تغير المناخ يدفع الإمارات والسعودية لتبني نهج متناقض

الأربعاء 18 يناير 2023 11:35 ص

شهدت السنوات الماضية تأثيرا متزايدا لتغير المناخ في جميع أنحاء العالم، وتزامن ذلك مع قبول متزايد بشأن ضرورة عمل المجتمعات على معالجة تغير المناخ الآن إذا كان العالم يسعى إلى تجنب عواقب مستقبلية مأساوية.

وأصبح هناك شبه إجماع على أن إزالة الكربون من الاقتصاد العالمي عامل رئيسي في التخفيف من آثار تغير المناخ، لكن الاقتصاد العالمي لا يزال يعتمد على الوقود الأحفوري، وقد ثبت أن مثل هذه المهمة تزداد صعوبة، خاصة بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد بشكل كبير على عائدات الوقود الأحفوري وتدرك تمامًا الآثار السلبية لتغير المناخ في ذات الوقت.

ومن بين دول مجلس التعاون الخليجي، تبرز الإمارات والسعودية كدولتين أكثر حرصًا على التعامل مع تغير المناخ، لكن التعامل مع هذه المشكلة تأتي بثمن باهظ حيث تتظلب تخفيض إنتاج النفط والغاز.

وتدعو اتفاقية باريس، التي وقّعت عليها جميع دول مجلس التعاون الخليجي، جميع الدول إلى خفض استهلاك الوقود الأحفوري بشكل كبير في المدى القريب. ومع ذلك، قالت السعودية والإمارات مؤخرا إن اتخاذ إجراءات مناخية وطنية لا يعني بالضرورة وقف إنتاج الوقود الأحفوري. وبدلاً من ذلك، تعمل الإمارات والسعودية على توسيع مبادراتهما المتعلقة بتغير المناخ، مع زيادة إنتاج الوقود الأحفوري بشكل كبير.

ومن الواضح أن اقتصادات دول الخليج تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري حيث تقع جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست ضمن البلدان الثمانية الأولى التي لديها أكبر نسبة انبعاثات للفرد من ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم.

في الوقت نفسه، يشكل تغير المناخ تهديدات كبيرة لدول الخليج، بما في ذلك تزايد موجات الحرارة، وفقدان التنوع البيولوجي، وخطر الإجهاد المائي، وهي مشكلة ستزداد عمقًا مع استمرار أزمة المناخ. لذلك، فإن معالجة قضية تغير المناخ إجراء ضروري للأنظمة الخليجية، لكن في نفس الوقت يهدد ذلك المحرك الرئيسي لنموها الاقتصادي.

وبذلت الإمارات جهودا كبيرة لتصوير نفسها على أنها الدولة الأكثر نشاطًا في العمل المناخي في الخليج. وداخل دول مجلس التعاون الخليجي، كانت الإمارات أول دولة تلتزم بصافي انبعاثات كربونية صفرية بحلول عام 2050، وأول دولة أعلنت تخفيضات للانبعاثات، وكانت من أوائل دول الخليج التي أنشأت وزارة للمناخ.

وتعد أبوظبي هي المقر الرئيسي للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) وستستضيف دبي مؤتمر المناخ السنوي الثامن والعشرون"كوب28" في عام 2023. وبصرف النظر عن الالتزامات المتعلقة بتغير المناخ والجهود الدبلوماسية، اتخذت الإمارات خطوات عملية نحو تحقيق صافي انبعاثات صفرية.

واستثمر الإماراتيون ما يزيد عن 40 مليار دولار في الطاقة النظيفة، ومن المتوقع أن تصل الطاقة الشمسية إلى 20 جيجاوات بحلول عام 2030. وتهدف أبوظبي إلى تزويد 100 مليون شخص في إفريقيا بالكهرباء النظيفة بحلول عام 2035، وقد وقعت اتفاقية لتطوير واحدة من أكبر مشاريع طاقة الرياح في العالم في مصر، وقد دخلت في شراكة مع الولايات المتحدة لتوفير 100 مليار دولار من الاستثمارات لتطوير 100 جيجاوات من الطاقة النظيفة على مستوى العالم بحلول عام 2035.

لكن في حين أن الإمارات قد خطت خطوات كبيرة نحو العمل المناخي ووضعت نفسها كرائدة مناخية في الخليج، فإنها لم تنس المورد الذي يشكل العمود الفقري لاقتصادها. وبعد أسابيع قليلة من الكشف عن أحدث مبادراتها للطاقة النظيفة خلال "كوب27"، قدمت الإمارات أيضًا خططها لزيادة إنتاجها النفطي بشكل أسرع مما كان مخططًا له سابقًا، حيث تخطط شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" لزيادة طاقتها الإنتاجية من 3.5 مليون برميل يوميًا إلى 5 ملايين برميل بحلول عام 2027.

