توافق سوداني إثيوبي حول سد النهضة.. أين مصر؟

الاثنين 30 يناير 2023 09:10 ص

أعلن السودان اتفاقه مع إثيوبيا بشأن جميع قضايا مشروع "سد النهضة"، الذي تراه مصر بمثابة "تهديد وجودي"، ما يفتح باب التساؤل حول خلط الأوراق في القاهرة ومصيرها في الوقوف ضد السد منفردة.

والخميس، أجرى رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد علي" بزيارة مفاجئة من حيث التوقيت إلى العاصمة السودانية الخرطوم، هي الأولى له منذ عام 2020، حين توسّط بين قوى الحرية والتغيير من ناحية والمكون العسكري من ناحية أخرى، من أجل التوصل إلى اتفاق سياسي.

وتسببت زيارة "أبي أحمد" في خلط أوراق القاهرة بشأن الخرطوم، وملف سد النهضة الإثيوبي، بعدما أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي، ورئيس مجلس السيادة السوداني الفريق "عبدالفتاح البرهان" عن التوافق بشأن أزمة السد، إذ كانت تعول القاهرة كثيراً على وحدة القضية مع الخرطوم في مواجهة أديس أبابا.

ونقل بيان رسمي سوداني عن "البرهان"، قوله خلال القمّة إنّ "السودان وإثيوبيا متوافقان ومتّفقان حول كافة قضايا سدّ النهضة".

بالمقابل، نقل البيان عن "آبي أحمد" تأكيده أنّ "سدّ النهضة لن يسبّب أيّ ضرر على السودان، بل سيعود عليه بالنفع في مجال الكهرباء".

ومنذ 2011، تتفاوض مصر والسودان وإثيوبيا للوصول إلى اتّفاق حول ملء سدّ النهضة وتشغيله، إلا أنّ جولات طويلة من التفاوض بين الدول الثلاث لم تثمر حتى الآن اتفاقاً.

وكانت القاهرة والخرطوم تتحركان على مسار واحد في مواجهة العناد الإثيوبي في هذه القضية.

ورغم أنّ مصر والسودان حضّتا مراراً إثيوبيا على تأجيل خططها لملء خزّان السدّ إلى حين التوصّل لاتّفاق شامل، أعلنت أديس أبابا العام الماضي إنجاز المرحلة الثالثة من ملء خزّان السدّ الذي تبلغ سعته نحو 74 مليار متر مكعب من المياه.

واشتكت مصر العام الماضي من التعنت الإثيوبي، وطلبت من الولايات المتحدة التدخل في هذه القضية.

وبالنسبة إلى مصر، فإن السد يشكل تهديدا وجوديا، إذ تعتمد على النيل في حوالى 97 من مصادرها المائية.

من ناحيته، يأمل السودان في أن يسهم المشروع في ضبط الفيضانات السنوية، لكن يخشى أن تلحق أضرار بسدوده في غياب اتفاق حول تشغيل سد النهضة.

من جهتها، تصر أديس أبابا على أن السد لن يؤثر على حصص مصر والسودان من مياه النيل، وتطمح في أن يحقق المشروع تنمية اقتصادية، وأن يصبح السد أكبر مصدر للطاقة الكهرومائية في أفريقيا بقدرة إنتاج تبلغ 6500 ميغاواط.

ووفقاً لمعلومات حصلت عليها صحيفة "العربي الجديد"، فإن القاهرة كانت على علم من المسؤولين في الخرطوم بشكل مسبق بزيارة "آبي أحمد"، إلا أن "البرهان" الذي تربطه علاقة جيدة بالقاهرة، أكد أنه ليس في استطاعته إرجاء تلك الزيارة على الأقل في الوقت الراهن نظراً للضغوط السياسية الداخلية.

وحسب المعلومات أيضاً، فإن القاهرة كانت قد طلبت من "البرهان" إرجاء الزيارة، إذ ترى أنها تأتي في الوقت الذي دخلت فيه مصر على خط الأزمة السياسية السودانية الداخلية، عبر مبادرة لعقد تسوية سريعة قدمها السفير المصري في الخرطوم "هاني صلاح" في 11 يناير/كانون الثاني الحالي لـ"البرهان".

وجاءت هذه المبادرة بعد أيام قليلة من الزيارة التي أجراها رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء "عباس كامل" للسودان، والتي نقل خلالها رسالة من الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" لـ"البرهان".

ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي سابق متخصص في الشأن الأفريقي (شريطة عدم ذكر اسمه)، أن زيارة "آبي أحمد" في هذا التوقيت تأتي من أجل إجهاض التحركات المصرية الأخيرة على صعيد الساحة السودانية، سواء فيما يتعلق بالأزمة السياسية، وعرض مصر وساطتها عبر المبادرة التي تقدمت بها، أو فيما يتعلق بإدارة مياه نهر النيل.

