السبت 20 فبراير 2016 05:02 ص

اختلفت المقاربات السياسية التي استخدمت في تفسير الربيع العربي، بوصفه ظاهرة سياسية ضربت المنطقة بشكل مفاجئ قبل خمسة أعوام، بشكل كبير، ما بين مقاربات سياسية كانت تميل إلى تفسير الربيع العربي بوصفه ظاهرة سياسية تتعلق بالنظم السياسية وأشكال البنى السياسية القائمة. وتتمحور سردية أصحاب هذه المقاربة أن بعض هذه النظم/ البنى هي من حيث الأصل أكثر قابلية للتغيير من غيرها وأن الربيع العربي ضد ضرب بشكل مركز الجمهوريات ما بعد الكولونيالية في منطقة الشرق الأوسط، بينما ظلت الأنظمة الملكية أقل عرضة للتغيير.

يرى بعض المؤرخين للنظم السياسية، ومنهم «إليوت إبرامز»، وهو نائب مساعد الرئيس الأمريكي في إدارة «بوش الابن» أن الأنظمة الملكية في الشرق الأوسط على وجه الخصوص تتمتع بشرعية أكبر من الأنظمة الجمهورية لأنها لم تقم على تاريخ طويل من القمع الدموي للمواطنين.

لا تحظى هذه المقاربة بقبول كامل، حيث يرى البعض أن الأعوام الأخيرة ما قبل الربيع العربي قد شهدت انحسارا كبيرا للفوارق بين الملكيات، الدستورية منها والسلالية، وبين الجمهوريات ما بعد الكولونيالية. ساعدت المخاوف السياسية في نمو سلطات الأجهزة الأمنية في الأنظمة الملكية أيضا، في حين بدأت تكتسي النظم الجمهورية بصبغة ملكية فيما يعلق بتداول السلطة ضمن فئة معينة، بل إن معظم دول الربيع العربي كانت تشهد خططا لتوريث السلطة من الرئيس إلى نجله كما في مصر وليبيا واليمن، بينما كانت سوريا سباقة في هذا المضمار حين نقلت السلطة إلى «بشار الأسد» عقب وفاة والده «حافظ الأسد» في عام 2000 بعد إجراء تعديلات دستورية صورية.

وفيما يبدو أن دول الخليج ذاتها لم تكن قانعة أنها بمعزل من التغيير حتى مع اعتبار أن الربيع العربي، بوصفه أحد ظواهر الاقتصاد السياسي أيضا لم يكن مرشحا ليضرب الأنظمة الخليجية بشكل كبير. لم تشهد هذه الأنظمة، على الأخص النظم المحافظة منها مثل المملكة العربية السعودية، تحولات اقتصادية نيوليبرالية قد تفرز طبقة وسطى فاعلة أسوة بتونس ومصر. ولكن يبدو أن أنظمة الحكم في المنطقة، بما في ذلك الأنظمة الخليجية، قد اختارت التعامل مع الربيع العربي وفق مقاربة أقل تركيبا وأشد مباشرة.

مثلت المطالبات السياسية (من الحريات إلى تداول السلطة) والاجتماعية والاقتصادية (من المستوى المعيشي الأفضل إلى المطالبة بالمشاركة في إدارة الاقتصاد) تطلعات مشتركة لجيل الربيع العربي. كما أن تركيبة القوى الأساسية شديدة السيولة في مطلع الربيع العربي كانت متشابهة في الكثير من الدول وقابلة للاستنساخ، حيث لم تكن ترتكز على هياكل المعارضة السياسية التقليدية بقدر ما كان وقودها هم الشباب غير المسيس المطالب بالتغيير. تتمتع الدول الخليجية بمعدلات شبابية كبيرة، في الوقت الذي يجري فيه احتكار مرافق الاقتصاد والسياسة من قبل طبقة حاكمة منعزلة. ورغم ضعف بنى المعارضة السياسية هيكليا وأيدولوجيا، وضمور المجتمع المدني في هذه الدول مقارنة بمصر وتونس مثلا، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لإقناعها أنها تقف بمعزل عن التغيير.