وبينما ستستضيف الإمارات "كوب28" في عام 2023، مما يضع البلاد في دائرة الضوء، لم تتأخر السعودية كثيرًا في عرض مبادراتها المتعلقة بتغير المناخ حيث تعهدت المملكة بتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2060، وأن تكون "أرامكو" السعودية محايدة كربونيا بحلول عام 2050.

وخلال مؤتمر "كوب27"، وعد القادة السعوديون بتخصيص 2.5 مليار دولار لدعم مبادرة الشرق الأوسط الخضراء وقدموا ما مجموعه 66 مبادرة لمعالجة تغير المناخ.

ومثل الإمارات، فإن هدف السعودية في أن تصبح أكثر صداقة للبيئة لا يتجاهل العامل الأساسي لثروة البلاد. وتخطط الرياض لتوسيع طاقتها الإنتاجية الحالية من النفط بأكثر من مليون برميل يوميًا بحلول عام 2027. وفي الوقت نفسه، تضغط الرياض بشدة لعرقلة الاتفاقات الدولية لخفض استهلاك النفط. وبدلاً من ذلك، ركزت على تطوير ونشر تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه.

وتهدف كل من السعودية والإمارات إلى توسيع مبادراتهما المتعلقة بتغير المناخ مع زيادة إنتاج الوقود الأحفوري بشكل كبير على المدى القريب، حتى مع مطالبة علماء تغير المناخ والمؤسسات الرائدة بخفض الانبعاثات بشكل كبير.

ويولد هذا الواقع البسيط شكوكًا حول التزام الدول بعالم ما بعد النفط حقًا. وتدعي كل من الإمارات والسعودية أنهما تتخذان نهجًا عمليًا تجاه تغير المناخ دون تعريض اقتصاداتهما للخطر قدر الإمكان. ومع ذلك، يجري اتهام البلدين بـ"الغسيل الأخضر" أو ما يعني الالتفاف التسويقي الذي يهدف للتضليل بشأن الاهتمام بالمناخ.

ويعد نزع الكربون عن نظام الطاقة العالمي أمرًا ضروريًا إذا كانت الدول جادة في تحقيق أهداف التخفيف من آثار تغير المناخ. ومع ذلك، فإن مطالبة الدول التي تعتمد على عائدات الوقود الأحفوري بالقيام بذلك أمر صعب. إن مطالبة دول الخليج بالتخلي عن مصدر دخلها الرئيسي ليس طلبا واقعيا. ويعد النهج الذي اتبعته الإمارات والسعودية بشأن العمل المناخي في الأشهر والسنوات الماضية مزيجا بين التفاؤل والبراجماتية.

فمن ناحية، تصور البلدان نفسيها كقادة مناخ مع مبادرات وأحداث وأنشطة مناخية مهمة تركز على الترويج لاستراتيجيات التخفيف من تغير المناخ. ومن ناحية أخرى، لا تزال كل من أبوظبي والرياض تهدفان إلى زيادة إنتاج كل منهما من الوقود الأحفوري، وتراهنان على الحاجة إلى المزيد من الموارد الهيدروكربونية في المستقبل.

وبالرغم أن العالم يجب أن يبدأ في خفض استهلاكه للوقود الأحفوري بنسبة 6% سنويًا للوصول إلى الأهداف المنصوص عليها في اتفاقية باريس، فإن الإجراءات الإماراتية والسعودية تشير إلى هذا الانتقال سيكون صعبا على أرض الواقع.

ومن الصعب تحديد ما إذا كان النهج السعودي والإماراتي عمليا أم مجرد "غسيل أخضر". ومن الواضح أنه من مصلحة الدولتين الحد من تغير المناخ والوصول إلى الأهداف المنصوص عليها في اتفاقية باريس. وفي الوقت نفسه، فإن خفض إنتاج ومبيعات الوقود الأحفوري بشكل كبير في وقت كانت فيه دول كبرى مثل ألمانيا والولايات المتحدة تتوسل إلى الخليج لتزويدها بمزيد من النفط والغاز، ليس له معنى اقتصادي.

لكن مع استضافة دولة الإمارات مؤتمر "كوب28" في عام 2023، سيتم وضع مزيد من التدقيق على سياسات تغير المناخ غير المتسقة لدول مجلس التعاون الخليجي، مما يترك مجالًا أقل للدول للتهرب من التزاماتها.

المصدر | إيان جرانيت | منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

الإمارات السعودية كوب28 الوقود الإحفوري الطاقة المتجددة الحياد الكربوني انبعاثات صفرية

لمناخ مستدام.. السعودية تطلق شركة إقليمية لتداول الكربون

لخفض انبعاثات الكربون.. سابك تبني أول وحدة تكسير بخاري بالكهرباء الخضراء