الجمعة 5 فبراير 2016 05:02 ص

في مطلع كل سنة ميلادية، تتسابق الصحف السعودية لنشر أرقام حوالات العمال الأجانب الى الخارج على صفحاتها الأولى، مصحوبة بالأشكال والرسوم البيانية المتزايدة تباعاً. ويبدأ المحللون الاقتصاديون وغيرهم، يحذرون من زيادة قيمة الحوالات مقارنة بالعام السابق، ويتتالى التبرم والنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي لأيام قليلة، ثم يدخل الجميع بعدها في سبات طويل حتى كانون الثاني (يناير) المقبل من العام التالي، لتعاد الأسطوانة مجدداً.

هذا السيناريو شبه المعتاد يتكرر منذ العام 2001، حينما كانت حوالات اليد العاملة الأجنبية لا تتجاوز 21 مليار ريال (5.6 مليار دولار)، وأعيد الشهر الماضي للسنة الخامسة عشرة على التوالي بلا جديد يذكر، وحوالات الأجانب تسجل 157 مليار ريال.

في السعودية، لا يجلس أربعة أو خمسة أشخاص مع بعضهم إلا ويتبرمون من اليد العاملة الأجنبية، ومن زيادتها ومن حوالاتها، ومن سلوك العمال الأجانب، ومن الزحام الذي تسبّبه اليد العاملة الأجنبية في الشوارع، ومن التستر التجاري الذي تمارسه، ومن كبر حجم الغش المرتبط بها.

ولو أنك قلت لأحد هؤلاء أنك تتبرع له بإنهاء كل إجراءات ترحيل اليد العاملة الأجنبية التي يكفلها، وتتبرع له كذلك بقيمة سفرها لتخلّصه من شكواه، لرد عليك بسرعة: ومن سيوصل الأولاد الى المدارس، ومن سيبني المنزل، ومن سيباشر أعمال المزرعة، ومن سيحرس وينظّف الاستراحة؟

بل إنك تجد تناقضاً حين تسمع ما يقوله بعضهم وتعرف الجهود والأموال و «الوساطات» التي بذلها لاستقدام مزيد من الأيدي العاملة الأجنبية.

عودة إلى الحوالات. فالسؤال الملح حالياً هو كيف ترتفع حوالات اليد العاملة الأجنبية، ووزير العمل يقول في مجلس الشورى قبل أسبوعين إن برنامج «نطاقات» وظّف مليون سعودي منذ انطلاقته قبل أربع سنوات؟

ولو عدنا الى حوالات اليد العاملة الأجنبية منذ إطلاق «نطاقات» في 2012، لوجدنا أنها زادت من 125 مليارا إلى 148 مليارا ثم 153 فـ157 مليارا من 2012 إلى 2015.

ولأن الأعوام المذكورة لم تشهد زيادات تُذكر في معدل رواتب الأجانب، فليت وزارة العمل تشرح لنا كيف وظّفت مليون سعودي وفي الوقت ذاته زادت حوالات اليد العاملة الأجنبية مع زيادة توظيف السعوديين.

عودة أيضاً إلى حوالات الأجانب، فهل المشكلة هي كبر حجم حوالاتهم؟ ماذا لو افترضنا أن قيمة ما أنتجه الأجانب من سلع وخدمات في الناتج المحلي للعام الماضي تساوي 500 مليار ريال (الناتج السعودي يبلغ 2.8 تريليون ريال)، فهل سيغير الشخص رأيه ويقول إن حوالات بمبلغ 157 بليون ريال شيء بسيط في مقابل 500 مليار ينتجها الأجانب؟

والمثل افتراضي فلا توجد أرقام فعلية عن قيمة ما ينتجه الأجانب كنسبة من حجم الناتج الإجمالي، لكن الهدف منه التعمق في الموضوع لتحديد المشكلة. فهل المشكلة هي العدد الكبير للأيدي العاملة الأجنبية؟

أم أن العدد ليس المشكلة، ولن يتنازل أحد عن العمال الذين يكفلهم ودفع الآلاف لاستقدامهم، وبالتالي فالمشكلة هي كبر حجم الحوالات الى الخارج وتناميها؟ أم أن كلاً من العدد وحجم الحوالات مقبول في مقابل حاجات الناس الى خدمات هؤلاء وفي مقابل ما يساهمون به من نمو في الناتج، والمشكلة الفعلية هي التستر والغش التجاريان؟

أم أن المشكلة هي أن السعوديين لا يجدون فرصاً للعمل بوجود اليد العاملة الأجنبية، وبالتالي لو رحلناهم سيتوظف السعوديون، مع أن السؤال البديهي هنا عموماً، هو هل فعلاً يشغل الأجانب حالياً وظائف يمكن سعودتها؟ وكم عددها ونسبتها ونوعيتها؟

اقتصادياً، تقوم دالة الإنتاج المعروفة بدالة «كوب - دوغلاس» على مزيج من العمل ورأس المال، وإن كانت السعودية تستطيع أن تستورد الآلات والأجهزة، فلا بد لها أيضاً أن تستقدم اليد العاملة الأجنبية التي تكمل شطر هذه الدالة، وهذا بديهي. ما ليس بديهياً هو أن «مشكلة» وجود هذه اليد العاملة غير معرّفة جيداً، وما لم تعرف وتحدد المشكلة كما يجب فلن تحل في شكل جيد أيضاً، فلا أحد يستطيع حل مشكلة لا يعرفها.

والخلاصة، أن مشكلة سوق العمل في السعودية ومن ضمنها اليد العاملة الأجنبية، هي مشكلة هيكلية معقدة وطويلة المدى، ولها أبعاد أمنية وثقافية وتعليمية واقتصادية واجتماعية. وبالتالي، لحل مشكلة من هذا النوع لا بد من تحديدها بدقة أولاً، فهل المشكلة في أعداد اليد العاملة الأجنبية؟ أم في حجم الحوالات؟ أم في التستر والغش؟ أم في التوطين والسعودة؟

وما لم تحدَّد المشكلة فلن يكفي علاج الأعراض الناشئة عنها، بدليل أننا نشتكي من تزايد أعداد اليد العاملة الأجنبية منذ 15 سنة، ونشتكي من كبر حجم الحوالات للمدة ذاتها، ونشتكي من التستر والغش ومزاحمة الأجانب للسعوديين.

لكن الأرقام تقول إن العدد يزيد ولا ينقص، والحوالات تتزايد عاماً بعد آخر، والتستر والغش لم تتغير أرقامهما كثيراً، وتوظيف السعوديين تحوّل بعضه إلى «سعودة وهمية»، والسبب أن كل الأنظمة والقوانين لم تعالج رأس المشكلة الأساسية لتختفي معه أعراضها، وما لم يحدد أصل المشكلة وتحل جذرياً فسيستمر الجدل العقيم حول اليد العاملة الأجنبية بين نريدهم ولا نريدهم، من دون أن يتغير شيء على أرض الواقع.