الثلاثاء 16 فبراير 2016 04:02 ص

من يتابع مواقف وتصريحات إدارة أوباما والكتب والدراسات وإصدارات مراكز الدراسات المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط في واشنطن، يصل إلى قناعة واضحة بأن هناك تراجعاً وتخفيضاً لمكانة وللأهمية المركزية لمنطقة الشرق الأوسط في إستراتيجية إدارة أوباما المتراجعة والمستقيلة من دور الزعامة.

برزت خلال العقد والنصف الماضي تهديدات للأمن القومي الأميركي مختلفة عما كانت عليه سابقاً. بعد تفرد أميركا بالنظام العالمي إثر سقوط الاتحاد السوفييتي، لم يجرؤ أي طرف- دولة كانت أو مجموعة دول من التحالف لتهديد الأمن القومي الأميركي ومصالح واشنطن حول العالم. لكن تبرز اليوم تهديدات استراتيجية جديدة- أبرزها: روسيا المتنمرة التي تشكل التهديد الرئيسي للولايات المتحدة- بسبب العودة لأجواء التنافس والحرب الباردة.

وإن كانت روسيا وأميركا والنظام العالمي يدركون أن روسيا في أحسن الأحوال ليست قوة عظمى بقدر أنها قوة إقليمية فاعلة تسعى لفرض نفسها في مناطق نفوذ واشنطن للمشاكسة والمقايضة.

وهناك تنظيم «داعش» الذي يشكل تهديداً إستراتيجياً كما تراه واشنطن. وهناك تهديد القرصنة الفضائية والتغير المناخي. وكذلك العجز الكبير في الميزانية والخشية من أزمة كساد اقتصادي جديدة.

وهناك تحولات جذرية في مقاربة أميركا لشأن الطاقة، حيث أصبحت الولايات المتحدة الدولة الأولى المنتجة للنفط في العالم، بل صدرت مطلع العام الحالي أول شحنة نفط للخارج إلى اليابان. بعد رفع الكونجرس الأميركي حظراً على صادرات النفط الأميركي دام منذ المقاطعة العربية قبل أكثر من أربعة عقود.

هذه التحديات تشكل بمجملها تهديدات متماثلة وغير متماثلة من التهديدات الصلبة والناعمة التي توليها واشنطن أهمية وتسعى لمواجهتها.

وقد وجّهت مراكز دراسات إستراتيجية وخبراء عسكريون واستراتيجيون أميركيون انتقادات لاذعة لإدارتي بوش الابن وأوباما خلال العقد الماضي لإهمال مناطق إستراتيجية في العالم مثل أوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وشرق آسيا لمصلحة منطقة صغيرة تمتد من باكستان وأفغانستان إلى المتوسط، استحوذت على جل الاهتمام الإستراتيجي والعسكري والسياسي الأميركي، ما أدى إلى استنزاف أميركا في حروب سُميت «عقد الدم والمال» في أفغانستان والعراق وعلى الإرهاب.

انهمكت إدارة أوباما بشكل مبالغ فيه جهداً ورهاناً- بملف إيران النووي والصراع العربي- الإسرائيلي، وذلك على حساب المناطق الإستراتيجية الأهم في العالم، خاصة شرق آسيا والباسفيك والصين- حيث تؤكد الدراسات الأمنية والاستخبارية الأميركية وخاصة دراسة مجلس الاستخبارات الوطني أن الثقل الإستراتيجي والمالي العالمي انتقل لأول مرة منذ اكتشاف «كريستوفر كولومبس» أميركا من منطقة المحيط الأطلسي إلى منطقة المحيط الهادي.

وأن الصين ستصبح الاقتصاد الأول في العالم قبل 2020 متقدمة على الولايات المتحدة الأميركية. كما أن قوة الصين الاقتصادية ستعزز قوتها العسكرية، والإستراتيجية الصينية تنافس وتقارع واشنطن في منطقة شرق وجنوب شرق آسيا، لهذا سيتراجع اهتمام واشنطن من منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي كأولوية واهتمام.

اليوم هناك خشية حقيقية لدى حلفاء واشنطن من أن التراجع والانكفاء الأميركي لن يكون نهج أوباما، بل نهج الإدارات الأميركية القادمة من «الجمهوريين» و«الديمقراطيين»، وإذا تكرس ذلك النهج كإستراتيجية الإدارات الأميركية المتعاقبة، بدءاً بالإدارة الأميركية القادمة في يناير 2017 والإدارات التي ستعقبها، يتطلب تغييراً في طبيعة العلاقة الإستراتيجية مع واشنطن، ويفرض على حلفاء واشنطن- كدول مجلس التعاون الخليجي الاعتماد على إستراتيجية تقلص الاعتماد على الآخر وتزيد من الاعتماد على القدرات الذاتية وتنويع الحلفاء والتحالفات وعدم وضع البيض كله في سلة واحدة.

وانتهاج مقاربة مختلفة عن تلك التي ترسخت وتحولت لعقيدة عسكرية وإستراتيجية منذ حرب تحرير الكويت قبل ربع قرن، والتي لم تؤهل دول مجلس التعاون الخليجي خلال الربع قرن الماضية أن تقلص من الاعتماد على الأمن المستورد وخاصة من الولايات المتحدة، التي اختلفنا معها في السنوات الماضية حول عملية السلام والصراع العربي- الإسرائيلي وإيران والعراق وسوريا. وهذه خلافات إستراتيجية وجوهرية وليست شكلية أو عابرة.

واقع العلاقة الحالية بين الطرفين الخليجي والأميركي ليس على أحسن حال، وذلك منذ أن انخرطت الولايات المتحدة في مفاوضات سرية وعلنية حول برنامج إيران النووي قبل عامين ونصف، وبعد التوصل للاتفاق النووي الذي هو ثمرة استثمار شخصي وإستراتيجي لأوباما وإدارته- والعلاقة تشهد فتوراً وخلافاً وصل لحد العلن.

وتأكد ذلك في قمة كامب ديفيد «تطمينات بلا ضمانات»، ورفض إدارة أوباما ترقية العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي لمستوى العلاقة بين الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، أو حتى ترقية العلاقة بين واشنطن ودول مجلس التعاون الخليجي لمستوى «حليف رئيسي من خارج حلف الناتو»، كحال العلاقة الإستراتيجية بين واشنطن والكويت والمنامة!

الانكفاء والتراجع الأميركي حفّز إستراتيجية خليجية أكثر جرأة وإقداماً وبدأت تلك الإستراتيجية الخليجية الجريئة بالتبلور، حيث هناك استراتيجية أكثر استقلالية في تحمل مسؤوليات وقيادة تحالفات، وتشكيل أكبر تحالف عربي وإسلامي عسكري خلال عام، وإطلاق «عاصفة الحزم» في اليمن بقيادة السعودية مع دولة الإمارات، ونرى في سوريا رأس الحربة، ونراها اليوم بإرسال مقاتلات وقوات خاصة والاستعداد لخوض حرب برية لمواجهة تنظيم «داعش» في سوريا.

والإصرار على رحيل الأسد، والأهم تحويل كل ذلك لمشروع إستراتيجي يواجه ويحتوي مشروع إيران وحلفائها وغيرها في المنطقة.. وللحديث صلة.