الخميس 28 يناير 2016 10:01 ص

عادة يطلق على ذلك الأمر حسابات التفاضل والتكامل السعودية.

كانت أسعار النفط تتجه بالفعل إلى الهبوط منذ 14 شهرا حينما قامت «أوبك»، مدفوعة بإصرار المملكة العربية السعودية، بإشعار سوق النفط العالمية بأنها دولها لن تحاول دعم الأسعار عن طريق خفض الإنتاج.

وقد قال «عبد الله البدري»، الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك»، للصحفيين في اجتماع المجموعة في نوفمبر/تشرين ثان في فيينا: «نحن لا نريد أن ننشر الذعر. نريد فقط أن نرى كيف سيتصرف السوق».

ومنذ ذلك الحين، فقد تصرف السوق بطريقة لم يتوقعها الكثيرون، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم. وقد انهارت أسعار النفط تحت وطأة التخمة الدولية المتنامية والتي تزداد سوءا بسبب تباطؤ الاقتصاد العالمي.

وقد حافظ السعوديون على ضخ النفط بكامل طاقتهم تقريبا، وقد أقنعوا حلفاءهم من دول الخليج الأعضاء في «أوبك»، الكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر، أن يفعلوا الشيء نفسه على الرغم من الضغوط المتزايدة التي مارسها سائر أعضاء «أوبك» الآخرين من أجل تقليص الإنتاج.

إنها استراتيجية محفوفة بالمخاطر، وهي من شأنها أن تسبب إجهادا كبيرا للمالية السعودية وتهدد من قدرة المملكة على الاستمرار في تقديم البرامج الاجتماعية السخية مثل الإسكان المدعوم والطاقة الرخيصة، والتي طالما استخدمتها العائلة المالكة من أجل شراء الهدوء الداخلي.

يوفر النفط أكثر من 70% من إيرادات الحكومة السعودية. وعلى الرغم من أن السعوديين لا يزالون يملكون قرابة 630 مليار دولار من الاحتياطيات النقدية، فإنهم ينفقونها بمعدل 5-6 مليارات دولار شهريا بحسب «راشيل زيمبا»، أحد المحللين في «روبيني» للاقتصاد العالمي في نيويورك.

ولكن حتى الآن، لا تزال المملكة العربية السعودية تراهن على أنها يمكنها الفوز في حرب الاستنزاف تلك، ليس فقط ضد المنافسين في «أوبك» مثل إيران والعراق وفنزويلا، ولكن أيضا ضد المنافسين من خارج المنظمة مثل روسيا والعديد من المنتجين للنفط الصخري في الولايات المتحدة الذين أسهموا في وفرة المعروض العالمي.

ويقول السعوديون إن قيامهم بخنق الإنتاج يعني تقديم طوق النجاة لمنتجي الصخري في الولايات المتحدة، الذين أظهر بعضهم بالفعل علامات على الذبول في ظل البيئة الحالية.

بالفعل، قام العديد من المنتجين في الولايات المتحدة بتقليص عدد منصات الحفر مع انتشار الإفلاس في رقعة النفط. ولكن الإنتاج اليومي كان أقل تأثرا حيث إن الآبار التي بقيت تعمل قد صارت أكثر كفاءة. إضافة إلى دخول مشروعات النفط الرئيسية في خليج المكسيك والتي تم تدشينها في عصر أسعار المائة دولار للبرميل إلى العمل.

وعلى رأس ذلك، فإن إيران قد صار بإمكانها الآن زيادة صادراتها النفطية بعد رفع العقوبات عنها جزئيا، ويحتمل أن تقوم برفع معدلات إنتاجها اليومي إلى ما هو أعلى بكثير من المعدلات الحالية التي تبلغ 2.9 مليون برميل يوميا.

مخاوف السعودية

مع عالم غارق في النفط، فإن السعوديين يخشون من أن خفض الإنتاج ليس من شأنه أن يصنع شيئا سوى التأثير سلبا على حصتهم السوقية التي تبلغ واحدا بين كل تسعة براميل للنفط يجري إنتاجها في جميع أنحاء العالم.

كل هذا يضاف إلى أسعار النفط التي من غير المحتمل أن ترتفع إلى مستويات أعلى كثيرا خلال أي وقت قريب. في حال لم تقرر المملكة العربية السعودية تغيير مسارها.

«إذا واصلت الأسعار الانخفاض، فسوف نكون قادرين على تحمل ذلك لوقت طويل» وفقا لـ«خالد الفالح» رئيس شركة أرامكو السعودية، شركة النفط الوطنية في المملكة، خلال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا.

يوم الأربعاء، تم تداول خام برنت عند مستوى حول 31.80 دولارا للبرميل مرتفعا عن أدنى مستوى له منذ 12 عاما والذي بلغ 27 دولارا خلال الأسبوع الماضي. ولكنه لا يزال منخفضا أكثر من 70% من قيمته التي بلغت 114 دولارا في منتصف عام 2014 قبل أن تبدأ موجة الانهيار في الأسعار.

وسواء أكانت تلك سياسة جريئة أو سياسة تدمير للذات كما يصفها البعض، فإنها تبدو براغماتية في كل الأحوال. مهما كان خيار السعودية بشأن إنتاجها النفطي، فإن جاريها المنافسين داخل أوبك، العراق وإيران، لديهما ما يكفي من الأسباب الاقتصادية والسياسية لمواصلة ضخ النفط. وروسيا، أكبر المنتجين خارج أوبك، تعاني بدورها أزمة مالية إثر انخفاض أسعار النفط والعقوبات الغربية التي لم تعطها خيارا سوى المحافظة على الإنتاج والحصول على أكبر قدر ممكن من العائدات.