احتواء التغيير في الداخل

بعد أن أفاقت الملكيات الخليجية من الصدمة الأولى لسقوط نظامي «زين العابدين بن علي» في تونس ونظام «حسني مبارك» في مصر، كان من المنطقي أن تسعى الأنظمة الحاكمة في هذه الدول إلى احتواء الأسباب المحتملة لانتقال تلك المطالبات إلى شواطئها. وقد عمدت في ذلك إلى تطبيق استراتيجيات مزحت بين زيادة القبضة الأمنية وتوزيع الفوائض الاقتصادية. وربما لحسن حظ هذه الدول، فقد جاءت هذه الموجة في وقت كانت قد راكمت فيه فوائض مالية كبيرة بفعل عقد من الارتفاع الجنوني في أسعار النفط. أنفق العاهل السعودي الراحل 130 مليار دولار من الاحتياطي النقدي على النفقات الاجتماعية التي شملت زيادة الأجور في القطاع العام، وصرف رواتب شهرين كاملين لكل العاملين في الدولة من مدنيين وعسكريين إضافة إلى شهرين لجميع طلاب وطالبات التعليم الحكومي. كما تم اعتماد صرف مخصصات بطالة للعاطلين عن العمل. إضافة إلى ذلك فقد تم استحداث 70 ألف وظيفة جديدة في وزارة الداخلية وإنشاء نصف مليون وحدة سكنية، سوى رفع الحد الأقصى للقروض السكنية إلى 133 ألف دولار.

قامت السلطات الإماراتية باتخاذ إجراءات مماثلة عبر زيادة المدفوعات ومنح زيادات ضخمة في دخول القطاع العام وتعزيز نفقات الرعاية الاجتماعية، بالإضافة إلى توقيع اتفاقية بقيمة 2.7 مليار دولار لمساعدة المواطنين الأكثر فقرا على سداد القروض المستحقة. وعلاوة على ذلك أعلنت الحكومة الاتحادية استثمارات جديدة بقيمة 1.6 مليار دولار من أجل تحسين البنية التحتية في الإمارات الشمالية الفقيرة. وزعت الكويت حوافز مالية قدرت بحوالي 1000 دينار كويتي (حوالي 3500 دولار أمريكي) لكل مواطن كما وفرت الدعم على المواد الغذائية لكل الأسر الكويتية. في حين أن البحرين قد استعانة بمعونات مالية سعودية بلغت قيمتها قرابة 3 مليارات دولار في إغداق الفوائض هي الأخرى، حيث اعتلت البحرين المرتبة الرابعة في قائمة الدول المتلقية للمعونات السعودية في أعقاب الربيع العربي.

القبضة الأمنية

عززت الدول الخليجية قبضة الأمن الداخلي بشكل كبير. وسعت المملكة العربية السعودية من صلاحية أجهزة الشرطة والجيش والحرس الوطني (أشرنا سلفا إلى استحداث 70 ألف وظيفة في وزارة الداخلية). واستغلت الإمارات عريضة الإصلاح في عام 2011 من أجل شن عدة حملات أمنية غير مسبقة شملت صفوف المعارضة الإسلامية منها وغير الإسلامية وقامت بخنق المجتمع المدني عبر تسريح مجالس إدارات الجمعيات، ووجهت اتهامات لجمعية دعوة الإصلاح، بتشكيل تنظيم مسلح رغم عدم قيام دلائل على ذلك ووقعت عليهم عقوبات كبيرة شملت السجن لمدد طويلة وسحب الجنسية، وهي الحملة التي بلغت حدها الأقصى في قضية ما يعرف بـالإمارات 94. كما أصدرت البلاد تشريعات توسع من استخدام عقوبة الإعدام الأخرى في مواجهة النشطاء والمعارضين السلميين للحكومة عبر وضعها تحت طائلة الإرهاب، كما قامت الدولة بإصدار قائمة إرهاب مثيرة للجدل بشكل كبير.

استخدمت قوات درع الجزيرة في قمع الاحتجاجات في البحرين. وشنت الكويت حملة قمعية في مواجهة القوى التي طالبت بالمزيد من الديمقراطية وتم الحكم بالسجن على القيادي المعارض «مسلم البراك» بتهمة إهانة أمير البلاد وشهدت الكويت انتكاسة ديمقراطية وحقوقية مقارنة بتقدمها المثير في هذا الإطار قبل الربيع العربي.

وقد سعت دول الخليج في اكتساب حصانة أيدولوجية ودينية ضد التغيير، فعززت السعودية من دعايتها الدينية السلفية التي ترتكز على شرعيتها الدينية في خدمة الأماكن المقدسة، واستخدمت الجناح الديني الرسمي في البلاد في تعزيز هذه الشرعية. كما حاولت الإمارات تعزيز الشرعية الدستورية لحكومتها عبر تطبيق إصلاحات شكلية والسماح بانتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، رغم بقائه مجلسا صوريا بشكل كبير، كما وعدت قطر بإجراء انتخابات تشريعية أيضا.