واستدل الدبلوماسي السابق على رؤيته بشأن الهدف من زيارة "آبي أحمد" للخرطوم، بطبيعة اللقاءات التي أجراها هناك. ما يدل على أن رغبة لدى "آبي أحمد" في القيام بوساطة جديدة، تضمن له تواجدا فعالا في السودان، خلال الفترة المقبلة.

من جهته، أكد مصدر دبلوماسي مصري سابق آخر، أن ما يزيد من تعقيد زيارة "آبي أحمد" للمشهد بالنسبة للقاهرة في هذا التوقيت أنها تأتي في ظل دخول تركي مفاجئ في الملف السوداني، بعد زيارة رئيس المخابرات التركية "هاكان فيدان" للخرطوم أخيراً، ولقائه بـ"البرهان" ومدير المخابرات العامة السوداني الفريق أول "أحمد إبراهيم مفضل".

في مقابل ذلك، كشف دبلوماسي عربي في الجامعة العربية بالقاهرة، عن تراجع فرص نجاح الوساطة الإماراتية الجديدة بشأن أزمة سد النهضة.

كما أشار إلى أنه "كان مقرراً عقد لقاء في أبوظبي بين السيسي وآبي أحمد، إلا أن الحد الأدنى من بنود التوافق لم تتوفر".

ولفت إلى أن هذا "ما أدى إلى إرجاء اللقاء، مع إعطاء الجانب الإماراتي مزيدا من الوقت من أجل التوصل لاتفاق يقضي بالعودة إلى مائدة المفاوضات مجدداً".

وتعليقا على التقارب السوداني الإثيوبي، يقول مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق "فوزي العشماوي" إن "تصريح البرهان مهم وخطير وغريب".

ويعتبر "العشماوي" أن ما فعله السودان هو تخلٍ سافر عن التنسيق الواجب والمطلوب بين مصر والسودان في مواجهة التعنت والمراوغة الاثيوبية وتكرار قيامها بالملء الاول والثاني والثالث بدون التنسيق والاتفاق مع دولتي المصب.

ويتابع: "وحتي بافتراض ان السد سيفيد السودان في بعض الجوانب، فهو سيضرها كثيرا في جوانب اخري أهمها الإضرار بسدودها لو تم الملء أو التمرير بدون تنسيق مع السودان، فضلا عن التهديد الجسيم لملايين السودانيين في حال وجود اي مشاكل في البناء والتصميم وهو ما أثاره العديد من الخبراء السودانيين".

ويتساءل "العشماوي": لماذا كل هذا العزوف عن التنسيق بين السودان ومصر في مواجهة قضية مصيرية كهذه؟، ومتي يكون هناك مصارحة ومكاشفة تؤدي لتنسيق المواقف والقرارات؟".

ويتفق معه السياسي المصري "رضا عبدالسلام" حين قال إن ما حدث اليوم بأنه "تطور خطير".

ويضيف أن سد النهضة بالنسبة لاثيوبيا قضية قومية مثلما كان السد العالى قضية قومية لمصر، متابعا أن "أضرار مصر كارثية من سد النهضة".

ويلفت إلى أنه "من الوارد أن تساوم أديس أبابا مصر لبيع المياه لها".

ويزيد: "مصير مصر والسودان طيلة التاريخ واحد، وما فعله السودان غير مقبول"، داعيا المسؤولين السودانيين لتوضيح ما حدث.

وكان تقرير لمركز "كارنيجي"، قال قبل أيام، إن "النزاع الطويل الأمد حول سد النهضة الأثيوبي الكبير، لا يقتصر فقط على الموارد المادية وإنما يمتد إلى أبعد من ذلك".. وهو صراع على الهوية وهي "لعبة غالب ومغلوب".

ويشير التقرير إلى أنه مع تسارع وتيرة التغيّر المناخي، دخل نزاع النيل مرحلة جديدة من التعقيد، ما دفع بدول المنطقة إلى التنافس على المياه والغذاء وأمن الطاقة.

وعلى الرغم من هذا الخلاف في وجهات النظر، من الواضح أن سعي الطرفَين المتناحرين إلى الحفاظ على أمنهما الوجودي، أو الحفاظ على هوية الدولة، هو عاملٌ محرّك لنزاع النيل، وفق "كارنيجي".

وجاء بناء سد النهضة الأثيوبي الكبير، وهو مشروع للطاقة الكهرومائية غير الاستهلاكية تقوم أديس أبابا بإنشائه على نهر النيل، ليُفاقم تعقيدات العلاقة بين أثيوبيا ومصر، حيث تعتبر الدولة الأولى أن المشروع هو ضرورة وجودية لها، فيما ترى فيه الدولة الثانية تهديدًا وجوديًا لها.

ولكن هذا النزاع لا يدور فقط حول الموارد المادّية، بل يطال أيضًا هوية الدولتين بحد ذاتها.

المصدر | الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

سد النهضة مصر السودان إثيوبيا آبي أحمد
مقابلة جواد العناني