كما أن السعوديين أيضا في حاجة إلى الحفاظ على مستوى عال من الإنتاج لدعم شبكة صادراتهم إضافة إلى المصافي المحلية ومتطلبات صناعة البتروكيماويات.

«من أجل الحفاظ على اقتصاد كفء من حيث الاستثمار لا يمكنك أن تدفع الإنتاج صعودا وهبوطا بمعدل نصف مليون برميل يوميا في كل مرة السوق يتطلب ذلك لدعم الأسعار»، وفقا لـ«سداد الحسيني» نائب الرئيس التنفيذ السابق لشركة أرامكو السعودية، والذي يدير الآن شركة الحسيني للطاقة، وهي شركة استشارية لها مكاتب في البحرين والمملكة العربية السعودية.

ومع ذلك، فإن السعوديين يعرفون أنهم يعيشون أوقاتا صعبة، وأن اعتمادهم على النفط قد جعلهم أكثر ضعفا.

في وقت الهياج السياسي الكبير في الشرق الأوسط، فإن تراجع أسعار النفط قد التهم عائدات التصدير التي دفعت النمو الاقتصادي في المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى في السنوات الأخيرة. تحدق المملكة العربية السعودية الآن في عجز الموازنة المتزايد في الوقت الذي تواجه فيه شبح الركود الاقتصادي.

وقد قامت الحكومة السعودية بالفعل بتقليص بعض الإعانات الاجتماعية السخية، كما قامت في الآونة الأخيرة بزيادة أسعار البنزين للمستهلكين. وعلى أمل إيجاد طريقة جديدة لتقييم الأصول النفطية والبدء في تنويع الاقتصاد المعتمد على النفط، فقد طرحت المملكة فكرة تعويم أسهم شركة أرامكو السعودية.

«أنا أشعر بالقلق .. يبدو أن هذه الاستراتيجية لا تعمل»، وفقا لـ«نور الدين آيت لوزين»، وزير الطاقة الأسبق في الجزائر، معلقا على التزام المملكة العربية السعودية تجاه استراتيجية الإنتاج المرتفع.

السيد «البدري»، الأمين العام لمنظمة «أوبك»، وهو ليبي الجنسية ، يبدو أنه قد شاهد بوضوح سلوك السوق لفترة طويلة بما فيه الكفاية. هذا الأسبوع، دعا «البدري» إلى جهد جماعي للحد من وفرة النفط العالمية.

وقال: «من الأهمية بمكان أن يجتمع جميع المنتجين الرئيسيين من أجل التوصل إلى حلول»، وفقا لكلمة ألقاها يوم الاثنين أمام مؤسسة «تشاتام هاوس» البحثية في لندن.

وتقوم فنزويلا بممارسة ضغوط ملحة من أجل عقد اجتماع طارئ لأعضاء المنظمة.

لكن السعوديين صامدون. قد أكد «الفالح» أن «استثماراتنا في في الطاقة من النفط والغاز لم تشهد تباطؤا».

لا يزال السعوديون يتحدثون حول حقبة الثمانينيات عندما قرروا القيام بدور المنتج المرجح عبر تقليص الإنتاج لدعم الأسعار، قبل أن ينتهي الأمر بخسائر كبيرة بالنسبة لهم عندما لم يسلك باقي المنتجين ذات الطريق. خوفا من انخفاض حصتها السوقية، فإن المملكة العربية السعودية تخوض الآن حرب الأسعار الخاصة بها.

ومع سيطرة «أوبك» على ثلث السوق العالمية، فإن السعودية تتمسك أيضا بإقناع المنتجين خارج المنظمة من أجل تبني هذه السياسة. ويقول محللون إن مثل هذه الصفقة قد يكون من الصعب ترتيبها على الرغم من أنها قد تصبح لازمة في نهاية المطاف.

«أستطيع أن أتخيل مجموعة من الظروف التي يمكن أن تتطور هذا العام، بما في ذلك انخفاض في الإنتاج الأمريكي، حيث سيجبر الألم الاقتصادي جميع الدول على العمل معا بحثا عن استقرار الأسعار»، وفقا لـ«جيسون بوردوف» مستشار الطاقة السابق في إدارة «أوباما» الذي يدير الآن مركز سياسات الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا.

ولكن السيد «بوردوف» ومحللين آخرين يقولون إنه، ومن منظور المملكة العربية السعودية، فإن هذا ليس الوقت المناسب للنظر في التخفيضات. ليس في الوقت الذي تستعد فيه إيران لدخول الأسواق العالمية وإغراق السوق بالإمدادات، وفي الوقت الذي تقوم فيه العراق بزيادة إنتاجها بسرعة كبيرة.

ومع ذلك، على الرغم من أن السعوديين يقومون بحرق احتياطياتهم المالية، فإنهم لا يواجهون خطر استنزافها في وقت قريب.

بسبب ذلك، يتوقع «بوشان باهري»، محلل شؤون أوبك في شركة استشارات الطاقة IHS في واشنطن، أن السعوديين سوف يواصلون مسيرتهم.

وقال السيد «بوشان»: «إذا كانت السعودية سوف تخفض الإنتاج من تلقاء نفسها فما هو القادم إذا .. سوف تنتج إيران أكثر وتنتج العراق أكثر.. النتيجة دفع الأسعار نحو تعافي محدود ومؤقت في مقابل خسارة جزء من الحصة السوقية قد لا يكون بالإمكان تعويضه».