الثلاثاء 5 أبريل 2016 01:04 ص

«يجب أن يعرف المواطنون أن الاقتصاد ليس بخير، وأن الإصلاح الاقتصادي إن لم يبدأ اليوم، فإن غدا سيكون متأخرا جدا، وستكون فاتورة الإصلاح وكلفته أعلى، والألم أكبر».. بهذه الكلمات لخص الاقتصادي السعودي «عصام الزامل»، الوضع الاقتصادي لدول الخليج، المعتمدة في المقام الأول على النفط كمصدر للدخل، معلنا بداية النهاية لما أسماه «الدولة الأبوية»، أو «دولة الرفاه».

فعلى مدار نحو خمسة عقود، تلت تفجر ثورة النفط، وانتهاء الاستعمار البريطاني السابق، وتأسيس دول الخليجية الحديثة، باتت الحكومة توفر احتياجات المواطنين، وتدعم أسعار السلع التي يحتاجون إليها، وتوفر لهم الوظائف الحكومية المريحة ذات المرتبات المرتفعة نسبيا، كما تسهم الحكومة في تقليل التكاليف على القطاع الخاص من خلال توفير الطاقة الرخيصة، ومدخلات الإنتاج المدعومة، وفتح الباب لهم لاستقدام العمالة الرخيصة، كل هذا وغيره سبب ما يمكن تسميته بـ«دولة الرفاه»، والتي باتت الصورة العامة لدول الخليج، وشكلت العوائد البترولية الكبيرة، التي حققتها هذه الدول، والتي تمثل أكثر من 90% من دخل الحكومة، دعامتها الرئيسية.

إلا أنه مع انخفاض أسعار النفط بداية من منتصف 2014، فإن استمرار هذه الدولة بهذا الشكل بات حلم صعب المنال.

فمنذ انخفض سعر برميل النفط من 120 دولار إلى ما دون الـ30 دولار، في وقت من الأوقات، لم تجد دول الخليج بدا من التخطيد وبدء تنفيذ إجراءات تحفظ استمرارها، أبرزها تراجع الإنفاق الحكومي، وإعادة تسعير الخدمات، وإعادة النظر في برامج الدعم المباشر، وفرض بعض الضرائب.

مدير عام المعهد العربي للتخطيط «بدر مال الله»، شدد خلال ندوة بالكويت، الشهر الماضي، على ضرورة «إعادة النظر في دور الدولة من أجل إيجاد معالجة تدريجية للاختلالات في المالية العامة والناتج وسوق العمل، حيث أن الإصلاح من خلال الانتقال من دولة الرفاه إلى نموذج جديد يتطلب تقديم تضحيات من قبل الحكومة والمجلس والشعب، وذلك من خلال نظرة متوازنة لكيفية انتشال أوضاعنا الاقتصادية والتنازل عن بعض مكاسبنا السابقة».

إجراءات صعبة

السعودية، ومع إعلان موازنتها الأخيرة، في ديسمبر/كانون أول الماضي، قالت إنها تخطط لفرض ضريبة القيمة المضافة، بالتنسيق مع دول أخرى في المنطقة، وهو إجراء سيؤثر بشكل مباشر على قدرة الإنفاق للمواطنين العاديين، حتى مع استثناء بعض المواد، مثل الغذاء.

كما شهدت الموازنة الإعلان بشكل واضح عن رفع الدعم عن البنزين، والغاز، والكهرباء، والمياه، والصرف الصحي، حيث ارتفع بعضها إلى الضعف.

في الوقت الذي صرح «إبراهيم العساف» وزير المالية السعودي، في أكتوبر/تشرين أول الماضي، أن بلاده بدأت في خفض النفقات غير الضرورية، كما نقلت مصادر داخل الوزارة صدور تعليمات للجهات الحكومية بإعادة ما لم تنفقه من أموال مخصصة لمشروعاتها، في إطار سعيها لترشيد الإنفاق.

وقالت الحكومة في فبراير/شباط الماضي، إنها ستسعى لترشيد الإنفاق على الرواتب والمكافآت لموظفي الدولية والتي تمثل 50% من الموازنة، فيما أقرت تقليص خطة لبناء عدد من ملاعب الكرة، بمختلف أنحاء البلاد، وجرى إلغاء عقد بقيمة 201 مليون دولار لشراء قطارات سريعة، كما تباطأت عملية توسعة أحد الحقول النفطية.

