون موافقتها، وهو ما تكرر من الملء الثاني للسد أيضا.

أمّا محاولات مصر استعادة الوضع السابق من خلال اللجوء إلى مجلس الأمن والوحدة الأفريقية والولايات المتحدة وعدة دول أفريقية وعربية، فهي لم تفضِ إلى أي نتيجة تُذكر في الأمد البعيد.

ولمّا كانت الخيارات العسكرية محدودة، فقدت مصر ورقتها التفاوضية في أفريقيا وباتت مرغمة على التأقلم مع الوجود الدائم لسدّ النهضة الإثيوبي الكبير والخطر الذي يمثّله على الأمن المائي لمصر.

الغرب وأمريكا

في أعقاب الإطاحة بـ"مرسي"، كان هدف "السيسي" الأول والفوري تكريس الشرعية الدولية للحكومة الانتقالية وتبديد مخاوف الشركاء الغربيين.

ونجحت مصر في إعادة دوزنة علاقاتها الثنائية مع أوروبا فلجأت إلى التجارة وشراء الأسلحة لاستئناف روابطها مع عدة عواصم أوروبية، بالتالي أعادت البلدان الأوروبية العلاقات مع مصر، نظراً لأهمية الروابط الاقتصادية والأمنية معها.

في الواقع، لا تقدّم مصر سوقا مربحة للأسلحة الأوروبية فحسب، بل تستقطب عدة استثمارات أوروبية.

كما تمكّنت الحكومة المصرية أيضا من الاستفادة من أزمة المهاجرين والمخاوف الأوروبية من الهجرة غير النظامية والإرهاب لصالحها.

ولاحقا، استقبلت بعض العواصم الأوروبية "السيسي" بصفته زعيما نجح في المحافظة على الاستقرار في الجوار الجنوبي.

أمّا فيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية المصرية في المرحلة الانتقالية ما بعد "مرسي"، عبر الرئيس حينها "باراك أوباما" عن قلقه حيال قرار الجيش الإطاحة بـ"مرسي" وتعليق الدستور، ودعا الجيش إلى "تسليم كامل السلطة إلى حكومةٍ مدنية منتخَبة ديمقراطياً بأسرع وقتٍ ممكن".

وبعد أشهر، قام وزير الخارجية الأمريكي حينها "جون كيري" بزيارةٍ إلى مصر، وأشاد بالحكومة الانتقالية.

وفي أعقاب تجميد أولي للمساعدة العسكرية، انتخُب "السيسي" رئيساً عام 2014، واستؤنفت المساعدات وتمّ الإفراج عن 575 مليون دولار.

والتقى "أوباما" نظيره "السيسي" في العام 2014، وشدّد على أهمية العلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة ومصر التي اعتبرها جزءاً لا يتجزأ من سياسات الولايات المتحدة الأمنية في المنطقة.

أُزيلت كلّ علامات البرودة من العلاقات في خلال عهد الرئيس "دونالد ترامب"، فبعدما وصف "ترامب" لنظيره "السيسي" بـ"ديكتاتوره المفضّل"، سارع إلى الإعراب عن اهتمامه بمعاودة العلاقات الإيجابية بين مصر والولايات المتحدة بعد انتخابه.

وخلافاً لـ"أوباما" الذي رفض استقبال "السيسي" في البيت الأبيض (فالتقاه في مقر الأمم المتحدة)، كان "السيسي" من الرؤساء الأوائل الذين استقبلهم "ترامب" في البيت الأبيض.

إلّا أنّ ذلك لم يُثنِ الكونجرس عن ممارسة ضغوط على مصر بسبب سجلّها فيما يتعلق بحقوق الإنسان، فقدّمت الحكومة المصرية بعض التنازلات وأطلقت سراح الناشطة المصرية الأمريكية "آية حجازي" في العام 2018.

ولاحقا، مارست إدارة "جو بايدن" ضغوطاً على الحكومة المصرية فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحجبت عنها بعض المساعدات، لكن سرعان ما وافقت على إبرام صفقة أسلحة مع مصر بقيمة 2،5 مليار دولار.

وعلى غرار مقاربتها إزاء أوروبا، بدّلت مصر موقفها ودورها الإقليمي وجهودها للوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في غزة بهدف استمالة إدارة "بايدن" لصالحها.

الصين وروسيا

أعطى "السيسي" بعد تبوّئه سدّة الرئاسة، الأولويةَ للانخراط مع القوى الغربية القائم على أساس المصلحة، لكن العلاقات الثنائية مع الصين وروسيا شهدت تقاربا وتعمقا.

وشهدت العلاقات المصرية الصينية في عهد "السيسي" تحسنا ملحوظا، وازدادت متانةً بعد زيارةٍ قام بها الأخير إلى الصين عام 2014؛ حيث وقّع على اتفاق شراكة استراتيجية شاملة.

وبفضل موقعها الإستراتيجي، فإن مصر جزءٌ من مبادرة الحزام والطريق وتستقطب استثمارات صينية كثيرة، لا سيما في منطقة قناة السويس.

وقد عملت مصر أيضاً على تنويع مصادرها للسلاح، فكثّفت شراءها لأنظمة الأسلحة الصينية في موازاة لجوء عدد من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى الصين كمزوِّدٍ للأسلحة.