من الداخل إلى الخارج

ويبدو أن الدول الخليجية لم تقنع بما يكفي بجهودها لاحتواء التغيير في الداخل. كان نجاح تجارب التحول في دول الربيع العربي يمثل تهديدا كبيرا لنتائج عمليات الاحتواء الداخلي المحدود. لم تمض بضعة أشهر حتى أفرز الربيع العربي صعودا لتيارات الإسلام السياسي وهي قوى تمثل جوهر مطالباتها تهديدا لشرعية الحكم في الأنظمة الخليجية بصرف النظر عن قوتها الهيكلية أو التنظيمية. مثلت حالتي البحرين، ثم سوريا فيما بعد استثناء من المقاربة الخليجية نظرا لهيمنة النظرة الطائفية في التعامل معهما منذ البداية. حاربت دول الخليج (الإمارات والمملكة العربية السعودية على وجه الأخص) الربيع العربي في كل من مصر وتونس وليبيا كما سعت إلى احتوائه في اليمن واحتواء إرهاصاته في المغرب والأردن.

دعمت السعودية والإمارات الانقلاب العسكري في مصر منتصف عام 2013 وقدمتا الدعم المالي والسياسي للحكومة العسكرية في مصر. وفي تونس، تم تحجيم حركة النهضة التي أجبرت على التنازل عن الحكم بشكل طوعي، وازداد النفوذ الإماراتي بشكل واضح في حزب نداء تونس الحاكم ووجهت اتهامات متواترة للإمارات بالعبث بالاستقرار السياسي، بل والأمني في تونس، بما في ذلك دعم تنظيمات مسلحة التورط في عمليات اغتيال لمعارضين سياسيين. وفي ليبيا تم دعم رموز نظام «القذافي» من أجل تشكيل تكتل موازن للقوى الثورية قبل أن تنزلق ليبيا نحو ما يشبه الحرب الأهلية. وفي اليمن نجحت المبادرة الخليجية في احتواء مطالبات التغيير، وتم تحجيم نفوذ حزب الإصلاح لاحقا على مراحل متعددة.

في غضون عامين كانت قوى الربيع العربي قد شهدت انحسارا واضحا بينما صعدت الثورات المضادة، وبدا أن الخطة الخليجية في الاحتواء الخارجي للربيع العربي قد بدأت تؤتي ثمارها.

هل نجت دول الخليج حقا من رياح التغيير؟

يحق لنا أن ندعي في هذا الصدد أنه، في الوقت الذي كانت فيه الممالك الخليجية تخوض حربها ضد الربيع العربي، وإن بدت قد حققت إنجازات واضحة في هذا المجال، إلا أنها ربما قد تورطت في استحقاقات ربما لم يظهر تأثيرها الكامل بعد.

في الوقت الذي كانت تخوض فيه هذه الدول حربها ضد قوى الربيع العربي فإنها ربما تكون قد دمرت مرتكزاتها الداخلية التي ساعدتها في احتواء موجة التغيير في عام 2011. ارتفعت نسب المظالم السياسية بشكل كبير خلال الأعوام الماضية وحظيت بقدر كبير من تسليط الضوء، كما ازداد نفوذ الأجهزة الأمنية بشكل واضح في الدول الملكية ما جعل بنيتها الأمنية أقرب ما يكون إلى الجمهوريات ما بعد الكولونيالية. تم جسر الحدود الفاصلة بين العائلات المالكة بصفتها حكما بين القوى الاجتماعية المختلفة لتصبح طرفا في الصراع القائم ومحطا للوم بشكل مباشر ربما لم يسبق له مثيل. كما انهارت الشرعية الرمزية للكثير من هذه الدولة وبالأخص المملكة العربية السعودية التي فقدت جزءا كبيرا من رأسمالها الرمزي في العالم السني خلال الأعوام الفائتة وأصبحت الشرعية الدينية للعائلة المالكة محل تشكيك داخلي وخارجي. وحتى قوى السوق لم تكن رحيمة بها، حيث عملت ديناميات انخفاض العوائد الريعية على تهديد العقد الاجتماعي الريعي، وحجمت من قدرة البلاد على شراء الولاء السياسي باستخدام الفوائض المالية.

الخلاصة إذن أن أمواج الربيع العربي كانت أكثر عمقا وانتشارا من أن يجري احتواؤها بالحرب المادية على القوى الممثلة للتغيير.

وفي الواقع فقد ضربت هذه الأمواج جذور الامتياز الخليجي الذي منح هذه الدول استثناء ومناعة خاصة ضد أمواج التغيير الأولى. والواقع أن الكثير من الملكيات الخليجية قد فقدت جزءا كبيرا من مقدراتها الرمزية في معركة الأعوام الخمسة الماضية، في حين أن الربيع العربي، وإن بدا أنه تم احتواؤه بشكل كبير فإنه لا يمكن أبدا حصره في صعود أو هبوط قوى أو تيارات بعينها. وفي الوقت الذي لا تزال فيه مطالباته الرئيسية قائمة، لا تزال هناك فرصا لموجات جديدة، ولكنها ربما تكون هذه المرة أكثر عنفا وجذرية.

المصدر | الخليج الجديد