الثلاثاء 24 نوفمبر 2015 12:11 ص

دفع الركود الكبير في أسعار النفط الخام الكثيرين إلى توقع انهيار اقتصادي وشيك في المملكة العربية السعودية. تحصل البلاد على أكثر من 80% من إجمالي إيراداتها من بيع الذهب الأسود، وفقا للأرقام الرسمية للحكومة.

على السعودية أن تغير بشكل واضح الطريقة التي تعمل بها، هناك حاجة لخفض الإنفاق إضافة إلى غير ذلك من التدابير من أجل معالجة العجز على مدى السنوات القليلة المقبلة.

لكن الأمور ليست بهذا السوء الذي ربما تبدو عليه للوهلة الأولى، تمكنت المملكة العربية السعودية من توفير الكثير من المال خلال فترات ارتفاع الأسعار طوال العقد الماضي.

ونتيجة ذلك فإن مع نهاية عام 2015 تظل احتياطيات المملكة النقدية تعادل أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي. وهو أمر أكثر من كاف لتغطية احتياجات البلاد الرئيسية من الواردات ودعم أي متطلبات للديون الخارجية في المستقبل، والدفاع عن ربط العملة (سعر الريال مقابل الدولار).

صحيح أن المملكة العربية السعودية قد أنفقت ما يقرب من 80 مليار دولار من احتياطياتها النقدية منذ بداية العام، ولكنه كان أمرا متوقعا بسبب التناقص في الإيرادات نتيجة لانخفاض أسعار النفط الخام. ولكن استنزاف الاحتياطي في الثمانينيات والتسعينيات كان يحدث بمعدل أكبر بكثير مما هو عليه اليوم.

وصحيح أيضا أن السعودية تنفق أكثر مما تجنيه. في هذا العام من المتوقع أن تسجل المملكة العربية السعودية عجزا يقارب 20% من الناتج المحلي الإجمالي وفقا لحسابات صندوق النقد الدولي.

ولكن هذه ليست ظاهرة جديدة. عانت المملكة العربية السعودية عجزا ماليا سنويا بين عامي 1983 و1999 خلال ذلك الوقت كان يجري تمويل حروب الخليج والتي كلفت المملكة أكثر من نصف ناتجها المحلي الإجمالي وكانت تتعامل أيضا مع أسعار نفط أقل كثيرا مما هي عليه اليوم.

في الشهر الماضي، خفضت «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتماني للمملكة العربية السعودية درجة واحدة. هذا الأمر لا يعد كارثة. وهو يشير إلى أن البلاد لا تزال لديها القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية لكنها الآن، إلى حد ما، أكثر عرضة للآثار السلبية للتغيرات في الظروف الاقتصادية. في الواقع فإن «ستاندرد آند بورز» تتوقع أن ينخفض العجز المالي في المملكة العربية السعودية إلى 6% فقط عام 2018 إذا استقرت أسعار النفط عند سعر 63 دولارا للبرميل.

أوراق رابحة

المملكة العربية السعودية لديها اثنين من الأوراق الرابحة الإضافية في جعبتها: المؤسسات المالية القوية والديون الحكومية المنخفضة. وفقا لتصنيف وكالة «موديز» والمؤشرات العالمية الصادرة عنها حول إدارة الحكم، فإن المملكة العربية السعودية تتمتع بدرجة عالية من المصداقية السياسة.

وقد تحسنت الأمور بشكل كبير منذ النصف الأول من عام 2015. وقد تم تجميع أعضاء المجلس الحاكم (وزراء الحكومة) في مجلسين اثنين هما: مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية ومجلس شؤون السياسية والأمنية.

في أواخر الشهر الماضي، شرعت المملكة العربية السعودية في إنشاء هيئة جديدة تهدف إلى تحسين كفاءة الحكومة. المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة الحكومية هو جزء من حملة أوسع يقودها نائب ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان» لتبسيط عمليات صنع القرار في البلاد.

والآن يجري النظر بجدية في سياسات كان يعتقد في وقت سابق أنها من المحرمات، ويتم النظر إليها الآن باعتبارها خيارات مستقبلية. على سبيل المثال، فإن مجلس الشورى، وهو هيئة استشارية رسمية في المملكة العربية السعودية، والتي تقترح القوانين على الملك وحكومته، قد أعد مشروع قانون بشأن فرض ضرائب على ما يسمى «الأراضي البيضاء»، وهي الأراضي غير المستغلة في المناطق الحضرية.

ومن المؤمل أن مثل هذه الخطوة (إذا وافق عليها الملك)، سوف تساعد البلاد التي تمتلك كتلة سكانية شابة ونامية على معالجة النقص في المساكن. أنشأت المملكة العربية السعودية أيضا لجنة لتوليد فرص العمل ومكافحة البطالة في محاولة لمكافحة ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب.