أما فيما يتعلق بروسيا، لم تكن العلاقات بين رئيسها "فلاديمير بوتين" و"مرسي" دافئة، إذ خشي الروس أن تُساهم إدارةٌ يحكمها الإخوان المسلمون في تشجيع المقاتلين الشيشان.

وبالتالي، عندما تسلّم "السيسي" مقاليد الحكم، سارع "بوتين" إلى تأييده، وأبرمت روسيا عدداً من صفقات الأسلحة الكبرى مع مصر، بالإضافة إلى اتفاقٍ ضخم لبناء أول محطة للطاقة النووية في البلاد بكلفة 25 مليار يورو من المتوقّع أن تحتوي على أربعة  مفاعلات بقدرة 1200 ميغاواط.

ولكن لا تخلو العلاقات بين البلدين من التوتّر، لا سيما أنّ روسيا لم تدعم موقف مصر من سدّ النهضة الإثيوبي الكبير.

الخليج

عندما اندلعت الثورات العربية في العام 2011، شعرت الدول الخليجية بالقلق حيال استقرار مصر، ودقّت ناقوس الخطر لا سيما في بلدان مثل السعودية والإمارات، إزاء احتمال صعود الأحزاب الإسلامية.

وتحقّقت هذه المخاوف مع انتخاب "مرسي"، فشهدت ولايته نوعا من عدم الارتياح بين القاهرة من جهة، والرياض وأبوظبي من جهةٍ أخرى.

وبعد الإطاحة بـ"مرسي"، قدّمت السعودية والإمارات والكويت دعماً لمصر بقيمة 22 مليار دولار على شكل هبات واستثمارات وودائع في البنك المركزي المصري، مما ساهم في تحقيق استقرار اقتصادي.

وعلى الرغم من أنّ مصر تمكّنت من المحافظة على مواقفها المستقلّة عن السعودية حيال اليمن وسوريا، إلّا أنّها نقلت ملكية جزيرتي تيران وصنافير للمملكة.

وتدخّلت السعودية والإمارات وقطر أيضاً في الأزمات الاقتصادية الحديثة وتعهّدت بتقديم زهاء 22 مليار دولار لمصر.

وقد أدّى هذا الدعم المالي إلى فقدان مصر لبعض من هامشها للمناورة حيال الحلفاء الخليجيين، لا سيما مع السعودية والإمارات.

تحديات اقتصادية

ومع هذا التقدم في العلاقات السياسية الخارجية، إلا أنّ التحديات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية، وفق الدراسة، ما زالت تمثّل الخطر الأكبر الذي يُحدق بطموحات مصر وتطلّعاتها.

ورغم أن مصر نفذت برنامجا إصلاحيا طموحا في مطلع عهد "السيسي"، فحقّقت بالتالي نموا اقتصاديا ملحوظا، إلّا أنّ الاقتصاد يشهد اليوم ركودا في ظل الخضّات الخارجية المتعدّدة، بما فيها جائجة فيروس "كورونا" المستجدّ والحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا.

ولعلّ تأثير هذه الحرب على الأمن الغذائي العالمي يُثير قلق مصر بصورةٍ خاصّة، خاصة أن ثلث المصريين يعيشون تحت خظ الفقر، وتعاني البلاد تضخّماً حادّاً ينعكس بشدّة على فئات المجتمع الأكثر حرماناً.

علاوة على ذلك، فإن نسبةً كبيرة من النمو الذي شهدته السنوات القليلة الفائتة تم تمويلها من خلال الديون؛ مما أدّى إلى تسجيل مصر إحدى أعلى نسب الدين إلى إجمالي الناتج المحلي في العالم.

وبالتالي من أجل استقطاب الدولارات الأمريكية إلى السوق المصرية، اعتمدت الحكومة المصرية على ما يُسمى بـ"الأموال الساخنة"، التي تسعى وراء فرص تحقيق عوائد أكبر في الأسواق الناشئة.

في أكتوبر 2022، توصّلت مصر مع صندوق النقد الدولي إلى اتفاقٍ بشأن "السياسات والإصلاحات الاقتصادية الشاملة" التي سيتم دعمها بترتيب تسهيل صندوق النقد الدولي لمدة 46 شهراً بقيمة 3 مليارات دولار.

ويدلّ هذا الاتفاق، مقرونا بدعمٍ خليجي، على الثقة في الاقتصاد المصري وفي سلسلة الإصلاحات التي تقودها الحكومة المصرية.

لكن هناك شعوراً بأنّ التاريخ يُعيد نفسه في الوقت الذي ترزح فيه مصر تحت أزمات متعاقبة وفي ظلّ غياب أي نموذجٍ اقتصادي شامل وقابل للاستمرار.

وفي الأمد القصير، ستساهم المساعدات المالية التي يقدّمها صندوق النقد الدولي والحلفاء الخليجيون في تحقيق استقرارٍ اقتصادي، بيد أنّ هذه الضغوط الاقتصادية ستنعكس في الأمد البعيد على الاستقرار الداخلي وبالتالي تكبح جماح تطلّعات مصر إلى الاضطلاع بدورٍ أبرز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

المصدر | الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

السيسي سياسة خارجية أزمة اقتصادية مصر مرسي ليبيا تسليح أمريكا سد النهضة