كما أن العام الماضي، شهد إجازة وزارة المالية عقودا لمشروعات جديدة بقيمة 106.02 مليارات ريال فقط، بانخفاض 38% عن العام السابق، بحسب «رويترز»، ولم يشهد النصف الثاني من العام الماضي الترسية على أي مشروع جديد رغم طرح عدد من المشروعات.

يشار إلى أن الاحتياطي النقدي السعودي، سجل في نهاية 2015، قرابة 616.4 مليار دولار مسجلا انخفاضا بنسبة 15.3% عمّا كان عليه نهاية عام 2014.

هذه القرارات المؤثرة على حياة المواطنين، لم تتوقف على السعودية، بل إن الإمارات والبحرين، قد سبقوها بإقرار بعض الإجراءات، على رأسها رفع الدعم عن الوقود.

ففي ديسمبر/كانون الأول الماضي، قررت البحرين خفض الدعم الحكومي عن الديزل والكيروسين ابتداء من بداية العام الجاري، حيث نقلت وكالة أنباء البحرين «بنا» عن وزير الطاقة «عبد الحسين علي ميرزا»، قوله إن رفع أسعار مشتقات النفط الأخرى لا يزال قيد الدراسة.

جاء قرار البحرين، عقب 4 شهور من إعلان الإمارات، رفع الدعم عن الوقود، والذي بدأ تطبيقه في أغسطس/آب 2015، لترتفع الأسعار بنسبة 24%.

الإمارات أيضا، وفي إطار سعيها نحو مواجهة انخفاض أسعار النفط، أعنت دراسة فرض ضريبة القيمة المضافة على مواطنيها، مع بداية 2018، في الوقت الذي نفت وزارة المالية على لسان الوزير «عبيد حميد الطاير»، وجود أي نية بشأن فرض ضريبة على دخل الأفراد.

الكويت، هي أولى الدول التي تحدثت صراحة عن «قرب انتهاء دولة الرفاه»، وذلك قبل أزمة النفط، حيث أشار رئيس الحكومة «جابر المبارك الصباح»، في 2013، إلى إن ما وصفها بدولة الرفاه التي تعوّدها الكويتيون لن تستمر طويلا، داعيا المجتمع الكويتي للتحول من الاستهلاك إلى الإنتاج.

وفي إطار مواجهة أزمة انخفاض أسعار النفط، كشف «أحمد لاري»، النائب بمجلس الأمة الكويتي «البرلمان»، الشهر الماضي، أن حكومة بلاد تستعرض طرح بعض الشركات الحكومية في البورصة، ورفع الدعم عن البترول والكهرباء خلال الأيام المقبلة.

وأضاف «لاري» أن الحكومة تستهدف رفع الدعم عن الفئات ذات استهلاك يصل إلى 1200 وات بقيمة 3.5 فلس بدلاّ من 2 فلس.

وعن رفع الدعم عن البترول، أوضح أن الحكومة تناقش إضافة 40 لتر على رخصة القيادة في الشهر الواحد وأن تلك النسبة قابلة للتغير.

ونقلت صحيفة «القبس»، في ديسمبر/ كانون أول الماضي، عن مصادر توقعاتها بأن يتم رفع الدعم تدريجيا، حتى 2019.

تأتي هذه الإجراءات في إطار خطط الحكومة للقيام بإصلاحات هيكلية من شأنها خفض الدعم عن العديد من السلع، بهدف ترشيد الاستهلاك، وتقليل الفجوة بين الإيرادات المالية والنفقات المتوقعة.

سؤال العقد السياسي والاجتماعي؟!

يبقى السؤال الأهم هو تأثير هذه الإجراءات على الاستقرار السياسي والاجتماعي في دول الخليج، خاصة وأنه لسنوات طويلة اعتمدت هذه دول على صيغة من التعاقد مع المواطنين تقضي ضمنا بتحمل الدولة مسؤولية الرفاه الاجتماعي بتبني خطط إنفاق حكومي واسعة على الصحة والتعلم والابتعاث للخارج وإقراض المواطنين (ثم اسقاط الديون عن المتعثرين) ....الخ، مقابل ترك المجال العام حكرا على الدولة. يجادل البعض أن شرعية الحكم في دول الخليج بنيت على هذا النمط من الرعاية الأبوية، ومن ثم لم تكن ثمة حاجة ملحة وواسعة لمطالب المشاركة السياسية لعموم المواطنين في أغلب دول الخليج. حتى في دولة مثل الكويت التي تشهد دائما حراكا ونشاطا سياسيا كانت دائما ومازالت لا تنطلق من انتقاص شرعية الحكم في البلاد، فضلا عن تمثل تهديدا مباشرا له. 