الورقة الرابحة الأخرى لدى المملكة العربية السعودية هي المعدلات المنخفضة للديون الحكومية. خلال سنوات الطفرة، تمكنت المملكة من تسديد جميع ديونها والتي كانت قد تخطت نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1999. وعلى الرغم من الاستفادة من أسواق السندات في وقت سابق من هذا العام، فمن المتوقع أن تصل الديون إلى 6% فقط من إجمالي الناتج المحلي بحلول نهاية هذا العام وفقا لـ«موديز» المملكة العربية السعودية لديها أدنى نسبة للدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من أي بلد في مجموعة العشرين.

تستعد البلاد لتعلن ميزانيتها عام 2016، والتي سوف تعطيها الفرصة لإثبات أنه يمكن كبح جماح الإنفاق، وتشغيل اقتصاد أكثر انضباطا.

السياسة الداخلية والإقليمية دائما تلعب دورا في الشعور تجاه المملكة العربية السعودية. في هذا الباب أيضا ليس هناك ما يستدعي الشعور بالقلق: وكان من الشائع في عهد الملك «عبد الله» أن هناك قلق حول مستقبل الهش للبلاد في حال وجود اضطرابات حول خلافته. في الواقع، تسلم الملك «سلمان» السلطة في يناير/ كانون الثاني بشكل سلس وهو ما ساهم في تبديد أي مخاوف حول عدم الاستقرار داخل الأسرة المالكة.

المسائل الجيوسياسية الإقليمية هي مجال آخر للقلق بالنسبة للعديد من المراقبين. صحيح أن التدخل العسكري السعودي في اليمن هو أمر جديد نوعا ما ولكن البلاد معتادة بشكل كبير على التعامل مع حالات عدم الاستقرار من نوع أو آخر: تراجع النفط في الثمانينيات والتسعينيات كان مزامنا للحرب بين إيران والعراق، والحرب الأهلية في لبنان والجزائر والاضطرابات في السودان وحرب الخليج الأولى. ورغم كل هذا، فقد حافظت المملكة العربية السعودية على استقرارها.

لا أحد يعرف ماذا سيحدث لأسعار النفط في العام المقبل. ما هو مؤكد هو أن سوق الطاقة قد تغير مع ظهور التحسينات التكنولوجية وإنتاج الصخر الزيتي والغاز.

ومع ذلك، فإن موقف المملكة المهيمن داخل منظمة البلدان المصدرة للنفط، مع قدرة تفوق سائر الأعضاء الآخرين مجتمعين يجعلها حليفا مهما من ناحية الجغرافيا السياسية بالنسبة للولايات المتحدة والدول الصناعية الأخرى.

ليس هناك شك في أن المملكة العربية السعودية تواجه العديد من التحديات وأن الوقت هو جوهر المسألة. جميع صناع القرار يدركون ذلك بوضوح.

إن البلاد بحاجة إلى تنويع اقتصادها، وخلق المزيد من فرص العمل، والشروع في برنامج الخصخصة ومعالجة ارتفاع مستوى الاستهلاك المحلي للطاقة. ومع ذلك، ليس هناك وقت أفضل للمملكة لاعتماد التغيير من الآن. الدينامية التي تتخلل التفكير السعودي الجديد ينبغي أن توفر الثقة أن اقتصاد البلاد مستقر ولا يواجه خطر التحطم كما يشاع.

اقرأ أيضاً

السعودية تواجه خيارا صعبا: إما تخفيض إمدادات النفط أو تحرير صرف الريال

«ديلي تليغراف»: السعودية تتجه للتركيز على الاقتصاد بعد «لدغة» انخفاض أسعار النفط

«التليجراف»: الاستراتيجة النفطية السعودية تدمر منظمة «أوبك»

السعودية تسعى للاستفادة من أسواق السندات العالمية إثر انهيار أسعار النفط

«فورين بوليسي»: اقتصاد السعودية محصن .. والحديث حول انهيارها مبالغ فيه

«الجارديان»: وثائق مسربة تظهر توجه الحكومة السعودية نحو تطبيق خطة تقشفية

الاقتصاد العالمي نحو الخروج من المراوحة

عبر العاصفة.. كيف ستتفادى السعودية انهيار الاقتصاد النفطي؟

السعودية تحقق المستهدف في «خطة التنمية التاسعة» بمتوسط نمو 5.2% سنويا

95% من مشروعات التنمية في السعودية «غير منتظمة»

«ميد»: حجم المشروعات في السعودية «قياسي» رغم انخفاض أسعار النفط

«النعيمي»: السعودية تتمتع بدور اقتصادي وسياسي وعسكري مهم

«دربكة» أمام مرمى الاقتصاد السعودي

«نيويورك تايمز»: السعودية تواصل ضخ النفط رغم المخاطر الاقتصادية والسياسية

الجرائم الاقتصادية

اللاعبون الجدد في الاقتصاد السعودي (1-2)

اللاعبون الجدد في الاقتصاد السعودي (2-2)

اقـتصاد السعودية لا يدعو للقلق

السعودية تحت المجهر .. ما الذي يغفله صناع القرار في الغرب حول المملكة؟

«العساف»: نتوقع استمرار نمو الاقتصاد السعودي وإن كان بمعدل أقل