في الدولة الريعية، الثروة حول جزء صغير من المجتمع يمثل النخب الحاكمة (الأسر الحاكمة في حالة دول الخليج)، لكن الشعب يحصل أيضا على أسهمه من خلال عملية التوزيع التي تسيطر عليها النخب الحاكمة الصغيرة. لذا، فإن السلطة في الدولة االريعية لديها فرصة أوسع علكسب طاعة البيروقراطيين بسبب القدرة الحصرية لمنح المكافآت المادية والشرف الاجتماعي. وهي حالة عامة تميز الدولة الريعية؛ حيث تتمتع الدولة بقدرة على التوجيه المركزي للاقتصاد من خلال احتكارها استخراج وتصدير موارد الطاقة، وبالنظر لارتفاع نسبة الاقتصاد الريعي في دول الخليج مقارنة بأي قطاع آخر، فإن دول هذه المنطقة تقدم نموذجا على قدرة الدولة على الهيمنة على مفاتيح الاقتصاد ومن ثم النفوذ والترقي الاجتماعي، وهو ما يعطل دائما تكون طبقة وسطى ذات نفوذ منافس للدولة يمكنه في لحظة ما أن يطالب ياستحقاقات سياسية معينة.

وقد خلصت دراسة مقارنة أعدها أربعة من الباحثين المتخصصين في جامعة أوهايو بعنوان «الدول الريعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، إلى أن دول الخليج تمكنت من مواجهة موجة الربيع العربي لاعتمادها على على نمط واسع من الإنفاق الريعي ليس متاحا للدول الأخرى التي لم تصمد أمام زحف الثورات العربية (مصر، تونس، اليمن، ليبيا) رغم تمتع هذه الدول بنسبة من الاقتصاد الريعي، لكنها لا تقارن بنمط الإنفاق الواسع والرفاه السائد في دول الخليج والذي يعتمد بشكل رئيسي على عوائد الطاقة (النفط والغاز) بصورة مباشرة.

المعضلة

تبقى معضلة، يطرحها الكاتب البحريني «يوسف البنخليل»، في مقال له، بجريدة «الوطن» البحرينية، حين قال: «من السهل جداً على حكومات دول مجلس التعاون الخليجي إنهاء نموذج دولة الرفاه، وانتهاء مرحلة الدولة الريعية تاريخياً، ولكن ماذا بعد؟».

وأضاف: «هل يملك المواطن الخليجي استعداداً وقبولاً لطبيعة هذه المرحلة، والذي من المحتمل أن تفرض عليه ضرائب مثل النموذج الغربي، وهل لديه الاستعداد أيضاً لإنهاء الاتكالية والاعتماد على الآخرين في تنفيذ مشاريع التنمية؟».

وختم بقوله إن «البعد الثقافي مطلوب في عملية إنهاء دولة الرفاه، ولكن في النهاية من حق الشعوب الخليجية أن تتمتع بثرواتها بالكيفية التي تراها مناسبة مع حكوماتها».

هذا البعد الثقافي ضروري لبناء اقتصاد منتج مستدام يضمن أن تعيش الأجيال القادمة بالسعودية بنفس مستوى الرفاه الذي يعيشه المواطنون اليوم أو أفضل. كما يتطلب هذا الانتقال بناء جسر من الثقة بين المواطنين والحكومة، لا يمكن بناؤه إلا إذا قامت الحكومة بعدة خطوات لكسب ثقة الناس، وجعلهم مهيئين لتحمل كلفة الإصلاحات مهما بلغت. 

وأولى خطوات بناء جسر الثقة هي المصارحة، وأن يعرف المواطنون أن التأخر في تنفيذ هذه الإصلاحات سيؤجل الكارثة، ولكنها ستكون كارثة أصعب، وربما تكون كارثة لا يمكن علاجها في ذلك الحين. كذلك لا مفر من إعلان حرب حقيقية على الفساد، ووقف الهدر المالي في القطاعات الحكومية، وزيادة دور الأجهزة الرقابية ومنحها استقلال حقيقي، ورفع مستوى الشفافية في كل ما يتعلق بقنوات الصرف.

لكن الخطوة الأهم، غالبا، ستكون ضرورة مواكبة هذه الخطط بعملية انفتاح سياسي أوسع يسمح بمشاركة مجتمعية في إدارة الشأن العام، وهو ما لا توجد عليه مؤشرات حقيقية حتى الآن.
المصدر | الخليج الجديد